الكِلابُ فِي نَعِيم وَالبَشَرُ فِي جَحِيم – فرياد إبراهيم –

 

يا هول ما أبصرت عيني و سمعت أذ ني فلا أبصرت عيني ولا أذني

مشهدان على شاشة التلفاز أرّقاني ليلة البارحة :

 

المشهد الأول:

سيدة  شقراء تربت على رأس كلب راقد في نقالة يحملها رجلان بملابس العمل.

في عينيها دموع تترقرق. وتحمل في يدها زجاجة حليب أطفال فيها سائل اصفر.

وبين الفينة والفينة تغرز فتحة الزجاجة وبرفق متناه في فم الكلب .

النقّالة تحمل الى داخل سيارة إسعاف ما رأيت بأفضل منها ما بين جميع سيارات الأسعاف البشري التي وقع عليها بصري في كل حياتي.

أحد الرجلين يوجه سؤالا عن الحالة،  فتجيب:

–         لم يذق طعما لأكل.. قدمت له جميع انواع الطعام والشراب فامتنع عنها الا عن هذه.

ناولته الزجاجة. قلبها بين يديه متفحّصاَ. قرأ ما كتب عليها وبخط عريض:  كويبسل،  بيرة – جعَة – منعشة خاصة بالكلاب،  مخففة.

 

*********************

المشهد الثاني:

صبيّ افريقي يحفر بأضافره في الأرض حفرا كما تفعل القوارض.

على مقربة منه تقتعد أمه الأرض وذقنها تفترش ركبتين تخالهما قُدّتا من خشب. امامها تنتصب آنية  فوق ثلاث قطع من الصخر وتحتها نار تشتعل في حطب بدخان ولا لَهَب. وفي داخل الآنية جثث لأربعة فئران بيضاء تعوم في ماء ضحل كدر مضطرَب.

انتقلت عدسة المصور الى بقعة أخرى من العالم.

ثم عادت بعد دقائق.

وهاهو رأس الصبي يطلّ من فوهة حفرة عميقة ويلوّح بيده الماسكة بأذيال ثلاثة فئران بيضاء حيّة طازجة ويبتسم إبتسامة الظفر،  مكشّرا عن أسنان جميعها أنياب.

****************

قرأت كثيرا في حياتي فلم يحضرني في تلك اللحظة كلمات أصف بها المشهدين  خير من مقولة الكاتب المسرحي الانكليزي الساخر برنارد شو.

سألوه يوما:

–         نرى أنّ نصف الكرة الأرضية  جنة ونعيم  والنصف الآخر نار وجحيم ، فيا تُرى ما سر ذلك كما تَرى؟

وسرعان ما – وقدعرف بسرعة البديهة  في القول – خلع قبعته الطويلة، كاشفاَ عن صلعته التّامّة. ثم التفت الى محدثه مخاطيا إياه:

–         انظر في رأسي هل تجد  أثر لشعرة واحدة؟

فأجاب:  كلا.

ثم أشار الى لحيته التي وصلت منتصف صدره وخاطب محدثه محللا:

–         وانظر الى ذقني لترى بنفسك كيف انه آثر بكل الشعر لنفسه .

ثم أختتم حديثه بمقولته المعروفة وخاصة لدى الأوساط الأقتصادية:

–         فهذا هو وضع العالم اليوم:

غزارة في الأنتاج،  سوء في التوزيع!

 

فرياد

2 Comments on “الكِلابُ فِي نَعِيم وَالبَشَرُ فِي جَحِيم – فرياد إبراهيم –”

  1. العزيز فرياد كم اشتقنا الى كلماتكم واحكاماكم الجميله..صدقت ما قلت من عبر ووقائع ويا ليتنا كنا كشعب بعقليه ومفهوم المنعمين وبعيدين بعد الارض والمريخ من دجل وهلوسه المعممين. ودمتم سالمين

  2. زور سوباس كاكه خدر
    نحن الخيرة المثقفين بعيدون والحمد لله بعد الارض والمريخ من دجل المعممين ولكن رائحتهم نفاذة تخرق الاثير وتخدش مناخيرنا ونحن على هذا البعد الشاسع …سلمت وعشت في نعيم

Comments are closed.