فی دكری ١٧ نیسان، كنت فی (سراي ئازادي)- د. عبدالباقي مايي

 

١٧ شباط ٢٠٢١ – 

بعد مرور شهر على اندلاع ثورة الشباب في كردستان العراق قمت بزيارة ميدانية لساحة الحرية (سراي ئازادي) في مدينة السليمانية في يوم السبت المصادف 19 آذار سنة 2011 وذلك للتعبير عن دعمي وتأييدي المباشر للشباب في ثورتهم السلمية العادلة وكذلك للتعرف عن كثب على واقع هذه الثورة من جوانبها النفسيإجتماعية لعلاقتها الموضوعية بمهنتي كطبيب اخصائي في الصحة النفسية للأطفال والشباب و لكوني قد أجريت في السنوات العشرين الأخيرة بحوث علمية عديدة تؤكد على تأثير عوامل البيئة والتوعية والتثقيف على تكوين شخصية سلیمة لجيل ما بعد انتفاضة 1991 حيث ولد ونما بعيدا” عن الكوارث والحروب التي عانت منها جميع الأجيال التي سبقته في المجتمع الكردستاني.

علمت في زيارتي هذه بأن ساحة (درگاى سرا) الواقعة في قلب مدينة السليمانية كانت في السابق تسمى ب (سراي رش) كنية للمجازر التي اقترفت فيها بحق المناضلين ابان ثورة الشيخ محمود الحفيد. وقد أصبحت هذه الساحة الآن رمزا” لحرية الشباب ومنبرا” للتعبير عن آرائهم حيث كانوا قد تجمعوا فيها بعد مسيرتهم التظاهرية الأولى في 17 شباط سنة 2011  وجعلوا منها محطة للقائهم الأول لكي تتبلور مطالبهم بشكل حضاري واضح شأنهم في ذلك شأن زملائهم الذين فجروا ثورات الشباب في تونس و مصر من قبلهم. فعندما بدأ الشباب بالتحرك بعد المداولة والتواصل عبر شبكات الأنترنيت سرعان ما التفت حولهم جماهیر و قوى سياسية و فكرية وثقافية مختلفة, بعضها لتاييدهم ودعمهم وتسليمهم مقاليد الأمور كما وجب والبعض الآخر لإحتواء ثورتهم اليافعة التي تجاوزت عراقیل الخائات الثلاث، الخوف والخطيئة والخجل, تلك القيم الێ أثقلت التربية القديمة التي كانت ولاتزال تعرقل تقدم الأنسان في المجتمع الكردستاني لكونها وضعت الحجر الأساس في تكوين شخصية الفرد في هذا المجتمع, والتي لازالت في كثير من المستويات تهيمن على مراكز السلطة والنفوذ نتيجة لعوامل نفسيإجتماعية قد تطرقت اليها بأختصار في مقالة سابقة نشرت في شبكة صوت كردستان في 6/3/2011 تحت عنوان “ثورة الشباب بداية لتطور سليم“.

وجدت في هذه الساحة المباركة زخما” هائلا” من الناس شبابا” و شيابا”, نساءا” و رجالا”, يتجولون في الساحة وأطرافها أسرابا” وأفرادا” وكأنهم متلهفون للإطلاع على ما يحدث و لسماع ما يريده الشباب الثائر, فاذا بنا نسمع صراخ الكبار والمسنين يعلو من مكبرات الصوت وهم يلقون على الملأ خطب الوعظ والإرشاد المألوفة. كان الجميع في الساحة وأطرافها يتحركون ذهابا” وايابا” في حالة من التوتر والحذر ويتهامسون فيما بينهم وفي وجوههم علامات التساؤل والإستفسار وكأن لسان حالهم يقول: أين ذهب الشباب الذين كانوا قد فجروا الثورة منذ بدايتها و انطلقوا بالتظاهر حين كان في أوج عنفوانه وقادوا الجماهير لكسر القيود التي فرضتها القيم القديمة المبنية على الخاءات الهدامة الثلاث، الخوف والخجل والخطيئة, فهبوا الى الشارع ليستنكروا الفساد ويرفضوا التسلط والإضطهاد و يتمسكوا بلغة الحوار والإعتصام بدلا من إستعمال العنف والسلاح للتعبير عن رؤيتهم للأمور ووصفهم للواقع العملي الذي يعيشونه ومطالبتهم بالإصلاحات الجذرية التي تؤمن لهم حرياتهم الشخصية وتوفر لهم وسائل العيش والدراسة والعمل وتضمن لهم مشاركتهم الفعالة في بناء مستقبل زاهر لهم ولمجتمعهم, فلماذا أصبحت مكبرة الصوت المنصوبة على المنصة في وسط الساحة تتشدق بأصوات الكبار والمسنين يدلون بخطاباتهم التقليدية المليئة بالتشنج والتهجم والوعد والتوعيد بدلا من الشباب واليافعين الذين هم أهل لهذه الثورة و مبدعو وسائلها السلمية الحديثة وهم فقط – لا غيرهم – ضمان لنجاحها.

وعندما سألت البعض في الساحة وخارجها تبين لي بأن هؤلاء الشباب قد تراجعوا بحكمة ودراية ليفسحوا المجال أمام الكبار والمسنين لكي يقوموا بالتنفيس عن بغضهم وكبتهم المزمن والتعبير عن آرائهم بحرية و شفافية لم يعهدوها من قبل. يريد الشباب أن يفتحوا الأبواب للكبار والمسنين لكي ينفثوا عن أفكارهم سموم الحقد و الكراهية نتيجة تعرضهم المزمن للإضطهاد والتعسف والتشكيك والإتهام, ولتنظيف جروحهم من الأوساخ والترسبات المتقيحة نتيجة الكوارث والصدمات النفسية المتتالية التي أوقفت في عقولهم منابع الإبداع والتطور ودبت في أجسادهم الكسل واليأس والخمول فأصبحوا ينتظرون قدوم الشباب لإنقاذهم كما عبر عنها بأمانة واخلاص رجل مسن في ثورة تونس عندما نشرت قناة “الجزيرة” مقابلة معه يقول فيها “…لقد قام الشباب بما لم نستطع نحن القيام به … وقد هرمنا في انتظار هذه اللحظة…”. فإنسحاب الشباب بصورة مؤقتة من الخط الأمامي للثورة وتسليمهم زمام الأمور جزئيا” للكبار لم يحدث عبثا” دون دراية أو تخطيط كما یتخیله البعض, بل كان ذلك تكتيكا” متعمدا” لكي يساعدوا الكبار على التنفيس عن كربهم بصورة سلمية والتعبير عن آرائهم بحرية و أمان والتريث قبل اتخاذ القرارات الحاسمة, عسى أن يتعلم الكبار من الشباب وسائل العراك المسالم بدلا من اللجوء الى السلاح كما كانوا دائما” يفعلون. والشباب أكثر علما” وادراكا” من الكبار بأن لا جدوى من التطرف والعنجهية والإستقطاب على طرفي نقيض عند حدوث الخلافات, بل يحتم العقل والمنطق والعلم الحديث على الحوار والتفاهم والحل الوسط. فقد ولى زمن التصلب على الرأي والإدعاء بالمصداقية الدائمة والتحكم المطلق و تصنيف الناس الى جيد و سيئ, أبيض وأسود, مخلص وخائن. فهنالك الكثير من الخيارات المختلفة يمكن ايجادها بين قطبين متناقضين. وليست الأشخاص بل السلوك هي المقياس لهذه الصفات. فالناس ليسوا بثابتين كالأصنام بل من طبيعة الإنسان أنه يتغير دائما” نحو الأفضل. وكلما كبر السن بطأت عملية التغيير. فلدى الأطفال والشباب قابلية أكبر من الكبار والمسنين على إستيعاب العلم والمعرفة والتغيير السريع للتأقلم مع الظروف الجديدة و فهم الأمور وحل المعضلات بطرق سلمية حديثة. لذلك نجد شباب الثورة أكثر مرونة من الكبار والمسنين لتقبل الرأي المخالف, والتعامل مع النقيض بصورة سلمية و دبلوماسية وديمقراطية.

إن كسر شباب الثورة لقيود التقاليد البالية التي لم تعد تجدي نفعا”, و تجاوزهم للحواجز العتيقة التي وضعها أجدادنا في زمن كانوا بامس الحاجة اليها, ورفضهم لقصص التخويف من العدو المجهول الذي ولد وتضخم في خيال الكبار نتيجة تعرضهم المزمن للتعدي والإضطهاد, ونبذهم لأساطير التوعيد بالملك الذي نما و ترعرع في الأحلام والتنبؤات, ولكون الثورة مستلهمة من مصادر العولمة وشبكات الأنترنيت ووليدة عصر تسود فيه قيم السلام والديمقراطية و يتسم بالحريات الفردية وحقوق الإنسان, كل ذلك يجعل ثورة الشباب منفذا” للكبار والمسنين ان أرادوا التنفيس عن معاناتهم والتخفيف من أعبائهم والتمجبد بنضالاتهم والإفتخار بمكتسباتهم, و كذلك منقذا” لهم يستطيعون ان شاؤا التخلص من محناتهم والأنتفاع من الظروف الجديدة التي تخلقها الثورة لكي يتمكنوا من التحرك من جديد بعد ركود مزمن هدام وفساد متزايد يكاد أن ينخر جسم السلطة فيفقدها السيطرة على الأوضاع و يسلبها المكاسب والأمجاد. وعندما يفتح شباب الثورة أبواب التعاون والتفاوض والتداول علينا نحن الكبار أن نكون في خدمتهم دون سرد الشروط و تقديم النصائح والوعوظ. فهم, بسلامتهم من الكوارث والصدمات ومعرفتهم بالعلوم و التقنية الحديثة وتفاعلهم مع الواقع في الداخل والخارج, أهل لهذه الثورة وخير من يقودها. فهم الضمان الوحيد لمستقبل زاهر ومسالم و متطور لهذا المجتمع. وبئس ما يقوم به الكبار تجاه الشباب هو تقديم النصائح والوعوظ لهم دون أن يكون ذلك بطلب مسبق من الشباب أنفسهم. حيث أن تقديم الوعظ والنصيحة لشخص ما يعني أنك أكثر علما” و معرفة من هذا الشخص وتريده أن يصحح أخطاءه عن طريق أتباع نصيحتك ووعظك, وهذا ما يكرهه الشباب جملة و تفصيلا. فهم أصحاب الحق وأهل التجديد والتطوير وهم أكثر دراية منا بكيفية إستعمال الوسائل التقنية المتطورة مثلا”, وهم أكثر إستیعابا” من الكبار لكل ما يأتي به العلم من جديد, و قد أتت العولمة بالكثير منها والحبل على الجرار. ففي ثورة الشباب صراع واضح بين الأجيال بالإضافة الى كونها حركة إصلاحية سلمية مسالمة و سالمة يجب على الكبار والمسنين الإلتفاف حولها لدعمها وتأييدها لا لمحاولة تسييسها أو تغيير مسيرتها.

لكي تحتفظ ثورة الشباب بنهجها السلمي وتحقق أهدافها النبيلة، ولكی ينعم المجتمع بمكتسباتها البناءة، يجب على الكبار أن يلتزموا بمطالب الشباب العادلة وأن يتعاملوا معهم مباشرة دون وسيط أو وكيل. وقد كانت الإستجابة الأولیة لقيادة السلطة متمثلة بتصريحات رؤساء البرلمان و الحكومة و الأقليم مبعث أمل وتفاؤل لدى شباب الثورة مما أدى الى لجوئهم الى الهدوء والتريث انتظارا” لتنفيذ الوعود. وكلما طال انتظار الشباب تتعرض ثورتهم لمحاولات التسييس والتحزب لتخاطر بمطالبهم العادلة. فإن تسییس ثورة الشباب هو من أخطر الأمور التی تواجهها علی الإطلاق.

من أجل ترسيخ هذا التحول النوعي في وسائل الصراع الإجتماعي الذي أتت به ثورة الشباب, أقترح أولا” تثبيت تسمية (سراي ئازادي) لساحة السراي رسميا”, وثانيا” بناء صرح لشهداء ثورة الشباب في هذه الساحة يحتوي على أسمائهم وأعمارهم تكريما” لهم وتمجيدا” لثورتهم العادلة. ولكي تستمر هذه الساحة منبرا” للرأي الحر أقترح بناء قاعة فيها للعروض الفنية ومسرحا” لتقديم الندوات العلمية والأدبية. لضمان ذلك كله يجب تسليم زمام الأمور للشباب أنفسهم فهم أدرى بالتخطيط والتنفيذ والمتابعة دون تسييس أو تحزب, وعلى السلطة توفير المستلزمات الرسمية لهم, بينما تقع على عاتق المثقفين والأكاديميين داخل الوطن وخارجه مسؤولية تقديم المشورة والخبرة الفنية والعلمية والمهنية عندما يطلب الشباب منهم ذلك.

Abdulbaghi.ahmad@neuro.uu.se

د. عبدالباقي مايي

دهوك – 28 آذار 2011

نشرت في شبكة هاولاتي في 4/4/2011