قبل عدة سنين كنت أعمل مدرسآ في إحدى المدارس البلجيكية، وبحكم العمل والزمالة توطدت العلاقة بيني وبين العديد من الزميلات المدرسات، وكنت الذكر الوحيد بينهم إضافة إلى أذن المدرسة. الزميلة “تليدا” وبحكم علاقة العمل ألحت علي كثيرآ، ودعتني عدة مرات لزيارتها هي وزجها في البيت، وبسبب إلحاحها وتكرار دعوتها، وافقت على زيارتهم رغم معارضة داخلية، لم أعلم سبب تلك المعارضة. ولكي لا أكسر بخاطرها ومجاملة لها وافقت رغم عدم وجود رغبة القيام بالزيارة. لأن ليس كل شخص نعرفه نود زيارته، ولا كل شخص نعرفه نود زيارتنا.
وصلت في الموعد المحدد، ضغطت على الجرس ولم يمر سوى لحظات قليلة حتى إنفتح الباب وظهرت السيدة (تليدا) بين ضفتيه وبكامل أناقتها وإنوثتها، ورحبت بي وقبلنا بعضنا كالعادة، ودخلت إلى الدخل وأغلقت الباب وخلعت حذائي بحكم العادة، رغم إلحاحها بعدم خلع الحذاء.
وما أن إنتهيت من خلع حذائي وإنتعالي لشحاطة بيتية، أشرت لي بيدها إلى غرفة الجلوس وإتجهت نحو الصالون وهي تتبعني، وما أن دخلت الصالون نهض زوجها وقدم نفسه ورحب بي مع بعض عبارات المجاملة.
البيت كان عبارة عن طابقين وأمامه حديقة صغيرة من الجهة الداخلية لم يتعدى طولها ثمانية أمتار حسب تقديري الشخصي، كما بانت لي من زجاج الصالون المطل على تلك الحديقة.
بعد دقائق من جلوسنا نحن الثلاثة، نظرت إليه تاليدا قائلة: ماذا تريد أن تشرب قدحآ من الكحول أم قهوة أو شاي أم شيئ أخر؟
قلت لها:
شاي لأني شربت القهوة اليوم بما فيه الكفاية.
أجابت:
تكرم ونحن سنشرب معك الشاي أيضآ.
قلت:
شكرآ على تضامنكم!
نهضت وذهبت إلى المطبخ لعمل الشاي لنا نحن الثلاثة.
بعد قليل عادة وهي تحمل طبق بحجم طبق فنجان القهوة وعلى شكله، وعليه قطعة صغيرة يسمونها بالهولندية (كيك) ولا يتعدى حجمها إصبع اليد، وبجابها شوكة صغيرة ووضعته على الطاولة.
وسظلت واقفة لبعض الدقائق، وهي تحدثني عن بعض الزميلات والتلاميذ، ثم عادت من جديد إلى المطبخ وجلبت ثلاثة أقداح شاي مليئة بالماء الساخن وفي كل قدح كيس ورقي شفاف وصغير من الشاية.
وضعت الصينية مع الأقداح على الطاولة، وجلست مقابلي على الطرف الثاني من الطاولة وقالت: أعلم أنك تشرب الشاي والقهوة من دون سكر، لذلك لم أضع لك سكرآ في الشاي.
قلت لها:
هذا صحيح، وشكرآ على هذا الشاي الظريف ولم أكن قد شربت الشاي بعد.
بعد أن بردت الشاي قليلآ إحتسيت بعض الشيئ منها لتذوق طعمها وكان ملا بأس بها لأن الشاي بات أنواع عديدة وبمذاقات مختلفة. ثم أخذنا الحديث ومر الوقت وأحسست بأنني بحاجة إلى زيارة دورة المياه، فإستأذنت منهم وطلبت منها أن تدلني على طريق التواليت. وفعلآ دلتني على الطريق وذهبت إلى دورة المياخ وقضيت حاجتي وغسلت يدي وعدت الى غرفة الجلوس.
مع دخولي للصاولون لاحظت ساعة الحائط وهي معلقة على الجدار، فأدركت أنه قد مضى ساعة ونصف منذ وصولي الى بيت داليدا.
فقلت لها:
عزيزتي داليدا، لا يمل من الحديث معكم، ولكن حان وقت المغادرة، وشكرآ على حسن الإستقبال وكرم الضيافة.
قالت تليدا: مازال الوقت باكرآ.
قلت لها:
لا .. لقد جلسنا قدرآ كافيآ من الوقت معآ، ولا تنسوا أن تزورونا أيضآ.
ردت قائلة:
لم لا.
وتابعت كلامها وقالت، لم تأكل قطعة الكيك ألا تحب الكيك؟
أجبتها ضاحكآ:
لقد شممتها ألم تأتين بها لكي أشمها؟؟
إبتسمت وأحست بنوع من الخجل وإحمر وجنتيها وتلعثمت ……….
28 – 03 – 2021
—————————-
الكيك: نوع من الحلوة الخفيفة.

