للإجابة على هذا التساؤل علينا العودة إلى القاعدة الفلسفية التي تقول: “أن المبادئ والأهداف، هي التي تحدد نوعية القادة الذين يمكنهم قيادة إمة أو شعب ما، وتحقيق أهدافه والوصول به إلى بر الأمان”. وفي الحالة الكردية يعني تحقيق الحرية والإستقلال.
لو الأفكار والأهداف التي وضعها كبار الفلاسفة الأوروبيين، لم إنفجرت الثورة الفرنسية قبل مئات الأعوام، ولا الثورة البلشفية قبل أكثر من مئة عام، ولا إنفجرت ثورة الشعب الكردي بقيادة حزب العمال الكردستاني بزعامة الأخ عبدالله اوجلان، المسجون ظلمآ وعدوانآ منذ عشرين عامآ من قبل الدولة التركية الطورانية الفاشية.
ولكن الأفكار والأهداف لوحدها لا تكفي، وإنما الأمر يحتاج إلى أناس يؤمنون بهذه الأفكار والأهداف ويخلصون لها، ويعملون ويجدون من أجل تحقيقها للخلاص من وضعهم المزري والصعب، ومن خلال يعبرون إلى عالم والمساواة. يمكن تشبيه الأفكار بالمعمل والمخطط الموضوع كخطة عمل لأجل تنفيذ، والأهداف هي تلك المنتوجات المراد إنتاجها في هذا المعمل، لتلبية حاجة مجتمع ما بعينه، وأحيانآ يمكن تصدير تلك المنتوجات للخارج.
وفي أكثرية الأحيان أنت بحاجة إلى تنظيم سياسي ولربما في بعض الأحيان تنظيم سياسي وعسكري معآ كي يكون رافعة لتلك الأفكار، ويستطيع تحقيق تلك الأهداف المنشودة والمعلنة.، ومن دون وجود تنظيم سياسي، يصعب النهوض بشعب كامل أو إمة كالإمة الكردية، التي ترزح تحت نير الإحتلال منذ 2500 عام وأكثر ومقسمة إلى خمسة أقسام.
الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية والسياسية المزرية، إضافة للإستبداد، في الكثير من الأحيان هي نفسها تفرز مثل هذه القيادات وتدفع بها إلى الصف الأول. القيادات الثورية الحقيقة، لا يمكن صنعها داخل المدارس الدبلوماسية ولا في إطار المؤسسة الحزبية. لأن الصفات القيادية تولد مع الإنسان، ولا يمكن زرعها زرعآ، الذي يمكن فعله هو صقل هذه الصفات والمهارات بالخبرة والمعرفة والتجربة النضالية، من خلال العمل الميداني بين الجماهير ومع الثوار والمقاتلين.
وليس كل من تسلم منصب قياديآ في إطار تنظيم سياسي ما، لظرف أو لأخر بات شخصآ قياديآ. هذا غير صحيح على الإطلاق، وخير دليل على ذلك المعتوه بشار الأسد، والفتك مسعود البرزاني، والفهلوي عبدالفتاح السيسي، والأرعن ترامب خريج الحانات ودور القمار.
السؤال الكبير الأن هو:
ما هو الفكر أو الفلسة التي نحن بحاجة إليها كشعب كردي؟ وهل يوجد طرف سياسي كردي أو شخصية وطنية كردية قادرة على القيام بهذا الدور الريادي والوصول بالشعب الكردي إلى الحرية والإستقلال؟ وما هي الأهداف التي يجب يتبناها لحشد الجماهير من حولها؟
قبل الإجابة على هذه التساؤلات، علينا القاء نظرة على ما هو سائد على الساحة الكردستانية. في الوقت الراهن، يسود الساحة الكردستانية، فكرين وكليهما غير نافعين وغير مجديين، كي لا أقول كلامآ أقسى من هذا، ولا يتماشيان مع مصالح الشعب الكردي القومية والوطنية نهائيآ وهما:
الفكر الأول يسمونه النهج:
والمقصود بالنهج هنا، نهج المرحوم مصطفى البرزاني. ولكن أصحاب هذه المقولة الفارغة والتي لا تعني شيئ ولا مضمون لها، لم كلفوا أنفسهم يومآ وشرحوا كلمة النهج لنا. وأحيانآ يطلقون عليه تسمية (نهج الكردايتي)، ولكن دون أن يعرفوا للناس ما معنى الكردايتي بحسب مفهومهم. ولمن يرغب معرفة مفهوم الكردايتي بشكل علمي ودقيق، عليه زيارة موقع (صوت كوردستان)، والبحث في الأرشيف عن مقالة لي تحمل عنوان: مفهوم الكردايتي.
في الحقيقة الذين أطلقوا هذه التسمية، وطبلوا لها وزمروا، بإيعاز من عائلة البرزاني، كان الهدف منها هو ترسيخ الحكم الوراثي لا أكثر. ورأينا كيف أن أصحاب هذا النهج المعت، تعاملوا مع المجرم صدام، ومع تركيا الطورانية من أجل الحفاظ على المصالح العائلية والشخصية، وضربوا بعرض الحائط مصالح الشعب، وكيف تحولوا إلى لصوص وحرامية، ونهبوا مليارات ن الدولارات وهربوها للخارج.
ولم يكتفوا بذلك بل خاضوا حروبآ داخلية مع كل الأطراف الكردية، وقسموا إقليم جنوب كردستان إلى أربعة أجزاء، وبنوا لأنفسهم إمارة عائلية، بنكهة نقشبندية محمية من قبل القواعد العسكرية والمخابراتية التركية. هذا كل ما جناه شعبنا الكردي من جماعة النهج المعفن، إضافة إلى إفتعال خلافات وصراعات مع جميع القوى الكردستانية داخل الإقليم وخارجه.
الفكر الثاني يسمونه فلسفة اوجلان:
وهي ليست فلسفة ولا مَن يحزنون. لأنه كي يصبح المرء فيلسوفآ عليه أن يكتب في سبع مجالات مختلفة في الحياة ويبدع فيها. ثانيآ، لا يوجد شيئ في العلوم السياسية ولا الفلسفية إسمه “الإمة الديمقراطية”. هذا مجرد هراء وكلام فارغ لا معنى له، وكل الذين يرددون مثل هذا الترهات لا يفقهون شيئ نهائيآ وإميين بإمتياز. وقد كتبت موضوعآ مفصلآ عن هذا الأمر ونشرته، ولا أريد العودة إليه وسرده هنا.
اوجلان أطلق هذا الفكرة المعتة، كي يبعد عن نفسه تهمة تقسيم تركيا وإقامة دولة كردستان المستقلة، كما كان يطرحها قبل دخوله السجن. وكان يتهم كل كردي بالعمالة والخيانة ما يطالب بإقامة دولة على كل تراب كردستان. وثانيآ، ظن أنه بمجرد طرح مثل هذه الخزعبلات سيفرج الأتراك عنه. وهذا الأمر غير وارد على الإطلاق. إلا في حالة واحدة، إذا قويت شوكة الثورة والنضال الكردي وترافق ذلك مع ضغط دولي جدي وحقيقي وبقيادة أمريكا تحديدآ.
ما يطرحه جماعة لا علاقة له بمصالح الشعب الكردي ولا تخدمه نهائيآ، ولذا عليهم التخلي عن هذه الأفكار المعتة والخلابية والعودة إلى القيم الكردية وأمتهم وأن يتواضعوا قليلآ.
ما نحن بحاجة إليه نحن الكرد، برأي الشخصي فلسفة بسيطة وواضحة وصريحة، وتتلخص في الأتي: “نحن شعب ذو خصوصية ثقافية مختلفة عن الفرس والعرب والأتراك، ومن حقنا الطبيعي أن نعيش أحرارآ في وطننا كردستان، بعيدآ عن سيطرة أي طرف كان”.
ويجب صون أهداف النضال الشكل التالي:، هدفنا من الثورة والنضال الوصول إلى حريتنا والإستقلال، سلمآ أو حربآ إن إقتضى الضرورة. ولكن يمكننا التدرج في نيل حقوقننا، إن تعذر إقامة دولة على كردية على كامل تراب كردستان دفعة واحدة، ولا بأس من قبول الفيدرالية كخطوة أولى في كل جزء من أجزاء كردستان.
في الواقع حاليآ، لا يوجد شخصية وطنية قادرة على النهوض بهذا المشروع، ولو على صعيد جزء من أجزاء كردستان. كان بإمكان السيد اوجلان القيام بمثل الدور الريادي، نظرآ لإمتلالكه عددآ من الخصال والخصائص الفريدة ومنها الكريزما، فن الخطابة، الثقافة الواسعة، فهمه الجيد للمجتمع الكردي، معرفته الجيدة بالتاريخ، قدرته على التأثير في الناس، وإمتلاكه قدرة على تجديد أساليب العمل النضالي وحشد كافة الطاقات ووضعها في خدمة الثورة. ولكن اوجلان مثل الكثيرين من القيادات كان يعاني من تضخم ذات الأنا، وجمع حوله مجموعة من المطبلين والمداحين الإميين، وأبعد جميع المثقفين عن محيطه، وهذا ما أودى به في النهاية إلى السجن.
حزب العمال الكردستاني، يمكن أن يلعب هذا الدور، نظرآ لإمكاناته التنظيمية والعسكرية، والمادية الجيدة، إضافة للخبرة التي يمتلكها، إذا قام بتغير فكره وطرق نضاله، وتبنى أهداف تلتصق مع مصالح الشعب الكردي، وإمتلك إعلامآ حرآ وتخلص من اولئك المستشارين الإميين، الذين يفهمون السياسة على أنها تمجيد القائد وفكره الطوباوي.
لا يمكن حشد الشعب الكردي حول عبادة الفرد، ولا فرض فكر شخص معين على الإمة الكردية بأسرها ومن ثم إعتبار مَن ليس معنا فهو ضدنا، أو كردي من الدرجة الثانية. هذا مجرد هراء وسخف ولا يمكن له أن يؤدي إلى نتيجة. ولا بد للحزب تبني مشروع حق الشعب الكردي في الحرية والإستقلال دون لبس والتخلي نهائيآ عن خرافة “الإمة الديمقراطية”. وتبني مشروع الفيدرالية لشمال كردستان وفي غربها، ورفع علم كردستان بشمسها الزاهية، وعدم التدخل في شؤون الأجزاء الأخرى، كما يفعل حاليآ هو ومعه زعيم الإمارة البرزانية السيد مسعود.
ثانيآ، عدم إحتكار شمال كردستان لنفسه، والدخول في تحالف كردي سياسي واسع، ونقل المعركة إلى أرض العدو، والعمل على صنع الأسلحة بدلآ من تدريس الكوادر كلامآ فارغآ لا معنى له، ولا يمكنه تحرير نصف قرية. وعليه أيضآ تبني فكرة الدولة الديمقراطية والنظام البرلماني كشكل للحكم، والتدوال السلمي على السلطة، وعدم تسييس المناهج الدراسية كما فعل في غرب كردستان، وتكريس عبادة الفرد من خلال المناهج التعليمية، وربط كل تاريخ الكرد وكردستان باوجلان وحزبه، وهذا أمر مرفوض نهائيآ لا بل مقرف، وهذا ما فعله من قبله النظام البعثي – الأسدي المقيت، ورأينا ماذا كانت النتائج وماذا حل بالبلد.
لمن يريد التصدي لهذه المهمة عليه أن يأخذ بعين الإعتبار النقاط الأتية:
1 ـ توحيد الأمة الكردية لغة وأبجدية، وعلمآ ونشيدآ، وتنظيمها في مؤتمر وطني كردستاني يمثله في المحافل الدولية والإقليمية.
2 ـ تبني سياسة التعاون والتنسيق مع بقية القوى السياسية الكردستانية وتحريم الإقتتال الكردي- الكردي.
3- مراعاة خصوصية كل جزء من أجزاء كردستان الأربعة. وإجراء لقاءات دورية مع القوى الكردية بهدف التشاور والتنسيق.
4- الدفاع عن كل جزء من تراب كردستان في حالة تعرضه للخطر، ولكن بالتنسيق والتعاون مع أبناء ذاك الجزء.
5- وضع مصالح الشعب الكردي فوق كل كل مصلحة أخرى، وعدم توقيع إتفاقيات مع حكومات الدول المحتلة لكردستا إذا كانت مضرة بالشعب الكردي وحقوقه القومية.
6- بناء شبكة إعلام حرة ومفتوحة لكل الأقلام الوطنية الكردية الصادقة.
7- تحقيق إستقلال مالي وعسكري، أي صنع السلاح الدفاعي على الأقل مثل الصواريخ والمدافع، ومضادات للطيران الحربي والدوروع.
8- الإهتمام بالعمل الدبلوماسي، وفي هذا المجال يمكن الإستفادة من الجالية الكردية في كل من أوروبا وكندا وأمريكا.
9- الإهتمام باللغة الكردية الفصحة، وليس اللهجة السورانية أو الظاظكية وسواها وتدريس الأبجدية اللاتينية، التي وضعها أمراء بدرخان الكرام.
10- بناء تحالفات مع الدول الكبرى وربط المصالح الكردية بمصالح تلك الدول وخاصة الفاعلة منها مثل أمريكا، والإتحاد الأوروبي ومصر وروسيا والمملكة السعودية ودول الخليج.
11- أن يعرف أعدائه بشكل جيد، من حيث الإمكانيات ونقاط ضعفهم ونقاط قوتهم، وكيف يعملون وما هي خططهم.
12- إمتلاك جهاز إستخباراتي متطور وفعال للغاية، لجمع المعلومات عن الأعداء ومكافحة التجسس وشبكة العملاء. والقيام بزرع الجواسيس في صفوف الأعداء بهدف جمع المعلومات في جميع المجالات، وخاصة الأمنية منها والعسكرية وخططهم تجاه الكرد.
13- بناء أفضل العلاقات مع الجالية الكردية في المهجر وعدم التدخل في شؤونها، ودعم مبادارتها.
14- إقامة صلات مع الكرد في مصر ولبنان والأردن واليمن واسرائيل وفلسطين وخورسان وأفغنستان وأرمينيا وكازخستان وروسيا.
وختامآ، على من يريد قيادة الإمة الكردية أن يتخلى عن مصالحه الشخصية والعائلية والحزبية لصالح مصالح الشعب الكردي. وثانيآ، عليه أن يدرك معنى القيادة وأهميتها، ويميز الفرق بين القيادة والإدارة. وأن يعي مشاكل الإمة الكردية وعيآ جيدآ وحقيقيآ.
ويعرف مكامن قوة إمته وضعفها، وأن لا يميز بين المرأة والرجل، ولا يفضل منطقة على أخرى من مناطق كردستان. وأن يكون مستمعآ جيدآ، ويقبل النقد ولا يتمسك بالكرسي، ويكون على صلة وثيقة بأبناء شعبه وخاصة العلماء منهم والأدباء والمثقفين.
وعليه تركيز الجهد على الهدف والمستقبل والإنجاز، ويتهم بتوعية الإنسان الكردي، ويقوم بتحسين أدائه بإستمرار ولا ينفرد بالقرار نهائيآ.
24 – 11 – 2020


ان من يستمع الى قادة البككة يشعر انه يستمع الى اناس من عصور ماقبل التاريخ ومن يستمع الى قادة البارتي وأفعاله يشعر ان كوردستان إلى زوال.