إن استعراض المرء لملامح حياته بمنهجية وبأسلوب مركز هو جزء من المراجعة لظواهر المجتمع وأثرها على سلوكياته وتطواراته, وبلغة مسؤولة يستطيع أن يتعامل مع نواقصه بروح النقد ليبين أثر البيئة عليه , أثرها الكامن في اختياراته أيضاً , إن استعراضنا لملامح حالاتنا المسبقة هو بمثابة إيغال مباشر لما يعتري المجتمع برمته عبر نوافذنا الذاتية , فعلاقة الفرد والمجتمع علاقة إشكالية , تجسد ما سمي لاحقاً بالتاريخ الذي يختزل العادات والتقاليد ونظم الحكم, إن المجتمعات التي تم إهمالها وإقصاؤها بالتدريج , هي تلك المجتمعات التي أهمل فيها الفرد المبدع وهمِّش وحُصر في بوتقة من الإهمال والصراع النفسي مع أقرانه من ضعاف العقول وبسطاء المدركات , حيث تم تغييب الفكر المعرفي كلياً عن جماعات آمنت بالتماثيل والسجود للشيوخ والأولياء والقادة العسكريين , والشخصيات الأبوية , وهذا ما تجسد في ملامح المجتمع الشرق أوسطي , كون هذا المجتمع عانى الكثير من سيطرة الفكر الغيبي المتخذ من الدين ببعده الطائفي , والقومية ببعدها الإقصائي الشوفيني وسيلتي بطش وتغييب وتحكم , حيث تم إخصاء الحياة الديمقراطية داخل أذهان شرائحها, واستبدلت بذهنية الخضوع والتبعية المستدامة
لكن العقل الذي يعبر عن نفسه كوعاء لحفظ ما قيل على طريقة التفكير الايديولوجية الشمولية, لا يمكنه استنباط حياة ورؤى جديدة , تساعده في إعداد جيل جديد , على نحو انتفاضة معرفية, حيث ينتج العقل الايديولوجي الشمولي أحقاداً , وتهويمات , ولا يستطيع تربية الأفراد الجدد على منهج النقد وتقويم السلوكيات , فاستشراء النفعية السائدة في أوساط مجتمعات تعاني من غرق سفينتها وتوهان دفة حياتها إثر فساد ساستها , هي من جعلت مساحات أرضها وكامل مواردها , إرثاً خالداً لما يسمى بالاستعمار الخارجي , حيث من الطبيعي أن يتم ملء الفراغ داخل مجتمعات تفتقد لأسلوب ومنهجية الفكر الناقد , وبالتالي ترسخت فيها روح الولاء للقادة (المنقذين)
يتحول القادة المنقذون إلى خالدين , ويتحول أبناءهم فيما بعد لمالكين ومتسلطين تحميمهم شرذمة مهمة من الفاسدين بواسطة رجال الدين , ونعود للمشكلة الأساس , وهو بقاء الدين كوسيلة لتجهيل المجتمع والإبقاء على الاستبداد ودوام الفساد , ناهيك أن الدين بات في العالم الغني (أوروبا) رمزاً اجتماعياً , وحالة رمزية مانعة لتدخل رجال الدين بحياة المجتمع للحيلولة دون انتاج القمع
ان البحث وراء كيفية انتاج ذوي العقول عملية مضنية تقتضي التأثير المعرفي المنسق بين عديد المعرفيين الذين يريدون محاربة التجهيل وهي بالتالي جملة من مبادرات وأعمال مختلفة تصب نحو مصب واحد وهو التأكيد على معالجة ما تم إهماله والتعاطي مع الإشكالات بمنهجية وروح تنسيق , بين كل الباحثين عن المعنى في رحلة الإنسان العاقل الأزلية في ركاب الصراعات المضنية , مع محاكم التفتيش التي تفصح عن وجهها بأشكال جلية , وذلك يجعلنا في اختبار صعب يكمن في مدى انتصارنا للحقيقة المتجسدة في حماية المكتسبات التي تعاقد على صونها كل تلك الجهود التي واجهت قوى الخرافة والقمع , إزاء أصوات تنادي ولا تزال للخلاص من شبح الحروب التي أفرزتها التحالفات المدمرة لقوى تعتاش على دمار وتمزق المجتمعات والمثال الجلي هو عملية الربيع العربي , التي كانت بمثابة إعادة قيم الوحشية والبربرية بصورة حديثة , وتصدير الرعب والأزمات الاقتصادية الخانقة والهجرات المتلاحقة
ناهيك عن الأزمات التي تمخضت عن هذا الربيع الدموي والذي تمثل عن تجديد آليات القمع إزاء الأصوات المطالبة بالدمقرطة وحرية التعبير والرأي في الحياة السياسية , ذلك سبب عودة أجواء الخوف من المستقبل وساهم بشكل كبير بالاغتراب الفردي حيال المعرفي المدرك الذي يترقب أفول الحياة القمعية , وعودة الحياة التي تستقي من قيم الحضارة الأزل , الكثير من القيم الخامة التي انتجت تلاقحاً فكرياً , جعل المجتمعات تتجه نحو الإعمار والرفاهية والتحول عن نهج الحروب وقمع الحريات التي تسبب مع الوقت الانفجار كنتيجة سلبية, هو الانفجار العظيم الذي نتج عن تراكمات من اخطاء السلطة تجاه المجتمع , الأمر الذي سبب الفوضى بكافة أشكالها الاغترابية , فقد فشلت مجددا رهانات الحل والتحول الديمقراطي لشعوب اعتادت القمع والتصفيق للأقوى , ومعارضاتها مصطفة إلى جانب عدو الحكم , حيث نشهد تنافسا بين السلطة والمعارضة نحو أيها يظفر بالولاء للقوى الاقليمية , على حساب شعوبها في الشرق الأوسط , فلا نجد سلطة شرعية منتخبة ولا معارضة شرعية معبرة عن المجتمع , وذلك أسوأ ما يمكن أن يكون , والذي أنتج مع الزمن تخبطات شتى ناجمة عن فراغ او انعدام رؤية لحل يلوح في الأفق , فالمشاريع الاقليمية تفتعل أزمات مجتمعية , وتفرز نتائج وخيمة على العالم برمته وتنذر بمخاطر مستقبلية
ان المشكلات المتلاحقة التي تعانيها المجتمعات المكبلة بأغلال القمع والخوف ناجمة عن ضيق رؤية الحكام للمستقبل , حيث لا شيء قائم ومترسخ , وكلما ازداد القمع ازداد الخوف , ومن هنا يمكن ان نشير ان هذا لا ينحصر في خوف السلطوي من زوال أسباب بقاءه في الحكم فحسب , وإنما انعكاس هذا الخوف كسيكولوجيا داخل كافة شرائح المجتمع , فالتعاطي الرديء مع المجتمع يسبب انعدام الثقة والبون الشاسع ما بين الفرد ومدركاته والقيم المعرفية , أيضاً تنتج أزمة المصطلحات نتيجة التشتت وعدم التحري والدقة , مما يسهل على الإعلام الخارجي المهيمن التحكم بسهولة بهذه المجتمعات التي تعرضت لإخصاء معرفي , يسهل إيجاد جماهير متقبلة لأي خطاب يروج لها عبر وسائل الإعلام , ولاشك أن ذلك بات أمراً شائعاً , فتعدد وسائل انتاج الخبر , وقلة إطلاع الفرد داخل هذه المجتمعات , يسبب إنتاج سلوك متذبذب قهري , غير قادر على صنع عقل تحليلي ناقد ومتفحص , وإنما انشاء عقل ممتص ومتقبل , وقادر على تكرار ما يتم ترويجه فحسب , حيث يستمر لجوء الإعلام لصنع أخبار ومعلومات أكثر مبالغة ودهاء , إزاء استمرار تك العقول على امتصاس كل ما يتم ترويجه عبر غطاء وستار متين يتمثل بمحاكاة الذائقة الشعبية والتي هي حصيلة تلاقح شاذ ما بين الفكر الديني والمفاهيم التعويدية المشتقة من العادات السلوكية
إن ذلك الوهم هو ما ينخر ملياً في السلوكيات ويتحول لمفاهيم غرائزية , ويتمذهب الأفراد بها , مما ينجم عن ذلك من استساغة للخضوع والتسليم به , حيث يتم الانصهار وذوبان الخاصية المجتمعية عبر الاندماج الذي هدفه زوال القيمة والخاصية , حيث نرى أمماً عديدة جعلها الاندماج القسري بلا لغة وبلا خاصية وتدريجياً أمة بلا أرض , فالذوبان في البوتقة العرقية الحاكمة هو نتيجة أخيرة يتم عبرها نجاح إلغاء الهوية الحقيقية , مقابل انتصار الثقافة السلطوية ومجموع قيهما , نظراً لكونها ثقافة مهيمنة بالقوة , مثالاً هيمنة اللغة الانكليزية على العالم لتكون اللغة العالمية الأكثر انتشاراً , كون هذه اللغة كان أوائل الناطقين بها إنكليزاً , استطاعوا فرضها عبر قرون من الإبادة والصهر والاستعمار , ويتم فرض اللغة عبر الدين , مثالاً العرب والإسلام والقرآن العربي , الذي جعل السيطرة على الاراضي وتوسيع الملكية سهلة عبر إقحام اللغة العربية والتقاليد البدوية في الدين وهكذا يتم ابتلاع الأراضي بسكانها الأصليين خدمة للغة والدين والعروبة , وفيما بعد وعلى غرار ما سبق حاول العثمانيون فرض اللغة التركية أثناء فترات مكوثهم وهكذا , إن انتشار اللغات مرتبط بالسيطرة , واختفاء ثقافات لصالح بروز ثقافة واحدة هو السلطة القامعة الفارضة للهيمنة وبأشكال ومسوغات عديدة
وفي الوقت الحاضر برز الإعلام ليؤدي وظائف تفوق الوسائل التقليدية المتحلقة حول القوة , ليستمر الصراع على ذات الوتيرة وعبر إشراك القوة العسكرية لاستمرار احتكار الثقافة والأرض والفرد والمحافظة على ما هيمن عليه الأسلاف المحتلون (بروز التصارع بين المحور السني –تركيا-السعودية , ضد المحور الشيعي إيران ) إلى جانب طموح أحفاد الاستعمار القديم (أمريكا, روسيا, أوروبا) وتصاعد التنافس نحو التسلح والتنافس الصناعي (كوريا, الصين )
وحينما تغدو الآلة الاعلامية مجرد وسيلة هشة لتعميق الهوة المجتمعية , تغدو الوسائل الاعلامية مجرد أدوات لتسعير الحروب والفتن , ويتم ضرب منظومة الحياة ومفاهيميها الخامة لصالح الاتجار بالقيم , وذلك تعبير عن حرب شاملة ضد قيم الحياة الأولى التي لطالما عمد المعرفيون لصونها , بيد أنها مستهدفة من قبل أرباب المافيوية الاقتصادية التي تعمل وبكل جهد على دحر الحياة القائمة على الانصاف , حيث تتحول الحقيقة لجثة عفنة تحوم حولها خفافيش الظلام التي تعمل لنسف الحياة الروحية والقيم الجوهرية باستمرار , لأجل دوام الخضوع والاستبداد , وأمام ذلك فاللمعرفيين أبناء الوجود مهام جمة تتلخص في الحفاظ على حيوية المواجهة وبروح فكرية أخلاقية , فالصراع الأزلي بين أنصار الحياة النقية وأنصار التشويه والقبح تتجلى في كل زمن , ولو جمعنا كل الصراعات على اختلاف مسبباتها ونتائجها وأشكالها وحيثياتها لاستطعنا تلخيصها بصراع واضح وشامل بين قوى التنوير وقوى الجشع , والمعرفة تنتصر على الدوام لصالح القوة التي تعمل لإحياء الجمال والخير والحق العام , أمكن لنا أن نقول أن جبهات النور ما تلبث أن تنهض , متجلية بكفاح المعرفيين الشاق والطويل لصنع حياة مبنية على المساوة والرفاهية , من خلال دوام الجهد وصدق المسعى , ولعل

