تجاوزآ أطلق تسمية “جنوب كردستان”، على مزارع ومشيخات إستولى عليها عصابات عائلية ومن لف لفهما، وقسموا الإقليم تقسيم شيطاني إلى عشرات الجيوب والدكاكين. أنا واثق أن أعداء الكرد حتى في الأحلام لم يتوقعوا أن يحقق لهم حلهم بتفتيت الكرد بهذه الطريقة الشيطانية، مثلما حقق لهم جماعات البرزاني والطالباني.
إذا أردت أن تقوم ببحث أو دراسة معينة حول أي موضوع وفي أي مجال كان، فلن تسطيع القيام بعمل متكامل يغطي كل الإقليم من زاخو حتى خانقين. السبب في ذلك ليس هناك حكومة ولا مؤسسات ولا معاهد تحصل منها على إحصائيات. لدينا خمسة إمارات أكبرها بيد الطائفيين الشيعة (كركوك، خانقين، شيخان، مندلي، ..)، والثانية بيد البرزاني، والثالثة بيد الطالبانية، والرابعة إمارة إخوانية وسلفية يتحكم بها الإسلاميين الكرد، والخامسة يتحكم بها حزب العمال وشيوخ الإيزيدين وأشرار الحشد الشيعي.
فوق هذا وذاك، الإستخبارات التركية (المدنية والعسكرية) إضافة لقوات جيشها المتمركزة في الإقليم وشركاتها، تتحكم في كل شاردةٍ وواردة، هذا عدا نفوذ البازدران الإيرانية وعملاء حكومة بغداد.
مشاكل وأزمات هذه الإمارات والمشيخات والمزارع، لا تبدأ وتنتهي عند هذه الأزمة، فهناك أزمات لا تعد ولا تحصى يعاني منها سكان هذه المزارع. ولم يعد هناك شيئ إسمه الوطنية الكردية، فكل من يدعي غير كذاب. لماذا؟
لأن أهل كل مزرعة ومشيخة من هذه المشيخات لا يقدمون أنفسهم على أنهم كرد!!! وإنما كل مجموعة تقدم نفسها باسم زعيم المشيخة. من يعيش في مزرعة البرزاني يقدم نفسه على أنه برزاني، وهذا ينطبق على بقية المزارع والمشيخات. هذه المقدمة كان لا بد منها، ليعرف الكرد وخاصة الذين يعيشون في الأجزاء من كردستان وخارج الوطن، إلى أي درك وصل الحال بشعبنا الكردي في الإقليم، بسبب تحكم عائلتين بكل شيئ وتحويل الإقليم إلى مرتع للنصابين والحرامية والعصابات، والإستخبارات الأجنبية.
إن ظاهرة المشردين وخاصة في المدن الكبرى داخل الإقليم واضحة للعيان وبل مستفحلة. وهؤلاء المشردين ليسوا فئة واحدة. فهناك من هو مريض نفسي، وهناك ذوي الاحتياجات الخاصة، وضحايا الفقر والبطالة، وهناك من لا يملكون مساكن للعيش فيها، وضحايا المشاكل الاجتماعية والعائلية، وهناك من تورطوا مع المخدرات. ويمكن أن تصادفهم في كل مكان، على الطرقات، في الساحات والميادين، ومواقف السيارات، داخل الأسواق.
بعض أهل الخير ومن يملكون الضمائر الحية وهم قلة على كل حال، يقدمون لهؤلاء المشردين ضحايا حكم العائلي، بعض الطعام والشراب والملابس المستعملة. وفي الشتاء معاناتهم تتضاعف، حيث البرد أقسى من هؤلاء العصاة ولا يرحم، ولا يملك هؤلاء الضحايا والمساكين مكانآ يلجؤون إليه، ليقون أجسادهم الهزيلة من شرور البرد القاسي.
سنوات طويلة وهذه المعاناة مستمرة، ويزداد عدد المشردين كل يوم، ومع ذلك لم يحرك هذه المأساة الإنسانية مشاعر تلك الوحوش والذئات التي نهبت وسرقت كل خيرات الإقليم وباعت أراضيه، ويعيشون في أفخم القصور والفيلات، وكأن هذا البلد ملك أبائهم وأجدادهم.
في كل هذه المزارع والمشيخات لا يوجد هيئة تعنى بحياة هؤلاء البشر (الكرد)، وليس لديهم أي تأمين صحي، ولا يملكون المال لكي يذهبوا للطبيب ليتعالجوا من الأمراض التي تفتك بأجسادهم، بسبب سوء التغذية والحياة القاسية، والحر والبرد الذي يتعرضون له على مدار السنة، هذا عدا عن الإهانات والإعتداءت الجسدية، التي يتعرضون مِن مَن يظنون أنهم أفضل وأرقى من هؤلاء الضحايا، ويعطون الحق لأنفسهم في تحقيرهم. وأتى وباء الكورنة فضاعف من محنة هؤلاء الناس الذين بحاجة للمساعدة وغير قادرين في الإعتماد على أنفسهم.
هناك بعض الهيئات المدنية المعنية بحقوق الإنسان، تحاول مساعدة هؤلاء المواطنين المشردين بفعل الإهمال والإستغلال، لكن إمكانياتها ضعيفة وهي غير قادرة بمفردها على حل معناة هذ الفئة المغبونة من المجتمع الكردي. برأي القضية لا يمكن حلها إلا ضمن خطة شاملة وتخصيص أموال كافية، وتدريب كادر متختصص ويتضمن إجتماعيين، نفسيين، أطباء، لمعالجة هؤلاء الناس وإعادة تأهيلهم وتأمين السكن لهم، وتعليهم بعض المهن لكي يعملون فيها بالمستقبل ويعيشون حياة أدمية. والغير قادر على العمل، يجب أن يحصل على راتب شهري بحيث يستطيع العيش منه دون أن يحتاج لأحد وتهان كرامته.
في الختام، أود أن أختتم مقالتي بالسؤال التالي: هل هذا الإقليم ملك لعائلة البرزاني والطالباني وحيتان المال والأعمال؟
13 – 05 – 2021

