دعونا نتحدث أولآ عن تفكير الولايات المتحدة كدولة، وأسباب إنسحابها من أفغانستان بشكل مختصر
كمقدمة للموضع الذي نحن بصدده، لأن ذلك سيوضح الكثير من الإمور ويسهل فهم الواقع بشكل أفضل والفرق بين الحالتين الأفغانية والسورية.
الولايات المتحدة الأمريكية ليست دولة أيدولوجية مثل ايران والإتحاد السابق السابق ولا السعودية وكوبا وحزب العمال الكردستاني، فهي دولة براغماتية ومرنة للغاية وليس لها دين، ودينها الوحيد هي المصالح الإقتصادية والسياسية فقط لا غير. وأي دولة طبيعية يجب أن تكون كذلك وأمريكا ليس لها أصدقاء وأعداء دائمين ولا يجب أن يكون لها، هي لها مصالح دائمة مثلها مثل أي دولة أخرى طبيعية في العالم الحديث.
ويمكن تشبيه أمريكا بتاجر المعادن النفيسة، حيث لا يهم التاجر لمَن يبيع ومِن مَن يشتري، المهم في كل العملية كم سيكسب في النهاية. وإذا أردت أن ألخص الفكر الأمريكي في كلمة واحدة بالضرورة ستكون هي “الثراء”، هذه أمريكا بإختصار شديد.
وإنطلاقآ مما تقدم يمكن فهم أسباب الإنسحاب الأمريكي وهي حسبة بسيطة ومضمونها الأتي:
مر على وجودنا في هذا البلد عشرين عامآ، وأنجزنا ما نريد إنجازه منذ أمدٍ بعيد ولم يعد معنى لبقائنا سوى الخسارة المادية، والمستفيدين من خسارتنا هم أعدائنا (الصينيين، الإيرانيين والروس)، دعونا نخرج ويتورطون هم. وطالبان تعلمت الدرس وإذا عاودت وأوت المنظمات الإرهابية بغية محاربتنا يمكننا ضربها من جديد عبر الجو.
هذا هو حجم الموضوع وحقيقته، وكل ما عدا ذلك مجرد هلوسات أناس سكارى يدورون في شوارع الحارات، كأبواق النظام الإيراني وأيتامه في لبنان وحليف بشار الشيطان.
والأن لنعد إلى صلب موضوعنا ألا وهو، إمكانية إنسحاب أمريكا من سوريا اليوم على غرار إنسحابها من أفغانستان. نظريآ نعم هذا ممكن، لكن واقعيآ هل هذا وارد الأن؟ بتقديري الشخصي لا وإليكم أسبابي:
أولآ، الوجود العسكري الأمريكي في سوريا رمزي، ولا يمكن مقارنته بوجودها في أفغانستان.
ثانيآ، لم يسقط لأمريكا ضحايا في صفوف جنودها في غرب كردستان إلا فيما ندر، كون القوة المحاربة على الأرض هم الكرد وحلفائها من المنطقة.
ثالثآ، التكلفة المالية منخفضة إذا ما قورنت بتكاليف حربها في أفغانستان.
رابعآ، خروجها يصب في مصلحة خصومها وأعدائها وخاصة النظام الأسدي والروس والإيرانيين وتركيا وحزب الله اللبناني.
خامسآ، إنسحابها اليوم يضر بحلفائها وعلى رأسهم اسرائيل والأردن والكرد الحلقة الأضعف والسعودية المناسفة لإيران في المنطقة.
سادسآ، موقع سوريا الإستراتيجي والهام.
متى يمكن أن تنسحب أمريكا من سوريا؟ في أي لحظة تحس أن الميزان التجاري لم يعد يميل لصالحها ستنسحب بكل بساطة.
الإشكالية أين؟ الإشكالية في عقول قادة حزب (ب ي د)، المؤدلجين والذين يفضلون الإيدلوجيا الحزبية الأوجلانية (الإمة الخلابية) على مصالح الشعب الكردي ومستقبله للأسف الشديد. ولم يفكروا يومآ بأن يكونوا حلفاء سوريين لهم لتمتين موقعهم، ويحمون أنفسهم من العدو التركي الغاشم والجماعات الإرهابية المسلحة وتهديدات النظام الأسدي المجرم. طوال الوقت ظلوا ينتظرون النظام الأسدي القاتل بضغط من قيادة قنديل التي تعتبر نفسها وصية على الكرد في غرب كردستان، وكأنهم قاصرين وينقصهم الوعي، والنظام لم يلتفت لهم نهائيآ وبل أمطرهم بالشتائم والإهانات!!!!
هذا رغم دعواتنا المتكررة لهم بعدم الإستمرار في النهج الخاطئ والمحفوف بالمخاطر ورأيناهم كيف واجهوا العدوا التركي لوحدهم ولم يهب أي طرف للدفاع عنهم، كل ذلك بسبب عنجهيتهم وتناحتهم وتفضيل الأيدلوجيا على المصالح القومية للشعب الكردي.
وختامآ، على قيادة (ب ي د)، التفكير مليآ وإقامة تحالفات مع قوى وطنية سورية معتدلة ومقبولة وعدم الركون إلى الحليف الأمريكي الغير موجود على الدوام. الأمريكان سينسحبون إن لم يكن اليوم فغدآ، إنظروا إلى الأردن كيف تحركت في الأونة الأخيرة وشكلت شبه تحالف مع مصر والعراق الشيعي لحماية نفسه من التمدد الإيراني والدب السعودي الذي لا يؤمن جانبه.
18 – 08 – 2021

