العلوم الإنسانية و الاجتماعية في زمن الكورونا..التاريخ كنموذج – د. قبات شيخ نواف الجافي

 

أذا ما كانت الرياضيات هي هوية العلوم, فأن الإنسانيات عامة والتاريخ بالتحديد, هو جمهوريتها ووطنها الأم. ذلك الوطن الذي يتفرع التاريخ من بين جوانبه معرفيا ليستكشف تلك الخبرات الإنسانية والمنجزات الحضارية والتجارب النقدية لفهم المجتمع وتطوره, وحركة الأنسان وتغيراته على مر العصور. العلوم الإنسانية والاجتماعية بما تحتويه من ثقافة, فكر, أدب, معتقدات, فلسفة, سياسة, لغة.. لها تأثير كبير ومباشر على تكوين المعرفة البشرية. حتى العلوم التجريبية و العملية البشرية من رياضيات و فيزياء.. تطورها عبر الأزمنة أتى من خلال التفكير الفلسفي بداية الذي بذر بذرتها الأولى, فكانت بمثابة النشأة  و النواة الصلبة للتبدل المعرفي البشري حتى وقتنا هذا,( نحن هنا لا نتطرق الى جوانب و أساسيات المعرفة الدينية, فهذه لها مناهلها ومناهجها وأدواتها المعرفية الخاصة بها, وذلك بحكم طبيعتها الثنائية المركبة بين العقل و الوحي, وقد شرح أبن رشد الأندلسي (1126-1198), هذا الموضوع مطولا في كتاباته المتعددة).

أذا, العلوم الإنسانية و التاريخ بشكل خاص, تهدف الى فحص وتفسير الخبرات البشرية من خلال الفهم العميق لكافة فروع المعرفة الإنسانية التي تفضي الى حدث ما, و أيضا الى تعزيز القيم الحضارية بين الأمم. حتى حركة الترجمة, التي تعتبر بمثابة عربة نقل وشرح للمعارف والعلوم من ثقافة الى أخرى, تنتمي الى حقل العلوم الإنسانية. ونحن لا نعلم عن ظهور أية حضارة أو ثقافة مهمة ومفصلية في تاريخ البشرية بدون أن تكون لديها علوم إنسانية صلبة ورصينة. أخذين هذا بعين الأعتبار, يجب أن لا تتقلص مساحة الأهتمام بهذا الصنف من المعرفة الإنسانية في زمن الكورونا لحساب التخصصات الطبية مثلا على أهميتها وفائدتها الكبرى. العلوم الإنسانية تهدف الى بناء الأنسان الناجح في أي تخصص كان. وعندما يأتي وقت الدراسة و التخطيط التقني لمشروع ما, أهمية الفلسفة, التفكير العقلاني المنطقي, والألمام بالخبرات التاريخية المتراكمة وغيرها من المسائل لها دور رئيسي وحيوي لأنجاح الخطة. لقد تعالت الأصوات خلال فترة وباء كورونا بالتركيز على المجالات الطبية لمواجهة التحديات الصحية الكبيرة على حساب العلوم الإنسانية و العلوم النظرية الأخرى على أساس أنها دون جدوى, ولا تناسب صعوبات المرحلة الوبائية, وكذلك هي بعيد ة عن سوق العمل ولا تجلب الثروة للبلاد. صراحة, مثل هذه الأصوات هي مجرد جفاء بحق العلوم الإنسانية و الاجتماعية, لقد أوجد الوباء سلوكيات غير أخلاقية في المجتمع لا تستطيع سوى العلوم الإنسانية و الأجتماعية والدينية ومن ضمنها علم الأخلاق, من تحديد أشكاليتها و معالجتها.

وعلم التاريخ هو بأختصار شديد عن دراسة وتحليل الماضي وفق معطيات علمية من وثيقة..الخ وكذلك محاولة الربط بين الماضي و الحاضر ما أمكن ذلك, و ربما شيى من التخطيط النسبي للرؤية المستقبلية دون الخوض في الغيبيات. ولكن, علم التاريخ مطالب أيضا بالخروج للمجتمع بحلة جديدة, لتغييرالصورة النمطية عنه, تلك الصورة المحصورة بالماضي الذي لاشأن له بل الحاضر حسب ما يعتقد الكثير من الناس.

في الدفاع عن التاريخ

الدفاع بحق عن شيئ ما يكون بالأدوات المنهجية والمعرفية السليمة. وبالتالي يجب على علم-فن التاريخ (هناك جدل قائم حول أذا ماكان التاريخ علم أم فن), أن يعيد النظر و التفكير في الكثير من الأمور المتعلقة به من خلال: دمج التاريخ في الحياة اليومية, مناهج التدريس و المحتوى العلمي, منهجية وطرائق التدريس المتبعة, دمج التكنولوجيا التعليمية, تلبية أحتياجات و تطلعات المجتمع وتحديد المجالات التي تستطيع الإنسانيات تغطيتها في خدمة المجتمع, تعزيز الهوية التاريخية وقيم المواطنة, أنشاء علاقات وصلات بنيوية مع العلوم والتخصصات الأخرى. ومن المستحسن أيضا, أن يكون هناك مقرر جامعي ولو أختياري في كل كلية عن تاريخ الأختصاص, كتاريخ الطب العام مثلا لطلبة كلية الطب في السنة الأولى, لمعرفة أهم الأمراض والأوبئة شيوعا عبر التاريخ, ونوعية العلاج المستخدم, وكيف تطورت الى الوقت الحالي.

الأندلس كمثال تطبيقي تاريخي

طبيعة الكتابة التاريخية سردية-وصفية بشكل عام, و لكن هذا ليس كل مافي الأمر. طبيعة الموضوع المراد دراسته تحدد مستوى ودرجة السردية أيضا. في مواضيع التاريخ السياسي يغلب الطابع السردي الوصفي, في حين أنه في الجوانب الاجتماعية و الثقافية يبدو دور التحليل والمناقشة أكثر بروزا. مهما يكن من أمر, يجب أن يسرد الموضوع كحكاية وقصة (دون الإضرار بالمحتوى العلمي), وهكذا تكون أقرب للحياة اليومية ولفهم العامة. بمعنى أن يتم طرح المواضيع التاريخية من خلال ربطه بتداعيات الحاضر. خذ مثلا قصة تاريخ الأندلس من البدايات الى واقع اسبانيا الحالية. مازال (الأرابيسمو-Arabismo), أو الأستشراق الإسباني المعاصر يناقش بحدة الموروث الأندلسي بين الأكاديمي الليبرالي و الأكاديمي المحافظ. لقد تزعم الأستاذ المخضرم أميركو كاسترو (1885-1972), التيار الليبرالي الذي يقر ويعترف في كتابه المفيد الواقع التاريخي لإسبانيا بتجربة الأندلس وكيف أنها وضعت إسبانيا في مقدمة أوروبا من حيث العلوم و المعارف و التعددية الثقافية و الدينية , والتعايش والتي يطلق عليها لفظة (Convivencia) أضافة الى المنجزات الحضارية الأخرى, وبالتالي شكلت الأندلس هوية إسبانية ثرية ومتنوعة قلما يوجد لها مثيل في عالم القروسطية, وإسبانيا اليوم تدين لذالك الثراء الحضاري و للأستمرارية التاريخية التي شكلت جزءا رئيسيا من ثقافة إسبانيا على مر التاريخ. على النقيض من ذلك, يقول التيار المحافظ الذي يترأسهم الأستاذ القدير كلواديو سانشيث البرنوث (1893-1982), بان الأندلس أبعد إسبانيا عن حاضرتها وحاضنتها الأوروبية المسيحية, وأحدثت شرخا في الهوية الإسبانية و كانت سببا في تخلف إسبانيا عن الدول الأوروبية لاحقا.

على أيه حال, أنا هنا لدي وقفة بهذا الخصوص. من الثابت تاريخيا بأن الاتصال الأول بين شبه الجزيرة الأيبيرية والإسلام كان من خلال عمل عسكري وقع قبل نحو ثلاثة عشر قرناً. أنا لا أنوي أن أشرح الأسباب الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية لمثل هذا العمل في كل من العالم الإسلامي وشبه الجزيرة الأيبيرية؛ لأن هذا قد يكون له تفسيرات وتأويلات مختلفة حسب خلفية المؤرخ الفكرية الذي يريد التحقيق في هذ الحدث التاريخي. ولكن ما أستطيع قوله, كانت الأندلس تجربة إيجابية في سياقها التاريخي، أي العصور الوسطى فيما يخص العلاقات بين الإسلام والغرب. من الواضح تاريخياً, أن إمكانية قيام مكان خيالي مثالي للتعايش كجمهورية أفلاطون مثلا لم يكن له وجود في أي مكان على مر الأزمان، ولكن في الحالة الأندلسية، الانسجام بين الثقافات، والتعايش بين الديانات الثلاث كانت من الحقائق التاريخية، بحيث كان من الصعب جداً تجاهله أو إنكاره. هذا لا يعني أن هذه التجربة لم يكن لديها عيوبها مثل أي مجتمع إنساني آخر؛ حيث الهياكل الاجتماعية المختلفة بالإضافة للتنوع العرقي والثقافي الذي غالباً ما يخلق تحديات خطيرة لمثل هذا التعايش. الأندلس قدمت للحضارة الغربية أفضل حقول المعرفة من الطب إلى الفلسفة من خلال ترجمة التراث اليوناني بالإضافة إلى إسهامات العلماء المسلمين في هذا المضمار، ولكن وعلى الرغم من هذه الحقيقة التاريخية، غالباً ما يتم تجاهل هذه المساهمة الحضارية من قِبل التيارالإسباني المحافظ.

وفي هذا السياق, سياق الأندلس, أود أن أشير الى نقطة هامة عن ما يقوله المسلمون عن الأندلس بعد أن رأينا على عجالة تجلياته في الدوائر الأكاديمية الإسبانية وكيف بأن قضية الأندلس و أرثه مازال حيا ينبض بالحياة الصاخبة في عقول المفكرين الأسبان المعاصرين, وكيف يربطون الماضي بالحاضر من خلال أسس معرفية في الوقت الذي يكتفي فيه الكثير من المفكرين المسلمين وعامة الناس بالبكاء على الأطلال, والحنين الى الفردوس المفقود, ولا يتم دراسة الأندلس كجزء من الحاضر كما هو في الأوساط العلمية الإسبانية. نعم, هناك مؤرخين مثل عبدالله عنان, حسين مؤنس, عبد الرحمن الحجي, عبد الواحد ذو النون طه, شكيب أرسلان و آخرون كتبوا عن الأندلس, ألا أن أنتاجهم أصبح قديما الى حد بعيد على ضوء الدراسات التاريخية والأكتشافات الآثرية الحالية من ناحية, ومن ناحية أخرى كانو يستمدون شروحاتهم من المؤرخين الأسبان و الفرنسيين أنفسهم في ذلك الوقت. ومن ناحية ثالثة و أخيرة, من المهم جدا لمتخصص التاريخ الأندلسي, أتقان اللغة الإسبانية الى جانب العربية لمعرفة آخر الأصدارات البحثية وعدم الأنتظار كثير حتى تأتي الترجمات التي تتأخرعادة, ولا تتم ترجمتها في الغالب من قبل مؤرخين مختصين في التاريخ الأندلسي. هناك كتاب هام جدا للمستعرب-مستشرق الإسباني أدواردو منثانو مورينوعن الفترة الأموية في الأندلس (711-1031), لم يترجم للعربية على حد علمي حتى الآن على الرغم من صدوره قبل سنوات وغيره كثير.

في سياق متصل, أظهر التقرير الأنمائي للأمم المتحدة لعام 2006, بأن مملكة إسبانيا بوحدها تنشر كتب في العام الواحد أكثر من ما تنشره الدول العربية مجتمعة وأن كان بعضهم لبعض ظهيرا. أذا, من أجل هذا وذاك يصبح التاريخ لدينا مجرد سرد لحكايات الماضي لا أثر له في الحاضر.

 

 

طرائق التدريس و المناهج

في الدفاع عن التاريخ أيضا, لابد من مراجعة المناهج الدراسية لمادة التاريخ من أجل أثرائها و تنقيحها وأدخال الدراسات الحديثة عليها وربطها بمقتضيات الحاضر من خلال أمثلة تطبيقية عملية وليس مجرد حشو نظري الذي في نهاية الأمر يجعل من الطلبة بالأعتماد أكثرعلى الحفظ دون الفهم مما يسبب بدوره تراجعا في التحصيل المعرفي. أستخدام الوسائل التعليمية التكنولوجية من خرائط ومختبرات وورشات عمل و زيارة المتاحف و الأماكن و الأبنية التاريخية و الثقافية كلها تؤدي الى تعزيز وترسيخ مفهوم التاريخ لدى الطلبة. بخصوص العلاقة بين المتحف و التاريخ, هي العلاقة نفسها بين الماء و النهر, فالمتحف نشأ من أجل التاريخ ولأجله. في المتحف يستطيع الطلاب أن يروا بأم أعينهم المادة التي يدرسون حولها, هذا التواصل المادي المحسوس و المباشر يجعل من الطلبة مؤرخين صغار, خاصة عندما يجدون جميع الأدلة بين أيديهم. يجب أن يفهم بأن للمتحف وظيفة تعليمية وتربوية في المجتمع, وليست مكانا لتقضية أوقات الفراغ والتسلية والترفيه فقط.

موضوع طرائق ومناهج التدريس في التاريخ هام أيضا, يجب الأبتعاد قدر المستطاع عن الأسلوب التقليدي التلقيني, بل الأعتماد أكثر على الدروس التطبيقية العملية في المختبرات التاريخية التراثية وورشات العمل وجعل جزء من المحاضرة موضوع للمناقشة وأستخدام أكثر للتكنولوجيا داخل القاعة. لقد كان لنظام بولونيا التعليمي الصادرعام 2004 دورا محوريا في جعل العملية التعليمية أكثر تشاركية-تفاعلية بين المدرس و الطلبة وهو المطبق حاليا في جامعات دهوك و زاخو في كردستان العراق – قسم العلوم الإنسانية والاجتماعية. ونظام بولونيا هذا لايلزم عضو هيئة التدريس بتقديم ملزمة للطلبة, بل يكتفي بأن يعطي مدرس المادة قائمة أساسية بالمصادر و المراجع الرئيسية عن مواضيع المادة لتقوية ملكة الفهم و البحث لدى الطلبة و أبعادهم عن التلقين و الحفظ.

البحث العلمي في التاريخ و التراث الإسلامي

بخصوص مواضيع التاريخ والتراث الإسلامي لا بد من الأشارة لبعض الجوانب. أن من كبريات المشكل البحثي في حقل الدراسات التراثية الإسلامية هو فشل العلماء والمختصيين في مجالات الدراسات التراثية الإسلامية في أيجاد أدوات بحثية وردود أسلامية حقيقية نابعة من النص القرآني المجيد حول التحديات والقضايا العلمية والعالمية المعاصرة على مستوى التنظير و التطبيق العملي خلال العقود الماضية, وذلك بسبب أتباع المناهج الكلاسيكية القديمة للنصوص الدينية والتأخر الحاصل في العملية التربوية الإسلامية بشكل عام, البعيدة عن أستعمال التفكيرالناقد وأدوات العقل- وكمحصلة نهائية يكون هناك عجز في الأجابة عن أسئلة العصرالحديث. أن الأستمرارية في أسلوب التدريس التقليدي للنصوص الدينية و التاريخية القائم على التلقين والحفظ والسردية دون التأويل السليم و الفهم العميق للمحتوى, تعدى مشكلة عميقة وكبيرة في أصول التربية الإسلامية في العصرالحديث. يجب على المدرس في حقل الدراسات الإسلامية التاريخية أن يعلم طلبته مبادى التفكير والتحليل الناقد للنصوص التراثية مع الحفاظ على الثوابت والمبادئ القرآنية الكريمة و السنة الصحيحة المؤكدة في نفس الوقت, وليس الحصول على معدل جيد في الأمتحانات فقط. وقد أشار المفكر الجزائري مالك بن نبي (1905-1973), الى هذا الخلل في كتاباته عن مسألة التلقين والحفظ دون الفهم. وأنا ذاهب للدوام في الساعة السابعة صباحا (فترة أمتحانات),أجد الكثير من الطلبة في الشوارع من المرحلة الأبتدائية الى الجامعية متوجهين الى أمتحاناتهم وهم يحفظون غيبا عن ظهر قلب ما في أيديهم من ملزمات وملخصات رغم ضوضاء الشارع وضجيج المارة وصخب السيارات. هذا أن دل على شيئ, فأنما يدل على خلل قد أشارنا له سابقا.

على النقيض من العصر الحديث, كانت العصور الإسلامية الوسطى قد شهدت حركة علمية وفكرية كبيرة مزدهرة علميا, حيث كانت الفترة التي بنيت فيها التربية الإسلامية على وعود الوحي. مراكز التعلم البارزة مثل القرويين في المغرب ودار الحكمة في بغداد والأزهر في مصر وبلاد فارس ساهمت في نشر المعرفة, خلال هذه الفترة, كان هناك نوعان من مراكز التعلم, الرسمي و الغير رسمي. في هذه الفترة, صنف نابغة وحجة الإسلام الغزالي (1058-1111), المعرفة على أنها الأعلى, تلك التي تبحث في معرفة الله وفهم هذه المعرفة و شرحها و تطبيقها- المعرفة الألهية (مع العلم بأن الغزالي غالبا ما كان يهاجم الفلاسفة بأستخدام أدوات الفلسفة نفسها). وكان التعليم في هذه الفترة يعتمد على المناظرات والجدال والمحاورات الفكرية. و لهذا السبب أزدهرت العلوم و المعارف الإسلامية في هذه الفترة وأصبح الإسلام قطب العلم الأوحد على الأرض, فكان يتحكم بأسئلة العالم المختلفة ويمتلك أجوبة كافية وشافية لها. فالصين التي نراها اليوم بعظمتها وقوتها, كانت تدفع الرسومات للدولة الأموية مثلا. لقد كانت مدن الأندلس في الغرب, والقاهرة وبغداد ودمشق في الشرق, مراكز علمية متقدمة خلال هذه الفترة. وفي العصور المتأخرة للقرون الوسطى, و بالتحديد بعد وفاة أبن خلدون, دخل العالم الإسلامي في سبات فكري عميق حتى أستيقظ فجأة ومندهشا على صدى كابوس الأستعمار.

البحث التاريخي الجاد

أما بخصوص البحث التاريخي في أي موضوع, فأنه من الأهمية بمكان, البحث عن التعارض و الرؤى الخلافية و المصادر النوعية الفريدة عن الموضوع المراد دراسته. أما الكتابة على نفس المنوال وعلى نسق واحد و أستخدام نفس المنهج و المصدر في كل مرة مع بعض التغييرات الطفيفة على الفهرس, أو وضع عنوان براق سريعا ما يكتشف عدم تجانسه كليا مع محتوايات النص مثلا, لا يغني عن الحق شيئا, ولا تفيد الدوائر الأكاديمية المتخصصة المعنية الضيقة ربما في لاشيئ, سوى أثراء السيرة الذاتية للمؤلف حين التقدم لوظيفة, وبالتالي تكون مجرد أعادة تدوير للمعلومات و للأفكار والمواضيع التي ذكرت مرارا وتكرار لحد القتل البحثي, بدون أيه نكهة معرفية أضافية صافية أصيلة. في حقيقة الأمر, الأتيان بأفكار جديدة في حقل العلوم الإنسانية (التاريخ), طريقها صعب وشائك, لا يسلكها بنجاح الإ المؤرخين المخضرمين الذين هم في سفر دائم الى الماضي, ونبش مستمر عن مقتنياته ووثائقه.

في الختام, تعتبر العلوم الإنسانية الى جانب العلوم الدينية (الوحي), ينبوعا لمياه المعرفة البشرية التي تجري وتسري بين شعوب الأرض قاطبة. ويظل التاريخ بمفهومه وتفسيره لحركة الأنسان و الحياة, بمثابة عربة نقل لهذه الحركة و فق أسباب البشر و سنن الله عز وجل في الكون و في القضاء و القدر الى يوم قيام الساعة. وبالتالي يجب أن لا يقل الأهتمام به في ظل وباء كورونا. بل يجب تنقيحه ومراجعته لتلبية مستجدات الحياة ومتطلبات المجتمع من خلال ربطه بالحاضر ونقله من المعرفة النظرية المجردة الى الإطار العملي المحسوس, و بالتالي أيقاف الأصوات التي تنادي بموت أو أنحسار العلوم الإنسانية عامة, والتاريخ خاصة, لأنه عزيز المذهب, جم الفوائد, مستحق الدفاع عنه.