لا نهوض دون الكهرباء ! –  د. مهند البراك

 

الكهرباء هو اكبر عصب حي للحياة البشرية على كوكبنا، فهو عصب الصناعة و الاقتصاد و الثقافة و المعرفة و الاتصالات في عالم اليوم، و لم يكن تهديد وزير الخارجية الاميركي جيمس بيكر مطلع التسعينات، لدكتاتورية صدام حينها و علناً ( انكم اذا اصررتم على مواقفكم، فاننا سنعيد العراق الى زمن ماقبل الكهرباء) لم يكن صناعة كلام تهديدي، و لم تكن خطة لينين مطلع القرن الماضي المسماة (كهربة روسيا) مجرد تصعيد معنويات، من اجل بناء دولة و وطن مترامي الاطراف حوّل روسيا من دولة فلاحين الى قطب عالمي من قطبين، دامت اكثر من سبعين عاماً و لاتزال رغم التغييرات . . فالكهرباء هو الحياة و لاحياة بلا كهرباء . .

                   الأمر الذي حوّل ملف الكهرباء من ملف خدمي الى ملف سياسي عسكري و ستراتيجي، حتى صار الكهرباء هو المفصل الأكثر حيوية مع النفط، للحياة و الإعمار في العراق، بوصف ابرز المتخصصين في قطاع الطاقة و في القضية العراقية . . و صار الشرارة التي فجّرت انتفاضة تشرين 2019 بعد ان انطلقت و تواصلت اوسع الاحتجاجات و المطالبات في مدن العراق بسبب انقطاع الكهرباء، و التي ووجهت بالحديد و النار و تسببت بسقوط مئات الشهداء و عشرات آلاف الجرحى و المعوقين و المختطفين الذين ضاعت اخبارهم من الشابات و الشباب . . 

و يشير برلمانيون الى ان وزارة الكهرباء تأسست من البداية على اسس فاسدة سمحت و تسمح بالفساد، و يشير آخرون الى ان وزارة الكهرباء و بنائها و عقودها و من تسلّمها جاءت على اسس مقصودة من دول و قوى عالمية و اقليمية و لتنافسها بينها و لفساد مسؤولين داخليين، لجعل العراق (دولة تابعة) خوفاً منه على مصالحها، كدولة ثرية ارضاً و ماءً و بناءً يشكّل الشباب فيها بحدود الـ 70% من عموم شعب نشيط مؤهل يحب الحياة . 

                   حيث تشكّلت بلاخطط و لا برمجة و لا خطط صيانة و لا اعادة بناء للمنشآت الكهربائية، نشط فيها من سعى لجعل العراق تابعاً للارجنتين، و منهم القيادي الكبير صاحب الالقاب و النفوذ في اكثر من حكومة، الذي كذّب باستعداد الدولة لتصدير الكهرباء عام 2014 . . !!

حتى صارت البلاد بلا كهرباء منتظم و المتوفر مضطرب الشّدة الذي ادىّ الى احتراق و خراب محطات و محوّلات اضافة الى انواع الاجهزة الكهربائية في المؤسسات و البيوت التي تزداد فقراً اصلاً . . و ادىّ ذلك الى صعوبات تصفية و تعقيم المياه و غياب الماء الصالح للشرب، و الى تعطّل خدمات العديد من المستشفيات في زمن الجائحة العالمية، و الى فقدان الآليات الاساسية للصناعة و الزراعة و التجارة و الرقابة و السيطرة على المنافذ الحدودية في زمن اضطراب الانترنت. و يرى متخصصون صناعيون في ان مايجري، هو لغرض تحطيم الصناعة و جعل العراق تابعاً عائشاً على البضائع المستوردة .

                   و تحوّل ملف الكهرباء في البلاد فعلياً و مباشرة من ملف خدمي الى ملف سياسي، بسبب كثرة و توالي الانقطاعات التي حوّلت الحياة العادية الى حالة لاتطاق بسبب الحر القاتل صيفاً و البرد القاتل شتاءً، و بسبب الوعود المتكررة الكاذبة للوزراء المتعاقبين بلا طائل . . و كلّ حكومة ترمي بالذنوب على التي قبلها. و حتى كشفت انتفاضة تشرين على لسان برلمانيين و مسؤولين، بأن فساد وزارة الكهرباء هو اعلى فساد في مؤسسات الدولة، فيما تواجَه التظاهرات التي تتصاعد مطالبة بالكهرباء، تواجه ذات اساليب القمع بلا رحمة، من المواجهات بالعنف و القتل بالكواتم و الاختطافات . .

و يرى خبراء انه فيما حلّت الكويت مثلاً مشكلة الكهرباء عندها اثر الاحتلال الصدامي، بستة شهور فقط . . فان المشكلة تزداد تعقيداً في البلاد طيلة ثمانية عشر عاماً من حكم الاسلام السياسي التحاصصي و رغم انواع الوعود التي لم تُحَل شيئاً، بل و تسببت بتعقيدات نتجت و تداخلت مع النفط و الغاز و شحة و انقطاع الماء الصالح للشرب و الانترنت، و شلل البلاد  . . ليستنتجوا بأن المشكلة ليست مشكلة فساد اداري فقط، بل سياسة رسمتها و ترسمها المكاتب الاقتصادية للكتل الحاكمة لقصورها المعرفي و اللاأبالية، او بارشادات ارجنتينية لإستخدام الكهرباء و توليده كأداة سيطرة و فرض سياسة و قمع !

و يرى سياسيون مستقلون، بأن مشكلة الكهرباء بعد 2003 ، بدأت بعمليات تخريبية قامت بها فلول الدكتاتورية المنهارة بضرب محطات و ابراج الضغط الكهربائي العالي و تواصلت بوتيرة اعلى على يد القاعدة و داعش، و الفساد الاداري الذي التهم الاموال الفلكية التي جرى تخصيصها لإصلاح الكهرباء . . لتتطور الى قضية أمنية حسمت و تحسم و تعقّد القرارات في مشاكل و حلول سياسية كبرى . . في بلد ثري كانت دولته تعاني اصلاً من ثغرات جدية بسبب السياسات العسكرية الحربية لصدام، و بسبب الحصار . . ثم قرارات بريمر الغبية في حل الدولة و الجيش اثر انهيار الدكتاتورية، لتتدافع دول كبرى و دول الجوار خصوصاً على الاستحواذ على مايمكنها استحواذه و لجعل البلاد اسواقاً لبضائعها الكاسدة و العاطلة . .

و رغم اعلانات و تشكيل لجان تحقيقية منذ سنين، على فساد دوائر الكهرباء و مسؤولين كبار فيها في حكومات متعاقبة للتحقيق في اكثر من 60 مليار دولار صرفت على الكهرباء منذ 2003 (!!)، الاّ انه لم تُعلن و لا نتيجة الى الآن، و لم يعلن حتى عن ماوصلته التحقيقات بشأن حيتان هذا الملف، و لا عن، ان تمّ استرداد الاموال او جزءاً منها على الاقل . . و الى الآن !

و فيما يشير خبراء في الطاقة و الكهرباء، الى ان ابعاد البلاد عن حواضنها الكهربائية الاصلية و العمل على جعلها تابعة لحواضن كهربائية جديدة سواءً بالفرض او بالتهديدات، بعد ان انعدمت الإجراءات الضرورية الاصولية لصيانة مرافق الكهرباء طيلة عقود و تسبب ذلك بتلف محطات التوليد و التحويل و التوزيع و تلف الاجهزة الكهربائية، في زمن التطورات العاصفة لآليات  الكهرباء التكنيكية و الالكترونية . .

فإن ذلك قد كشف الستار عن جهود تعمل بلا ضجيج على استخدام الكهرباء كأداة ضغط سياسي و تهديد لصالح و لشروط من يعرض استعداده لحل المشكلة، سواء كانت شركات عالمية او دول غنية او جيران ساعين لعدم تفويت فرصة الارباح الفلكية او المواقف الحاسمة لصالحها الضيّق . . و الاّ ماذا يعني الاعتماد على الجارة ايران (الغارقة في تخلفها التكنيكي و الالكتروني الآن بسبب الحصار) في شراء الغاز لتوليد الكهرباء، و مليارات الامتار المكعبة العراقية منه تحرق يومياً في البلاد . .

و يرى كثيرون ان مطالبات الجارة بتسديد مليارات الدولارات كاثمان للغاز في ظروف العراق الإقتصادية الحرجة الآن ! بل و قد قطعت معظم مايسيل منه الى البلاد بشكل مفاجئ، كإنذار للدفع و الاّ ؟! . . . الا يدخل ذلك في نطاق اعتبار الكهرباء كأداة سياسية مدمّرة للضغط على البلاد ؟؟ رغم جهود العراق لفسح المجال له للاستيراد منها رغم الحصار المفروض على الجارة . . و رغم مرور ثمانية عشر عاماً و المسؤولون العراقيون النائمون لايجدون مصدراً او حلاً آخر لتوليد الكهرباء غير المصدر الحرج المتخلف تكنيكياً الجاري . . موقف يحار تفسيره معناه و هو يهدد حياة ملايين العراقيين !  

مما تقدم يتوضح ان قضية الكهرباء هي قضية القضايا الملتهبة الآن في البلاد، يعتمد جزء اساسي من حلها على مواجهة الارهاب و السلاح المنفلت و حصره بالجيش و القوات المسلحة النظامية، محاربة الفساد علنا و بالاسماء و الاعلان عن اسماء حيتان الفساد و تقديمهم للعدالة، انهاء المحاصصة الطائفية العرقية، على اساس الهوية الوطنية و الكفاءة في عراق اتحادي فدرالي . .

و يرون بان حلها هو حل سياسي يستوجب تغيير معادلة الحكم على اساس وحدة الصف الوطني، و التوافق الدولي و الإقليمي على قاعدة استقلال البلاد الإتحادية،  للنهوض بها نحو السلم و اعادة الحياة للدورة الاقتصادية، بعيدا عن الحلول الترقيعية . . لأن لانهوض صناعي، زراعي و تجاري ممكن دون الكهرباء . . و الحديث عن الاصلاحات فيها ليس اكثر من هواء في شبك . . في بلادنا التي عاشت التدمير و التخريب و اخيراً الفساد الإداري المروّع طيلة عقود. (انتهى)

 

4 /1 / 2021 ، مهند البراك

                                                                                                                                                                        ahmedlada@gmx.net