القيم الإنسانية تعلو القيم  الدينية-  بيار روباري

 

 

لا شك أن القيم الإنسانية تعلو كل القيم الأخرى بهما فيها القيم الدينية، التي حاول بعض المتديين قديمآ وحديثآ ومن أتباع جميع الأديان، وخاصة الأديان الشمولية الثلاثة (اليهودية، المسيحية، الإسلامية)، أن يضعوها فوق القيم الإنسانية السامية، ويفرضونها علينا عنوةً، تارةً بالتخويف والترهيب وتارةً بالخداع تحت لافتة “القيم السماوية الربانية”. وهي مجرد خدعة رخيصة، لأن السماء ليس فقط لا تمطر ذهبآ وفضة، ولكنها لا تمطر أديانآ ولا قيمآ ولا شرائع أيضآ.

 

هناك عدة أسئلة لا بد من طرحها والإجابة عليها في إطار هذا الموضوع المهم والحساس:

لماذا الحديث عن هذا الموضوع في هذا الوقت؟

– أي القيم أهم وأسبق ولماذا؟

– أيهما علينا تبنيها كمجتمعات إنسانية وأخص بالذكر المجتمع الكردي ولماذ؟

– ما هي الفوارق بين القيم الإنسانية والدينية؟

 

الحديث عن هذا الموضوع ضروري، لأنه هو لب الصراع الدائر منذ مئات الأعوام، بين شعوب طامحة للحرية والكرامة الإنسانية من جهة، وأنظمة قمعية ومستبدة وتيارات دينية متطرفة، هدفها حكم الشعوب بقوة الحديد والنار لفرض مشيئتها عليها، تحت إعداء كاذب ألا وهو تمثيل الله والنطق باسمه.  لكن هم في الواقع (الأنظمة القمعي والتيارات الديني) يريدون تحويل الناس لعبيد، يعملون عندهم بالسخرة ولا يخرجون عن طاعتهم ويسبحون بأسمائهم، وقد عشنا في ظل الحكام المستبدين عسكرآ أكانوا أم ثوريين أو رجال دين، وكلا الطرفين لم يحترموا ولا يوم حقوق الإنسان وأدميته وسلبوه حريته بذرائع واهية لا تساوي فلسآ واحدآ.

من هنا فإن الحديث عن هذا الموضوع مهم للغاية في هذا الوقت، الذي يشهد فيه منطقتنا حروب متنوعة وصراعات شرسة بين الشعوب وحكامها والتيارات الدينية المتطرفة، وخير دليل على ذلك ما يشهده سوريا، جنوب كردستان، إيران، تركيا والعراق، وعلى من يسعون للحرية من أمثالي أن يدركوا جيدآ، بأن جوهر الصراع محصور بين أكثرية مجتمعية ترغب في العيش بكرامة وبحرية، وقلة تسعى للسلطة بهدف اللتسلط على رقابهم والتحكم بمصيرهم وتسخيرهم لمصلحتهم ونهب قوتهم ومستقبلهم ومستقبل أطفالهم. كل ذلك تحت مسميات عديدة كاذبة قومية أكانت أو دينية أو وطنية، والذي يجمعهم هو شيئ واحد ألا وهو الوصول للسلطة والبقاء فيها، ولا يهم تحت أي عنوان ومسمى.

 

دون أدنى شك أن القيم الإنسانية تتقدم القيم الدينية بمئات ملايين السنين، وهي مبادئة عامة مشتركة تجمع بين كل البشر. وقيم عالمية وليست محصورة في شعب واحد أو دين بعينه أو فئة بذاتها أو جنس محدد. وهي قيم منضبطة وواضحة وطبيعية وولدت مع الإنسان. وهي أهم بكثير جدآ من القيم الدينية الحديثة العهد ومحصورة بأتباع كل دين بعينه وهي غير منضبطة وغير واضحة وتخضع لهوى المفسر. والقيم الدينية تتناقض فيما بينها، ولكن القيم الإنسانية لا تعرف التناقض ولا تميز بين البشر ذكورآ أكانوا أم نساء، وإلى أي دينآ وعرق إنتموا. بعكس ذلك الأديان تميز بين أتباعها وأتباع الأديان الأخرى وتميز بين المرأة والرجل.

على المجتمعات البشرية جمعاء، تبني القيم الإنسانية العامة المشتركة وتضمينها في دساتيرها، وإعطائها الأولوية لها، وتقديمها على أي قيم أخرى، ومنع قيم تتنافى وتتناقض مع هذه القيم النبيلة، حتى لو كانت قيم دينية، لأن الإنسان هو أعلى قيمة من أي شيئٍ أخر على كوكبنا هذا.

 

أطالب المجتمع الكردي وكافة قواه الحية الحقوقية منها والمدنية والشعبية، أن يعطوا الأولية لهذه القيم وتبنيها عمليآ وليس على الورق فقط. ففي هذه القيم وتطبيقها يكمن نجاة الكرد من الظلم والإضطهاد والتميز والفقر والجهل والمرض والتخلف.

 

عندما يكون الإنسان حرآ وكرامته محفوظة ويعيش دون خوف، يستطيع أن يتعلم ويبدع، ويكون إنسانآ سويآ ويبني مجتمعآ صحيآ من جميع النواجي، مجتمع يسوده العدالة الإجتماعية والرفاهية والإستقرار. لهذا علينا تبني هذه القيم العالمية كشعب كردي ونلتف حولها ونجعلها جزءً أساسيآ من قوانينا المحلية وحصر الجانب الديني في الحيز الشخصي.

فالمجتمع الكردي مجتمع متنوع دينيآ ومذهبيآ وحتى قوميآ، فلا يمكن فرض قيم دين معين على كافة أبنائه وعلى الكردستانيين، حتى لو كان ذاك الدين دين الأكثرية، هذا مرفوض جملة وتفصيلآ. لأن الدولة هي لكل أبنائها بغض النظر عن أديانهم وطوائفهم ومذاهبهم وأعراقهم وأجناسهم. المجال العام يجب أن يحكمه القيم الإنسانية العالمية والقانون المدني المتفق عليه ويتماشى مع هذه القيم، وفي المجال الخاص كل إنسان حر في حياته.

 

ما يجمعنا نحن الكرد مع بقية البشر هي القيم الإنسانية، وهذه القيم تأتي قبل أي قيم أخرى لأنك عندما تولد تولد إنسانآ، ومن ثم تأتي الهوية القومية والوطنية في المرتبة الثانية. وإليكم مقارنة مختصرة تلخص الفوارق بين الأثنين أي القيم الإنسانية والدينية.

 

القيم الإنسانية:

1- قيم عامة وتشترك فيها عموم البشرية، وهي قديمة قدم الإنسان ذاته، وهذا يعني عمرها يعود لمئات ملايين السنين.

2- قيم منضبطة وواضحة ولا لبث فيها، وهناك توافق عالمي عليها.

3- تحولت هذه القيم إلى قوانين دولية تحمي حقوق الإنسان في كل مكان بالعالم.

4- هذه القيم قابلة للتطور مع تطور المجتمعات الإنسانية.

القيم الدينية:

1- قيم محلية وحديثة العهد مقارنة بالقيم الإنسانية. ويلتزم بها فقط المؤمنين من أتباع كل دين بحاله. وللمعلومات إن تاريخ كل الأديان بدءً من البدائية منها وإنتهاء بالديانات الشمولية الثلاثة لا تتجاوز /12/ الف عام.

2- قيم غير منضبطة وغير واضحة، وكل فرد يفسرها كما يشاء، ومن هنا تلك الفرق والنحل في كل دين من الأديان وتحديدآ الأديان الشمولية الثلاثة ولا يوجد إتفاق حولها.

3- تحولت إلى شرائع وقوانين خاصة بأتباع كل دين من الأديان المختلفة.

4- هذه القيم غير قابلة للتطور فهي جامدة ولا يمكن تغيرها وتحسينها بحيث تتلأم مع تطور الحياة البشرية، بسبب تغليفها بثوب من القداسة من قبل المؤمنين بها والمنتمين لذاك الدين.

 

في الختام، أيها الكرد الكرام حافظوا على إنسانيتكم، وعلى تلك القيم الإنسانية، التي ناضلنا من أجلها ومثلنا ناضل جميع شعوب المعمورة وعلى مدى ملايين السنين. الحرية وتقرير المصيرة هي جزء أساسي من تلك النبيلة والمشروعة، والتي لا بد أن تسود يومآ كل العالم مهما طال الزمن أو قصر.

 

23 – 12 – 2020