تتزامن الذكرى السنوية الأولى لاغتيال قائد فيلق القدس الايراني قاسم سليماني، ونائب قائد هيئة الحشد الشعبي العراقي ابو مهدي المهندس في مطار بغداد، بطائرة امريكية مسيّرة.
مطلع العام المنصرم، مع تصاعد التوتر الشديد بين ايران وامريكا على خلفية اغتيال آخر طال عالم الذرة الايراني محسن فخري زاده قبل اسابيع.
وتتهم ايران خندق الولايات المتحدة وحلفاءها بالوقوف وراء عملية اغتياله، وكلما اقترب موعد الذكرى السنوية لعملية اغتيال القائدين،3/1/2021 تكشف الادارة الامريكية عن حالة من الانفعال تسود البيت الابيض.
فلاشك أن أي عمل عسكري ايراني في الذكرى السنوية لعملية الاغتيال سيعرّض مصالح امريكا وتواجدها العسكري في منطقة الخليج ومناطق اخرى للخطر.
وأبرز ما يكشف حالة الانفعال في البيت الابيض هو قيام الجيش الامريكي بتسيير قاذفتين عملاقتين من طراز b52 في سماء الخليج .
وتعد قاذفات b52 تدميرية استراتيجية بعيدة المدى، تحمل ما يصل إلى 35 طنا من الأسلحة، وقد أُرسِلتا الى الخليج في أكثر من رحلة استعراضية خلال الفترة القصيرة الماضية.
حلقتا فيها قريبا من اجواء ايران، بحسب مسؤولين امريكيين صرحوا ايضا بأن الولايات المتحدة الامريكية تريد إشعار القيادة الايرانية بجاهزية الجيش الامريكي للرد بعنف من خلال هذه القاذفات المدمرة، على اي استهداف ايراني للمصالح الامريكية.
الرسالة الثانية التي ارادت الادارة الامريكية ايصالها الى القادة في ايران مفادها ان حلفاء امريكا في دول الخليج يقفون بكل قوة ووضوح الى جانب امريكا، ويحظون أيضا بحمايتها.
وذلك من خلال مرافقة اسراب من الطائرات المقاتلة الخليجية لحماية القاذفتين b52 اثناء تحليقهما قريبا من الحدود الايرانية. حيث لم تستخدم الادارة الامريكية طائراتها المنتشرة في قواعدها في الخليج او على حاملاتها في البحار المجاورة لحماية القاذفتين .
لكن الوجه الآخر لكل هذه التحركات العسكرية الامريكية التي ترافقت مع موجة من تصريحات التهديد والوعيد ضد الجمهورية الاسلامية في ايران، يكشف عن حالة من القلق والتوتر الشديد في البيت الابيض، من عمل ايراني وشيك ضد المصالح الامريكية.
خصوصا وأن المبادرة أصبحت بيد الايرانيين بعد اغتيال فخري زاده، وقد وصف الرئيس الإيراني حسن روحاني، عملية الاغتيال بـ”الفخ الإسرائيلي” في اشارة منه الى ان العملية كان يراد لها جرّ بلاده الى حرب مباشرة مع امريكا وحلفائها.
وعلى ما يبدو فإن القيادة الايرانية لاترغب بهذه الحرب. لكنها توعدت برد قاس في الوقت المناسب، وهو ما حمل احد المحللين الاسرائيليين الى القول بأن” ايران تلعب معنا الشطرنج لا التنس”!
اذن فالادارة الامريكية تدرك ايضا أن ايران سترد على اغتيال قادتها العسكريين وخبرائها النووين بضربة في مكان ما، وليس بالضرورة في المكان الذي تريده او تتوقعه امريكا، ومن هنا ياتي ارسال القاذفات العملاقةb52 الى المنطقة والتلويح بها لردع ايران عن خطوتها المقبلة.
لكن السؤال المهم: هل تملك الولايات المتحدة الامريكية الرغبة حقا في خوض حرب مباشرة مع ايران؟
أو بتعبير آخر، هل تنتظر الولايات المتحدة الرد الإيراني لتشعل حربا في المنطقة أم أنها ستكتفي بمعادلة ضربة لضربة؟
قد يكون من مصلحة نتنياهو اشعال حرب واسعة في المنطقة بين ايران من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة اخرى، وهو عمل على هذا الهدف كثيرا لكن صبر القيادة الايرانية وادراكها السياسي فوتا الفرصة عليه.
فنتنياهو يتمنى تدمير ايران. لكنه لا يقوى على تحقيق هذا الهدف بالقدرات العسكرية الاسرائيلية التي لم تصمد امام حزب الله، فكيف ستصمد امام ايران؟. لذا سعى دائما لجرّ امريكا لمواجهة ضد ايران.
ومع العداء الكبير بين ايران وامريكا، ووجود رجل أحمق على رأس السلطة في البيت الابيض على مدى اربعة اعوام، غير أن ترامب كان حذرا حيال فكرة شن حرب واسعة مباشرة مع ايران، لعدة اعتبارات منها ان الاخيرة تسيطر على طريق امداد العالم بالطاقة.
وهي تتحكم ايضا بطريق تجاري دولي مهم يمر عبر مضيق هرمز بالاضافة الى قدرتها على تهديد البحر الأحمر.
وكذلك ان قواعد امريكا في الخليج وأفغانستان ستكون هدفا سهلا للصواريخ الايرانية التي اثبتت فاعليتها ودقتها حين ضربت قاعدة عين الاسد في رد أولي على اغتيال القائدين سليماني والمهندس.
ويضاف الى ذلك أن حلفاء امريكا من عرب المنطقة يخشون من اشعال حرب مع ايران، مع كل ما يكنونه من حقد ضدها، لادراكهم ان دولهم ستحترق في هذه الحرب وسيكونون هدفا مباشرا للصواريخ الايرانية.
لذا هم كانوا متحفظين على دعم أي فكرة لحرب واسعة ضد ايران، واكتفوا بتأييد الخطط الرامية الى اشغالها بمشاكل داخلية واثارة البلبلة فيها وانهاكها بالحصار لعلها تنكفئ على نفسها.
من هنا ستتسم المرحلة المقبلة في ظل عدم وجود رغبة لدى الجانبين في اشعال حرب واسعة، بمعادلة (ضربة مقابل ضربة) وهناك ما يشير الى ان كبار المسؤولين في القيادة الايرانية يتبنون خيار الرد غير المعلن.
فكما ان اغتيال العالم النووي الايراني فخري زاده بقي بدون فاعل رسمي، يرى هؤلاء القادة ان ردا ايرانيا في اي مكان يستهدف المصالح الامريكية او الاسرائليلية او حلفاء امريكا الاخرين، يمكن ان يبقى دون فاعل رسمي وان نفذه ايرانيون او قريبون من ايران.

