حلف الغواصات ليس كحلف الباصات/ بيار روباري

 

عندما قررت أمريكا الخروج من العراق قبل سنوات، ومن أفغانستان قبل أشهر ونفذت ذلك، هرع أبواع حلف الباصات الخضراء “النظام الأسدي، الروسي، الإيراني” إلى الإحتفال بهزيمة أمريكا وإنتصارهم عليها. وبالطبع هذا مجرد هراء ومحض كذب، أمريكا خرجت لأسبابها الذاتية منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي. الخارجي هو شعور أمريكا بتعاظم نفوذ الصين الدولي إن كان على الصعيد الإقتصادي والعسكري السريع. وتخوف أمريكا في محله لأنها قوة كبرى وتريد الحفاظ على ريادتها للعالم، والصين من جانبها تسعى وبقوة لأن تتحول إلى القوة الأولى في العالم إقتصاديآ، عسكريآ، سياسيآ وتكنلوجيآ. وهذا جوهر الصراع وأفغانستان والعراق هما مجرد أدوات في مجرى هذا الصراع، لا بل كلمة منطقة الشرق الأوسط.=

أعتقد أن حلف الغواصات النووية بين كل من أمريكا وبريطانيا وأوستراليا، والذي إطلق عليه إختصارآ تسمية ” أوكوس”، هو ثاني أهم تحالف عسكري في العالم بعد حلف الناتو. ويمكن إعتبارة حلف البحار.

الهدف منه هو تطويق الصين، ولجمها وعدم السماح لها بالسيطرة على المحيط الهادي والقارة الأفريقية ودول جنوب أسيا والممرات المائية وتهديد حلفاء أمريكا.

وللمعلومات أمريكا وبريطانيا معآ يشكلان أكبر قوة بحرية في التاريخ البشري، وكل قطعهم البحرية الحربية بما فيها إسطول الغوصات، هو الأكثر تطورآ في العالم من جميع النواحي، ولهما تاريخ طويل في عالم البحار.

الصراع الأميركي – الصيني ليس جديد، الجديد فيه هو تعاظم الصراع بوتيرة أسرع ومن هنا كانت الخطوة الأمريكية البريطانية وضم أوستراليا إليهما نظرآ لموقعها الجغرافي المهم ومساحتها الواسعة.

وقد عبر الأميركيون مراراً وتكرارآ وعلى لسان الإدارات الجمهورية والديمقراطية على حدٍ سواء عن قلقهم واستيائهم من توسع النفوذ الصيني في مناطق نفوذهم وخاصة في غرب آسيا والقرن الأفريقي وتمددها في باكستان وايران. وبناء الصين لجزر إصطناعية وتوسيع أنشاطاتها العسكرية في المنطقة، وتهديد دولاً حليفة لها، مثل اليابان، كوريا الجنوبية، الفلبين، أوستراليا، ماليزيا، فيتنام، الهند، وبروناي والصراع على الموارد والطرق البحرية.

إن المواجهة بين الإمبراطوريتين: إمبراطورية المحيط الهادئ (الصين) وإمبراطورية المحيط الأطلسي أمريكا، خطرة للغاية ومدمرة للعالم، ولذا يجب تجنب مثل هذه المواجهة بأي شكل كان. إن ما نحتاج إلى هو التعاون بين القوتيت المهيمنة أمريكا والصاعدة الصين.

أما بخصوص التهديد الصيني لأوستراليا بضربة نووية، برأي ليس سوى جعجعة وتعلم أن أي حماقة من هذا النوع سيكلفها غاليآ جدآ جدآ، ولن تترك أوستراليا لوحدها، وإستخدام السلاح النووي ليس مزحة وعالمنا مليئ به اليوم. وكل هذا الضجيج الصيني لا ينفع بشيئ وهو بالأصل موجه للداخل لتبييض وجه النظام الفاسد والمستبد. إن كانت الصين تريد أن تتربع على عرش الإقتصاد العالمي فهذا ممكن ومتاح لها، لكن بعيدآ عن عرض العضلات ومحاولة اليهمنة على دول منطقة أسيا والدخول في المواجهة مع الغرب. السوق العالمية مفتوحة أمام الصين، وأمريكا أكبر مستورد للبضائع الصينية بسبب رخصها، والصين أكبر مستثمر في السوق الأمريكية. فأين المشكلة إذآ؟

المشكلة أن الصين تريد أن تتحول لإمبراطورية وتسيطر على العالم، وهذا ما لن يسمح لها بتحقيقه وخاصة من قبل الغرب الليبرالي والحر. الصين لن تستطيع قيادة العالم حتى لو تربعت عرش الإقتصاد العالمي، وذلك لأسباب عديدة أهمها:

1- دولة ومجتمع ذات ثقافة منغلقة.

2- دولة إستبدادية ولا تعرف عن الديمقراطية وحرية الإنسان وحرمة أدميته شيئ.

3- قيم المجتمع الصيني لا تناسب الحياة العصرية.

4- كل النهضة الصينية عبارة عن تقليد للبضائع الغربية وسرقة حقوق الملكية. لليوم لم نشهد منتج صيني من إبداع الصينيين على الإطلاق سوى فيروس كورونا.

5- الغرب الديمقراطي صاحب قيم حقيقية وكل شعوب العالم تتمنى أن تعيش في ظل تلك القيم، بما فيهم الشعب الصيني، وشاهدنا كيف رفض ويرفض الهوكونغيين (الصينيين) العودة لحضن الصين ونفس سكان تيوان رغم أنهم من نفس العرق.

 

وبالنسبة للموقف الفرنسي الغاضب والرافض لهذا التحالف الثلاثي بين أمريكا وبريطانيا وأوستراليا مفهوم، ولو كنت محل الرئيس الفرنسي ماكرون ووزير خارجيته لغضبت أيضآ وذلك لسببين:

الأول: هو تراجع أوستراليا عن إتفاقها مع فرنسا بشراء (12) غواصة تقليدية وتكلفتها تصل إلى حوالي 56 مليار دولار أمريكي وهذا مبلغ ضخم للغاية، ويوفر فرص عمل كبيرة للعاملين في هذا القطاع ولشركات التصنيع العسكرية الفرنسية. ومن هنا يحق لفرنسا أن تغضب من واشنطن وأوستراليا معآ وتعتبره طعنآ في الظهر، أو سرقة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية لتلك الأموال.

 

الثاني: هو إبعاد فرنسا من هذا التحالف، وهذه نوع من الإهانة ويعتبر تحالف الناطقين بالإنكليزية. وبرأي صاحب هذه الفكرة والمشروع هم الإنكليز الذين يسعون لتعزيز معوقعهم بعد خروجهم من الإتحاد الأوروبي، وفك العزلة عن أنفسهم. ولو لم تخرج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي لما كان بوسعها الدخول في هكذا حلف.

ففي النهاية مهما غضبت فرنسا وحردت حتى لفترة من الزمن، إلا أنها لا تملك الخيار سوى بلع هذه الإهانة، والبقاء كجزءً من التحالف الغربي وحليفة للولايات المتحدة في إطار الناتو، وشريكاً سياسياً واقتصادياً مهماً لها، وليس بوسع فرنسا أن تفعل شيئ سوى البحث عن دولة أو دول أخرى تشتري تلك الغوصات التي كان من المفروض أن تشتريها أوستراليا منها، وإيجاد دور آخر لهم ضمن المنظومة الغربية، حيث قدرتها على التأثيرها محدود مقابل الدور الأمريكي الأعظم. ولا تستطيع فرنسا التخلي عن تحالفها مع أمريكا في عالم يقوده تكتلات ومصالح كبرى.

قد يتسأل البعض لماذا لم يتم ضم كندا أيضآ لهذا التحالف وهي الأخرى من ممتلكات التاج البريطاني،

السبب لا حاجة لذلك، وهي في كل الأحوال كندا جزء من التحالف الغربي الأنكلوسكسوني. هناك دول أهم من كندا هم عمليآ جزء من هذا التحالف وإن لم ينضموا رسميآ للأن لهذا التحالف وهذه الدول هي:

اليابان، الهند، كوريا الجنوبية وتيوان.

الخلاصة، الجميع يبحث عن مصالحه والدفاع عنها بشراسة، وفي عالم المال والساسة لا مجال للرحمة والأخلاق والصدقات كما يعتقد بعض السذج. رأينا كيف سرقت أمريكا حليفتها فرنسا وباعت غواصتها لأوستراليا بدلآ منها وفازت بتلك المليارات الضخمة، وخاصة بعد تعرض إقتصادات جميع الدول لأزمة إقتصادية بسبب فيروس كورونا.

 

17 – 09 – 2021