الكرد ومهارة صناعة الخلافات- بيار روباري

 

لم أجد أمة في التاريخ، كالإمة الكردية تتقن صناعة الخلافات والإنقسامات، حتى باتت تعرف بإمة الفرقة والإنشقاقات، وبات ماركة مسجلة باسم هذه الإمة ومن سماتها الأساسية. لا أدري بالضبط سبب أو أسباب هذه الحالة المرضية المستعصية، التي تلازم الكرد وخاصة قادته الفطالح. حاولت تفكيك طلاسم هذه الحالة الجهنمية، وأخذت دور عالم النفس والسيكلوجي، محاولآ فهم أسباب هذا المرض فتوصلت إلى الإستنتاج التالي:

وجدت أن الكرد لا زالوا يميلون إلى العيش في مجموعات مستقلة على شكل إمارات ومشيخات، بدلآ من العيش كشعب واحد في إطار دولة واحدة تضمهم جميعآ، والسبب في ذلك هو رغبتهم الشديدة في المحافظة على هوياتهم الفرعية: كالعشائرية والمناطقية واللهجوية والمذهبية والدينية. ولم يصلوا بعد إلى درجة كافية من النضج السياسي والحس الوطني، بحيث تسود الهوية الكردية والكردستانية عندهم على ما عدها من الهويات. والنقطة الثانية، يرفضون أن يحكمهم أحدٌ من بني جلدتهم، ويفضلون أن يحكمهم الغريب بدلآ من القريب!!

طبعآ طبيعة كردستان الجغرافية لعبت دورآ مهمآ في ذلك وطريقة معيشة الكرد لمئات السنين، وثانيآ عدم إستطاعة الشعب الكردي من بناء دولة مركزية واحدة، بعد إنهيار دولتهم الميدية. وكل الدول التي أسسها الكرد فيما بعد (الدولة الأيوبية، الساسانية، الصفوية، المرداسية)، لم تحمل واحدة منها إسم الشعب الكردي، ولم تشمل كل الكرد ولا كل التراب الكردستاني.

وحالة الشقاق والتشرذم هذه، الذي يعاني الشعب الكردي منها وعلى مدى مئات السنين، فتحت الباب واسعآ للطامعين في أرض كردستان وخيراتها وتجنيد أبنائها والمحاربة بهم في حروبهم الخاصة. فعلآ إستغلوا حالة التشرذم والتفرقة هذه أبشع إستغلال، وبل قاموا بتغذية تلك الخلافات والإنقسامات، وفوقها دفعوا الأطراف الكردية للإقتتال فيما بينهم، لإضعافهم بهدف السيطرة عليهم، وبالفعل تمكنوا من بسط سيطرتهم عليهم وخاصة العثمانيين ولاحقآ الدولة التركية.

والتاريخ الكردي مليئ بالكثير من الصراعات والحروب الداخلية، كتلك التي حدثت في التسعينيات القرن الماضي، حينما دخل مشيخة البرزاني والطالباني في حرب أهلية راح ضحيتها أكثر من ستة ألاف إنسان كردي بريئ، وتدمير عشرات القرى، وحفر خنادق نفسية وجراح لم تدمل للأن بعد مرور عشرين سنة على ذلك، وأدت إلى تقسيم الإقليم إلى ثلاثة مشيخات (برزانية، طالبانبة، عربية)!!! هذا عندما لا تؤمن القيادات السياسية، بمفهوم الأمة والشعب، الوطن، الدولة، المواطنة، سيادة القانون، حكم المؤسسات، الحقوق، فلا تستغرب أن يتقاتلوا كالذعران ويتحولوا إلى قطاع طرق، والإستعانة بالشيطان للقضاء على الطرف الأخر.

وبسبب حالة الإنقسام والتشرذم والتربص بالبعض، والتنافس على السرقات والنهب والكرسي، ضاعت مدينة “كركوك” وما حولها بعد إستعادتها بفضل هروب عسكر المالكي منها أثر هجوم تنظيم داعش عليها. حيث إستغلت ايران وتركيا والحكومة الشيعية الطائفية في بغداد، حالة الإنقسام الحاد بين الطرفين الرئيسيين بسبب تفرد البرزاني وعصابته بسرقة أموال النفط، فوجئ الشعب بدخول المليشيات الشيعية الطائفية مدينة كركوك بتاريخ 17 تشرين الأول من عام 2017، وبسطت سيطرتها على مطار المدينة ومعسكراتها ومنشآتها النفطية، دون أدنى مقاومة من القوات التابعة لمشيخة الطالباني، الذي كان يسيطر على المدينة ويحكمها قيادي منهم هو: (نجم الدين كريم)، الذي فر هاربآ من المدينة قبل دخول الميليشيات إليها!!!! وقوات البرزاني من جهتها لم تطلق طلقة واحدة للدفاع عن المدينة وسكانها الكرد، تمامآ كما فعلت في منطقة شنكال الكردية.

فإذا لم تكن هذه خيانة وعمالة وإجرام، فماذا تكون بحق السماء؟؟؟

ومثال أخر ولكن من غرب كردستان، وتحديدآ إحتلال جيايه كرمينج (منطقة عفرين)، من قبل الأتراك وحلفائهم من الجماعات السورية الإرهابية العائدة للإئتلاف الوطني السوري. بسبب تفرد حزب ( ب ي د) بالحكم في غرب كردستان، قرر جماعة المكنسة المرتبطة بمسعود البرزاني والذي بدوره يعمل أجيرآ عند حاكم الباب العالي، إنضم المئات من عناصر ما يسمون أنفسهم (بيشمركة رزأفا) إلى القوات التركية الغازية وجماعة أبو عمشة الإرهابية، وقاتلوا قوات الحماية الذاتية المدافعة عن المنطقة، والنتيجة كانت إحتلال منطقة عفرين وتهجير سكانها الكرد وإحلال العرب محلهم، كل ذلك بسبب الصراع على السلطة والمال والنفوذ!!!

وبعد الإحتلال، طرد المحتلين الأتراك هؤلاء الخونة الكرد لعدم ثقتهم بهم، لأن من يبيع وطنه يمكن له بيع شرفه وكل شيئ، وسلموا إدارة المنطقة للمتطرفين الإسلاميين العرب، ومع ذلك لم يتعلموا هؤلاء بائعي النفس الدرس، وكرروا نفس الخيانة والعهر والعمالة أثناء إحتلال كل من مدينتي “غريه سبي وسريه كانية“. وإلى الأن جماعة الخيانة والعمالة “الأنكسة” تسمي الإحتلال التركي لهذه المناطق الثلاثة إضافة للباب وجرابلس تحريرآ !!!

وأختتم مقالتي بقول التالي: هل هناك قضية لا يختلف عليها القيادات السياسية الكردية. ليس هناك قضية أو شأن واحد لا يختلفون عليه. بل هم يبتدعون الخلافات والإنقسامات وسأورد مثالين هنا على ذلك هما:

المثال الأول:

الأبجدية (الكردية العربية)، التي وضعها “توفيق وهبة” بالتعاون مع ابراهيم أحمد وجلال الطالباني. لماذا؟ بكل بساطة لأنهم لم يتحلوا بالحس الوطني الكردستاني، وقدموا عليه المناطقية السورانية. مع العلم في وقتها كان لدى الكرد أبجدية لاتينية وتلبي كل حاجات اللغة الكردية الفصحة، إلا أنهم ورفضوا إستخدامها إنطلاقآ من هويتهم الفرعية، ولم يفكروا ككردستانيين وبكل شعبهم الكردي. برأي السياسيين والمثقفين من أمثال هؤلاء لا يمكن لهم بناء دول على الإطلاق. وبسبب هذا العمل المضر لا يستطيع الكرد قراءة أعمال بعضهم البعض، وفي أي لقاء يجتمعون على الفور يدب الخلاف بأي أبجدية سنكتب المحضر، وبأي لغة سنتحدث لأن اللهجة السورانية باتت لغة!!!

المثال الثاني:

إختراع حزب العمال الكردستاني في غرب كردستان لعلم لا يمت بشيئ للشعب الكردي ودياناته ولا طبيعة كردستان. وكأن الشعب الكردي ينقصه المشاكل والهموم، فخلق له هذا التنظيم معضلة أخرى. لدينا علم كردي وضعه خيرة مثقفينا قبل أكثر من مئة عام بشمال كردستان، معتمدين على التاريخ الكردي في إنتقاء الألوان وطبيعة كردستان، وشعار الشمس إستمدوها من ديناتنا الشمسانية. ورفعه جميع الكرد هذا العلم الجميل، بدءً من شمال كردستان ومرورآ بجمهورية كردستان الحمراء، وجمهورية كردستان الديمقراطية، وإقليم جنوب كردستان، إضافة إلى كافة الأحزاب والقوى السياسية الكردية ما عدا تنظيم حزب العمال!!!! والسؤال ما داعي ذلك؟ وأين الحس الوطني الكردستاني السليم لدى قيادة هذا الحزب؟؟؟

يجتمع الكرد في إحتفال ما كالذي حضره جمعٌ من الفنانين الكرد قبل أكثر من سنة في المانيا، لم يستطيعوا رفع العلم الكردي. لماذا؟ لأن العناصر الموالية لحزب العمال رفضوا ذلك، برأي وضع هذا العلم ورفعه كان عملآ مضرآ بوحدة الشعب الكردي، مثلما كان مضرآ ما قام به توفيق وهبي ومن معه.

فعن أي وحدة كردية يتحدث هؤلاء السياسيين المتعصبين للذات المتضخمة إذآ؟ كل كلامهم عن الوحدة الكردية وكردستان مجرد كذب وخداع لبسطاء الكرد لا أكثر. فمن يمتلك مثل هذه القيادات المجردة من الإحساس الوطني الكردستاني، ليس بحاجة لأعداء لأن يفرقهم، فهم مفرقين بالخلقة والطبيعة.

21 – 06 –

One Comment on “الكرد ومهارة صناعة الخلافات- بيار روباري”

  1. رغم ان كتابنا ومثقفين يعرفون كل هذه الامور ولكن الى الان هذه الطبقة المثقفة والتى من الواجب هي ان تقود الشعب وتشكل قوة ضغط على الاحزاب الكردية لمي لاتحيد عن جادة الصواب.
    الحق ليس فقط على القياديين الكرد وانما على الفئة المثقفة التى لم تستطيع ان ترتقي لمستوى المسؤولية لايوجد مثقفان يستطيعان ان يتفقا مع بعض كل مثقف هو الصح والبقية ليسوا كذلك على المثقفين ان ينزلوا من ابراجهم العاجية ويتنازلوا لبعضهم البعض ويكونوا عونا للشعب للشعب لتجاوز هذه الازمة المستعصية على الحل ويسير لبر الامان.
    يجب على المثقفين الكرد ان يجمعوا على بعضهم البعض وتشكيل تكلات مختلفة لانهاء حالة التشردم الذي يعيشه الشعب الكرد كمرحلة اولى ومن ثم تضيق الحلقة عمل تجمعات اكبر الى ان نصل لجمع واحد قوي بعيد عن سلطات الاحزاب.

Comments are closed.