ثأرٌ حَقْ – قصة قصيرة / سفيان عرب شنكالي 

لا يعي ما يجري، يتعثر، يسقط، ينهض واثباً كالجالس فوق النار، ثم يواصل محاولة تفسير واستيعاب ما يحدث. فجأة ومنذ الفجر الباكر تزلزلت الأرض تحت أقدامهم.. أصوات طلقات نارية تزامنت مع انفجارات قذائف تهطل على الدور الطينية في القرية، وصيحات استنجاد، تطلق من حناجر مبحوحة نشأة على الفاقة والجفاف والعطش. يركض كلّ في اتجاه، والمبتغى واحد، وهو النجاة من الموت، ومن الوقوع في الأسر.
كالمئات من أترابه وأهالي بلدته شيباً وشباباً، ونساء وأطفال، الجميع يصعقون بغير سابق إنذار.. التقط زياد، الشاب الهزيل القوام، أنفاسه عند الجلوس على السفح المطل على قريته (كرعزير) والقرى المجاورة، التابعة لمركز قضاء سنجار. كحال الذين وصلوا تواً. يتخطّون الشعاب، ويستنجدون بأفياء الصخور في السفوح والوديان.. قريته الصغيرة الوادعة الساكنة على طرف الجبل، التي يتعالى منها صراخ الفتيات وعويل النساء وبكاء الأطفال، ممن تقطعت بهم سبل النجاة والوصول إلى مرتفعات الجبل بعد مقاومة شرسة ابداها رجال القرية لحين نفاذ ذخيرتهم والانسحاب، قريته تنزف دماً بعد اقتحام مقاتلي دولة الخلافة الإسلامية لموطن الثقل الأيزيدي في العراق، هناك حيث جبل شنكال منبت ورق التبغ وأشجار التين والبلوط. الآلاف منهم قبض عليهم وسيقوا كسبايا وغنائم حرب، حرباً ليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل. كل همهم أنهم شريان عريق من جسد العراق القديم يتغذى بثقافة ميسوبوتاميا القديمة، غير ثقافتهم القادمة فوق صهوة الدم والنار.
“يقول زياد لاهثا، وهو يحاول اقتناص المشهد من قريته التي يتصاعد منها الدخان والغبار: إنهم يأخذون النساء، يا للفاجعة. توضع النساء في عرباتهم المسلحة، هل ترى؟ …مجموعات من الفتيات، كأنهن خراف، كالقطعان تساق، ثم تؤخذ وسط اطلاقات نارية، وتكبير.. الله أكبر.. ما علاقة الإله بالخطف والتنكيل؟ أهو إلهاً للخير أم للشر!؟
يتساءل ثانية:
“تساق النساء والاطفال تحت نداءات الله أكبر” كيف يعقل ذلك؟، ماذا سيكون حال من يدين لله بعد هذا الترهيب؟ ماذا سيفعلون بهن؟!”
يصرخ باكياً، ثم ما أن يشهق أنفاسه، ويرتفع صدره، يغمى عليه … زياد الشاب الذي فقد إخوته وحبيبته ووالديه، أجبر على حمل شقيقته الصغرى تحت ابطه والركض نحو الجموع، ومن الجهة الأخرى يعبر رهطٌ من الملثمين يقتحمون الدور ويطلقون النار على كل معترض، تأكد قاطعاً في بقائه سيلقى المصير المماثل، والهرب يعدُّ الحل الأصوب، بما أن البقاء على قيد الحياة هو الانتصار بذات، والرضوخ والاستسلام هو الركوع تحت أقدام هؤلاء الوحوش. أعداء مجهولون، لا يمدنا بهم دعوة ولا مطلب. نزلوا كنيزك على حين غفلة أحالوا جمعنا هباء ونثار..
جريمة ترتكب بحقهم، وعمل خارج عن القيم والأصول المتوارثة.. الأيزيديون ناس بسطاء يتبعون الدستور والقانون الإسلامي في وطننا دولة العراق، كوننا أقلية دينية نخضع لمشيئة الأغلبية، بعيداً عن مراعات الحق في الاعتقاد والحرية في الاختيار، فما يناسبنا هو ما تركه أجدادنا القدماء. نحن أقلية عددية، أكثرية من حيث الزمن المديد الذي يطيل عمر تاريخنا الممجّد في بلاد سومر. نحن أصلاء هذه الأرض. نقتلع كالشتائل الى أماكن مجهولة.
يستنجد زياد بصديقه نعمت بعدما يقعى ساقطاُّ على ركبته إثر سقوط جهاز الهاتف من يده:
“ما دمتَ واقفاً ظلل راسي يا نعمت واحمني من لسعة الشمس التي هي الأخرى نكثت العهد مع أتباعها. أريد البقاء.. أخشى الغيبوبة الآن، أريد استيعاب ومتابعة ما ستؤول إليه الأوضاع، يا رب.. أخبرتني شقيقتي، وقالت إنها دفنت رضيعها تحت الصخور، لا تراب في الجبل يأوي جثامين بضة مكانها المقبرة الهادئة في طرف القرية ورحمة السماء الغافلة، ما المصير وقيظ آب اللاهب يسحبنا الى وكره كوحش جهنمي، كم من الأطفال سينفق؟ يجهش باكياً.. يا رب لا يوجد هناك ماء وحليب الأثداء جفّت خوفاً وعطشاً وجوعاً.
يلتقط زياد أنفاسه الملتهبة، ويتكئ على ساق نعمت، الذي وقف يستطرد قائلا:
“إن الايمان بالعدالة السماوية يتلاشى في أوقات المحن، وتصبح الجريمة مقدسة في غياب القانون الوضعي. علينا أن ننتفض من رتابة العدم، وتبعية القناعة المتوارثة منذ آلاف السنين فور انتهاء بطش من جاؤوا باسم الدين والشريعة!”
تتباطأ أنفاسه بعدما أغمى عليه واستفاق على صفعات صديقه نعمت تحفيزا لاسترجاع مداركه، وهو ملقىً على بسيطة عشبية يابسة تقلبه بين اللحظة والأخرى للوخز الذي تسببه الأشواك. كان هذا ما يعانيه الجموع الفارة من رحمة الفاتحين لبلدات ومدن دولة تضعُف سلطتها، تصاب بمرض فايروسي، يبدأ بنخر أسس بنيان البلاد كلّما تفاقم الخلاف السياسي على الرتب والمناصب!
بينما يمتص المدى البعيد تركيزه وانتباهه وهو يصوب ناظريه باتجاه القرى المحتلة، يشاهد تعالي غبار عرباتهم الهائجة، واطلاقات متقطعة بين الفينة والأخرى. “ما دمنا في أسفل الجبل، وعلى مقربة من مواضع العدو يتوجب اليقظة والحذر. لا نملك سلاحاً”، يقول زياد، إلا ما تيسر من القطع غير المجهزة لخوض قتال يدوم أكثر من ساعات قليلة، سلاح كلاشنكون عدد ثلاثة، وقنابل يدوية عدد أربعة، ولسنا سوي ثلاث أشخاص، ومخازن اطلاقات، بما إنها قليلة لكنها ربما تصنع انتصاراً لو صوبت بدقة.
مضت ظهيرة الثالث من آب بأنياب قيظها التي غرست في أجساد الأطفال والشيوخ. ساعات النهار طوال، كانت حاسمة للذين تلقوا صدمة الرعب، ولم تميتهم، ومن لاقوا المنون تحت وطأة الجوع والعطش الذَين لا يفترسان إلا الأطفال أولا، والمرضى والشيوخ ثانياً. وأخبار من صعودا الجبل تأتيهم بأشد ما يمكن من البؤس. ما يجري فوق يصلهم، وهم يترقبون إذا ما داهمهم الخطر، كونهم على تماس مع العدو الجاثي فوق صدر القرى المحيطة بجبل الرحمة المنجد، جبل شنكال.
زياد ونعمت وقاسم، خفر منتهى الجبل، يتناوبون على حماية الطريق الناهي للسهوب والمؤدي إلى المرتفعات، يلتقون أحياناً بصبية أرسلوا من قبل ذويهم لدخول القرى القريبة للإتيان بالمؤن والزاد لسد الجوع الذي بات يفتك بالجموع الفارة. الأمهات ينتظرن أبناءهن، يقبض عليهم أو يقتلوا أثناء سرقة الطعام من تحت سلطة أشرار السواد واللحى.
يحدث نفسه زياد: الليلة الفائتة، وها هو النهار ينقضي، لم نتناول أي نوع من الأطعمة، بعد نفاذ الخبز المتيبس من جعبنا وجيوبنا. حتماً سنحذو حذو من استقرّ بهم مرتفع الجبل، إنهم باتوا يتناولون ورق أغصان البلوط وثماره، ولم نشرب إلا ما تيسر من الماء، ويضيف ببالغ التحدي: لكن بإمكاني القتال حتى الوصول الى الثكنات الأمامية ومعرفة مصير نسائنا اللواتي أودعنا هناك بجوار القرية، يتضح ذلك من رصف عرباتهم في مكان واحد ليس ببعيد!
نفث قاسم دخان سيجارته ونظر إلى السهوب البعيدة، على بعد كيلو متر واحد يرى تحركات آليات وغبار يغطى واجهة المدى. قال بحنق وبعد أن اتكأ على صخرة طالما كانت سندا لأجداده في حروبهم مع الأنظمة المعادية على مدى تعاقب الإسلام المتشدد.
قال قاسم موجهاً حديثه إلى نعمت وزياد:
“أنظرا، هناك بناتنا.. لن يكون من الرحمة بنا إلا الموت على أيادي هؤلاء، شرفا لنا.
طال صمت مهيب وملتهب يغلي دمائهم ويبخر تصبّرهم، ويحدد الزمن الذي سيبقون فيه يحمون أسفل الجبل من أي عدوان قد يفاجئهم.
وعلى غير هدى يأتيهم النسيم بخبثه المفاجئ لا لينقل برقته عبر صمت الليل نباح الكلاب وصرير الجنادب، بل يوصل أصواتاً مستنجدة ومستغيثة، وعويل وأنين مؤلم لفتيات يتعرضن للقسوة والاغتصاب.
 يا للهول، صراخ حرائرنا، نسمعه يا إخوتي، وهؤلاء الأنذال يغتصبونهم. تسارعت ضربات قلب زياد، ينصت إلى صراخ النساء القادم من ثكنات داعش.
كأنما تلقف صوت صراخ حبيبته عدله، وأمه التي أذلَّتْ وسحلت.. جميع نساء سنجار أصبهن سبايا.. ربما راف به الزمن ليعجّل انتصاف الليلة الاشد قسوة عليهم هؤلاء الشباب المتعطش للثأر والموت في سبيل العرض المصان، إذ على غير المستوعب والمنطق يأتيهم عصابات مجرمة مجردة من القيم الإنسانية تسمعهم أنين وصراخ نسائهم وبناتهم. بذلك تتوافر الشروط لكي يتهيؤوا للتخطيط وللقتال، وإلا بقائهم دون ردع يميتهم وهم أحياء!.
 يتصور خطيبته وهي تأتي بجرّة الماء وتسمعه نداء الرحيل، “مع السلامة نلتقي غداً عند النبع في طرف القرية”، مبتسمة في وجهها يضاء مشروع خطوبة ينتظره بفرح عارم، وسعادتها كانت تكمن في الوقوف بجانب الطريق ليحادثها في أيام ما قبل الخطوبة ووضع المحابس بأيدي بعضهما في حفل عائلي مصغر قبل بضعة أسابيع. انما يصحى من حلم كان حقيقة، إذن، ينتهكون الآن جسد حبيبتي، يتلوّى زياد تحت ظل صخرة متكئة على طرف الوادي، ويفكر في طريقة لإنقاذ النساء من بين براثن العدو المجهول.
قال زياد لصديقيه نعمت وقاسم: هذا الانتظار القاتل هو ذوبان جليد وجودنا وانتهاءنا، أما الفرصة هي أن نقدّم بشموخ ما تبقى فينا من طاقة للانتقام والثأر لقتلانا وعفة نسائنا. أوليس بقاءنا عار وعلة للوجود، وموتنا كالكلاب حتميٌّ في هذا الظرف العصيب؟!
أجاباها بالتأييد، وهما ينتظران ما سوف يملي عليهما للقيام به.
قوما بجمع ما بحوزتنا من قنابل يدوية وحراب وقطع سلاح.. سوف نغير عليهم هذه الليلة مع حافز فوران دمائنا ونفور أرواحنا وهي تتسمّع لأنين الاغتصاب!
***
تُصخب أدمغتهم الأفكار المتشنجة وأهوال ما يأتي مسامعهم من صراخ وعويل النساء في ظل هداة بداية الليل. استوضح زياد منفعلا يقول: هؤلاء فعلوها. يستفسر نعمت: من تقصد؟ أقصد الذين كنا نعتبرهم (حامي الحمى) بعدما تعهدوا ولكنهم نكثوا العهد، وتركوا آليات العدو العسكرية تدوس صدور الأطفال والشيوخ، وليس صدورهم المدرعة كما توعدوا بذلك! ولّوا هاربين تحت وطأة عصابات منفلتة ليست بدولة، تمكنت من فرض نفسها، وهيمنت تماماً. جبناء. تم تسليم أعراضنا لهؤلاء الارهابيون، كيف حدث؟ إنها طعنة غدر.. هاجت عروقه في وجهه، سال دمه من أنفه، واختلط بدمعه.. يلهب جسده آب ويرديه الجوع والعطش أرضا فاقداً وعيه ثانية رغم حلول ظلال المساء إلا أن الجوع والعطش أنهك قواه كبقية الفارين إلى سفح الجبل في اليوم الثالث من شهر آب.. هل نحن في كابوس؟، لقد سمعتُ (القائد المؤتمن) يصرّح بأن العدو الداعشي، لو أغار على سنحار، فستكون أجسادنا دروعاً، لن يدخلوا إلا دهساً عليها. نِعم المأمور، النخوة تسيل مع لعابه، وهو في مقر الحزب الذي يدير شؤون الأيزيديين. . أذكياء هم الأيزيديون.. يتبرّكون بحكمة القيادة منذ أن استقطعت سنجارهم من الخارطة العراقية مع ولادة دستورٍ ديمقراطيٍّ تعوزه العدالة لكي يسمى حقاً دستور.
*
افترش المساء ظلاله القاتمة وهدوئه المخيف، كان في تلك الاثناء القول الحسم لزياد ورفيقيه الذَين أيداه بما ينوي، حيث قال قاسم مخاطبا شريكيه، فيما ينوي الثلاثة فعله: لا عودة لمجاراة الخائن، الطاعن من الخلف، ولا سبب يقنعك بالبقاء على قيد الوجود، وأنت تلقيت هذا الحيف والغبن والذل، إلا أن تنهض لتنتفض بوجه الجائرين.  ثم وقف وناداهما: هيا لنذهب.. لنتسلل إلى الموضع العسكري الأقرب انحداراً من منعرج الوادي الآخذ إليهم.
أعدوا جميعاً ما استطاعوا حمله من السلاح وما تيسّر من خبز وماء جيء به من بؤر ضحلة في الوديان القريبة، توجهوا صوب الجهة التي جاءتهم بصوت الأنين البعيد ليذهبوا لإطفائه أخيرا!
مع حلول المساء تهتدي الأرواح، وتستعيد مجاري أحداث النهار، إذ أنها تستكن الى الخيار الأصوب، وتمضي الى الهدف المقرر مطمئنة.. ها هم الثلاثة يتسللون كالذئاب في حلكة الظلام، حيث ديجور الوديان والتواءات الهضاب وفّر لهم الطريق المبسّط الى الثكنات الأمامية لقوى الشر.. قوة قتالية غير متكافئة، لكنها تقارن بين ثأر الجريح المظلوم، وبطش المتكبّر المهيمن الظالم. ليس بالسلاح فقط ينتصر الانسان.. هذا ما قاله زياد قبل الانقضاض على أجساد مكللة بالسواد والسلاح، يعرف أن الانتقام انتصارا حتى لو كانت قوتهم بحجم قوة البعوض الذي أدمى عين الأسد. الهدف أننا نبكيهم لحين.
تقدموا جميعاً لمسافة توصل رمية القنابل اليدوية، وترديها وسط جمعهم الذي يلتف حول الفرائس مؤنسين بسباياهم. الانفجارات التي فرقت شملهم لم تنههم تماماً.. ربما لم تصب أهدافها بدقة، أو لم ينفلق بعضها في مكان سكونهم لرداءتها. تتالت اطلاقات كثيفة، تعالت نداءات (هولّا طاووس ملك) جملة تقابل بشدة حافزها لنداء (الله أكبر) هكذا تقابلا المتخاصمين كلاً بدينهِ، أحدهم طاغي متجبر قادم بسيفه، وآخر مدافع منتقم لا يسكته ظلم ولا انكسار. طلقات كثيفة أطلقها الثلاثة لم تمهل العدو الداعشي سحب انفاسه والردع في الوقت المناسب، كانت دقائق حاسمة بالنسبة لأشبال الجبل الذين جاؤوا ليموتوا وليس فقط لينجدوا من سمعوا صراخات استنجادهم.
شفي غليلهم بقتل جميع العناصر المرابطة في تلك الثكنة الأقرب إلى الوادي الذي قدموا منه مستسهلين الوصول. في أسرع ما يمكنهم نبشوا تلك الاجساد الصريعة لمعرفة ما أذا نجى أحدهم أو فرصة ايجاد فتيات داخل الثكنة أو في جهة لاذوا بها.
سمع قاسم أنين منبعث من أسفل حفرة مجهزة كمضيف بطرف كثبان. أقدم متربصاً كاشفاً: هما اثنان من الفتيات، ناجيات رغم الطلقات الماطرة باتجاههن، إلا أنهما على قيد الحياة مع جراح غير معلوم حجمها لإحداهن، حملها قاسم بمنكبين ضخمين ورماها فوق كتفه وركض باتجاه الطريق. لحقه الآخرين، وفي تلك الأثناء تراءت لهم أضواء عربة قادمة تشق الظلام، قادمة نحوهم.
كانوا قد تعدوا الارض المنبسطة ودخلوا الوديان المتعرجة، بذلك لم يعد بإمكان العربة الهائجة المجهزة بالسلاح اللحاق بهم. كانت على مدى ساعتين ترشقهم بزخات متفرقة بسلاح نوع بي كي سي تمكنت من اصابة أحدهم، لم تمنع الشباب الظافر بالثأر الحق من مواصلة المسير نحو شعاب الجبل بصعوبة وجهد كبيرين، وهم يتصورون النصر والحرز في أعجوبة ما قاموا به ليلاً.
شق الفجر طريقه، وكشفت الغبشة ملامح الجبل وأسرار الناجين بأهوالهم، وفجيعة ما هم عليه برفقة فتاتين تمكنوا من انقاذهم باستعادتهن وقتل خاطفيهن في عملية عسكرية أقل ما يمكن القول عنها أنها كانت خطرة، لكنها ناجحة، جرت بخسائر ستتضح مع شروق شمس آب في يوم صيفي لاهب. خمسة أشخاص.. اثنان دون حراك، يحتضنان بعضهما بصورة تقطع الشك باليقين، أنهما حبيبين، وثلاثة يتلوون ألماً وحزنا. جراح طفيفة وأخرى نازفة قاتلة. تحاول الفتاة الملتفة بسواد عباءتها محتفظة بوعيها ليس كالأخرى الممددة والغافية، مجبولة بدماء متخثرة مخفية ملامح وجهها، تحاول استفهام ما يشبه الكابوس. كانت لحظة صادمة تهيج الدم في قلوب المتبقين الثلاثة على قيد الحياة. زياد الذي تعرض لجفاف كبير وصدمة رؤيته خطيبته عدله مضرجة بدمائها ميتة، أخفيت ملامح وجهها بدم قانٍ سمح لضوء الفجر أن يفصح عنها، لم يكن ليتمكن من مقاومة العطش، ونزيف الاطلاقة التي اخترقت جنبه الايسر، ما جعل نبضات قلبه تتسارع لتضخ الدم الغائب في أوردة فارغة، ما لم يعطه الفرصة إلا مسك يد حبيبته والتمدّد بقربها واحتضانها، والخلود في غفوة أبدية بدأت تحت قيظ تموز، وانتهت في رمس واحد.. اتخذا صخرة كبيرة لتكون شاهدة قبرين ملتحمين، هناك في طراف الجبل الشاهد على أكبر جريمة عرفها التاريخ الحديث.