** مراثي الروح ** ق2 – وليد حاج عبدالقادر / دبي

 

( إليها التي تصر على إيلامي في عتق تدفق الذكريات وبتنمر تعود لتقمعها .. الى التي تصر ان تبقى طفلة في برائتها .. الى كل جميل وجميلة نطقا ووعيا وصخبا و … بسمة صادقة )

هي الأيام تجري حسينو كما عجلات هذه العربة ودوابك تقودهما أحيانا والسياط تجلجل في الآفاق أم ؟ هي اللحظات كفيلة وانت الهائم في لجة نوم عميق والبغلان يقودانك الى حيث قد يدرون ولكنك لاتدري بها انت ، هي ليلة صعبة كانت مليئة بالأشجان ، والكل يحوطك ويتأملك وكأنك قادم من ذلك الجرم العتيق البعيد ، اجل حسينو ؟ نعم لأكن صريحا ؟ كم من مرة كنت أقشعر في دواخلي والعرق يتصبب مني واكاد ان اتقهقر لأخترق الجدار خجلا ، وهن جزء من كينونتي ولكن كن غريبات فرضتها علينا ظروفنا وهو ذاته بقي الجد ، أجل بقي الجد وهو الأرمل وقد خانته الأفراح كثيرا ، فقد زوجته كما كان قد فقد أخاه قبلا ، وهو الإبن البكر ياحسينو الذي انت ابنه ! أجل ؟ كان أبي وكنت ارى ملامحه في سماههم وها هي ساييمة ! أجل أم أضحيتي ولو بعد حين .. ربااه ؟! لما كنت تتكلمين عنها أمي أجل أمي ؟ .. ديا تا حسينو ! ربااه وكأنها !  يالحنينية تلك الأيام حسينو ! هي مطلقا لم تلفظ إسمها .. والله لم تلفظ إسمها إلا احتراما وتقديرا ، هي حسينو أيام تتالت ومع الأيام بت تلتقط الكلمات وتدرك ماهو الماء والخبز والاكل والملابس وتدرك ايضا معنى كلمة مام وچرمام وكجمام وتتالت المعارف والتعريفات يختزنها رأسك الكبير حسينو ، ولم تدر لابل كن واثقا وصريحا أقله بينك وبين ذاتك ؟ كم مرة قارنت بين هذه البيئة المستقرة وبجدران تقي حرارة الشمس وبرودة الشتاء بثلوجها القارسة ولكن ؟ نعم .. اجل ؟ ولكنه يبقى هو ذلك الثعبان الكبير الذي يطوق وهو ذلك النهر المسمى بدجلة ، وهي ازقة بوطان بمنعرجاتها وجدرانها وبيوتاتها وناسها .. اجل وناسها بتعدد لهجاتها من أسرة إلى أسرة وإن كانت الكلمات هي ذاتها ولكن ؟ هي نطقها التي تنم على ان ذاك هو باچاري والآخر طوري جبلي قادم من أعاليها يواكب قطيع أغنامه ، والآخر ليس سوى قروي ، ومع الأيام أصبحت تعرف ال – كلهي – من لكنته ، والطوري الجبلي وأمثالك ابناء المدينة الأصلاء – باچاري – واغلبهم كانوا ينحدرون من – مير آليا – .. ربااه حسينو ؟ كم فاتتك من ايام ؟ وكم أعددتها لابل كان ما يربطك بتلك السهوب ورمالها وخيامها ، هي تلك النجوم الساطعة ، وايامات الربيع والقمر يشمخ ساطعا وها أنت يا أماااه ! وها انذا قريب من المكان الذي يسجى فيه جسدك أبتاه .. يارب ؟ كم اتمنى ان المح ما يوحي لي كيف كنت وماهي ملامحك ؟ .. أجل حسينو ؟ لقد قيل لي فيما قيل بانه وعمك گري صنوان ولذلك كانت الساعات بثوانيها والأيام تجرجر لياليها وانت تنتظر قدوم عمك .. نعم قدوم گري ويقال فيما قيل أيضا ؟ بأن أخبار عودتك إلى بوطان قد وصلته من خلال تجار ومسافرين بين تلك البيئة وبوطان والموصل ، لابل انه كان قد أرسل الى خال فرمان يترجاه من كل أعماقه أن يذهب بك إليه ، فالمراكب كانت تعبر عباب دجلة تمر من بوطان وتواكب جريان الماء الى حيث الموصل .. ولكنه كان جدك يا حسينو ! .. نعم جدك يا حسينو ؟ وهل من قوة تستطيع ان تختلع حسينو من بين يدي فأركبه هذه المراكب اللعينة ؟ لا .. لا .. سينتظر گري وليأتي هو إن أراد أن يحتضن ابن أخيه .. وهذا ماكان .. اجل حسينو .. وهذا ماكان ولها قصة طووويلة كلما اتذكرها اريد ان أحتضن أية شيء وأغرقها بدموع عيني فأبكي فخرا .. أبكيك عماه .. ابكيك گري فخرا وابكيك عماه املا .. ابكيك عماه محبة ..

 

..

 

كانت تلك الليلة التي صادفه فيها ، والليل قد تجاوز منتصفه حينما استوقفه ذلك العابر وقال : لقد ألقوا القبض على ابن عمك قادي ، اجل أجل حسينو لم اكن انا الوحيد الذي جفل ؟ بقدر ماكانت هي النطة والفرفرة والبغلان بديا وكأنهما يتصارعان وانا بدوت واجما ! كيف .. كيف حدث ذلك ؟ وأين ولماذا اعتقل ؟ وهل هو لوحده ؟ لا لا لا ؟ أجاب العابر .. أنهم مجموعة كبيرة تمتد من عين ديوار الى أقاصي جيايي كردا وكوباني مرورا بحلب والشام ، اما هنا فقد اعتقل مع ابن عمك احمدي ملا ابراهيم وكنعاني عكيد و نوافي نايف باشا وعبدالعزيزي حسو .. كانت بالفعل ليلة صعبت فيها عليك حتى ادمعت عينيك وانت تفكر بإبن عمك ، ذلك الشاب النحيف وذي المسؤولية العائلية ، وتتالت الصور امام ناظريك حسينو .. اجل فانت تتذكر تماما حتى لحظة ولادته في تلك الليلة الكأداء المشؤومة وزوجة عمك ساييمة ، تلك الأم التي احتضنتك بقلب مفتوح واحسستك بانها امك وان لم تكن قد ولدتك ، أجل حسين ! تتذكرها لتلك الليلة وبتفاصيلها المملة ، ليلة إقرار عمك بسعيه للإنتقال والإقامة في عين ديوار ، وكانت تلك العربانة التي يجرجرها بغلان وبقايا لبيت ربما كفت تلك العربانة ومشيت بمعية زوجة عمك وابنتيها ، وعمك يرافق صاحب العربانة يصعدان التلة حيث هو البيت الجديد .. ربااه حسينو ؟ كم كانت بائسة هي عين ديوار ! اجل حسينو ؟ ماكان قد مضى ثمانية أشهر .. لابل فقد كنت تلاحظ مع الايام تغيير شكل زوجة عمك وانتفاخ بطنها وعلائم استنتجتها ، لابل التقطتها من ألسنة النسوة وهن بجانب التنور وايضا كانت ساعة ليتها تباطأت ، او لو انها كانت بيدك لأبطأتها قدر مستطاعك ، صراخ زوجة عمك تعالت في الأفق وهرع الجميع يبحثون عن الداية ، منهم من ذهب الى عينديورا كوند يبحثون عن جازيا ،وآخرون عن عيشك ، وتتالت الصرخات وتأخرت الداية ، فجازيا هي بقرية عين بازوق وقد جاؤوها لحالة ولادة ، اما عيشك فهي ايضا كانت قد ذهبت لحالة ولادة في زهيرية ، نساء من القرية التممن وكل تبرز مالديها من خبرة وتجربة والزعيق يتعالى والحيرة ترتسم على وجه هدية وحمدي ، وعمك يروح ويجيء وبعض من رجالات القرية التموا يتبادلون الرأي وأسماء الدايات ، منهم من ذكر التي في بانة قسر وآخرون التي في قسر ديب ، وبعضهم استذكروا تلك الداية الكوجرية ولكن كيف السبيل الى تلك المنطقة وهي كانت دقائق أشبه بليل وقد تقلدت فلك – كلوكا طاي شڤي – تمد فيه لتطيله ، وكانت تلك الصرخة وبكاء لطفل بدأ يعلو ومعه النساء اخذن تتصايحن وتصرخن – كجي دلي وي بوري – لقد أغمي عليها .. هاتوا ماءا .. وهاتوا هاتوا وامتزج بكاء الطفل مع بكاء هدية واختها حمدي والنسوة اخذن تصرخن وتبكين وتعالى ضجيج الأصوات وتداخلت ولكنه كان واضحا ! .. اجل حسينو ! لقد كانت الأصوات واضحة في تردادها .. لقد ارتحلت .. لقد ماتت .. اجل قادي ! كان ميلادك انت هي في ذات اللحظة التي ارتحلت فيها امك ..

 

….

 

عندما تتالى الأحزان يا حسينو وتصر ان تتراكب في نمطية حياة وحيد خلت نفسك ذات يوم ، أن تحوطك تلك الأحزان وتتالى ، وحينما تحس وانت الطفل بأن الأحزان  ! أجل .. بأن الاحزان قد تجاوزت حدها وان نطقك للحروف تكاد أن تدمع هي قبل عينيك .. اجل حسينو ! ماكان ابن عمك قادي قد بلغ به العمر ثلاثة شهور وبينما كنتم .. احل كنتم تتدرجون ذات يوم ، وقادي تتبادلان هدية وحمدي حمله ، وها انتم تقطعون من جديد تلك الوديان والتلال ، وبدا عمك شاردا وكأنه في عالم آخر غير عالمكم ! وبشكل لا إرادي انعطفتم صوب تلك التلة الوعرة ، وكانت صرخة عمك ! … لا لا .. هناك طريق اسهل ؟ .. نعم حسينو ؟ هو گري عمك وإن شرد ! لكنه يقظ ابدا ! .. أووه كن واقعيا .. كفى حسينو ؟ و .. دخلتم بوطان وتدرجتم في مير آڤدلي .. أجل حسينو ! وانعرج عمك متقصدا الى حيث هما القبرين  ، وقف ورفع يديه وتمتم بشيء ، وادركت بأنها بعض من آيات القرآن ، وبعدها واكبتم السير الى حيث بدأت تلكما المنارتين تشمخان عاليا والجامع بحجارته السوداء المشذبة وتلك البوابة الكبيرة العتيقة ، وكان ذلك البيت الذي يحتل ركنين من ذلك الشارع المقابل ، والدكان ذي الباب الخشبي ولكنه مقفل ، دخلتم البيت وكان بعض من أقرباء جدك يا حسينو ، وهي عمته لأبيك وبناتها كن في البيت تحوطن جدك المنهك ، لالا كان شبه فاقد للوعي ، فمه شبه مفتوح وعيناه مسبلتان في الافق وشعر ذقنه قد طال قليلا ، أجل حسينو .. اجل حسينو .. وما ان سمع صوت ابنه گري وهو يتقدم صوبه ويصيح : ت جاواي يابو .. ت باشي يابو ..وقد خطف يده واخذ يلثمه بشفاهه يقبلهما ، حرك جدك حسينو عينيه وما أن لمحك وتامل حمدية التي كانت  تحمل الطفل قادي ، سلط بعينيه عليكم وهو يحملق وفي نظرته إليكما وينقلها فيكم جميعا وهو يتأمل عينا عمك گري ، اجل حسينو ! وانت الطفل حينها كنت ولكنها كانت رسائل صريحة من جد حنون مشفق على ابن دارت فيه ايامه ففقد اخوه الأكبر وفقد زوجة اخيه وطفل يتيم كان قد سلم الى غير بيئته واستجلبوه من تلك البيئة الغربية و .. نعم حسينو ! إيماءته صوب قادي وتلك الدمعة أحسستها قاسية جدا كلما اتذكرها اشعر وكأنها – شيژنن – أنسال تتقطع في جسدي .. أجل ! لم يستطع ان يتكلم ولكن إيماءاته كانت اقوى بصداها من كل الصرخات ، لابل ومن دوي الرعود والبروق ، اجل حسينو ! قضيتم لربما ليلة او ليلتين ، وبدا بعض من التحسن يظهر على محياه ولكنه ينكشف على ذلك الوهن وخريف العمر بأثقال همومه يأبى ألا ان يستعر اكثر ، وبدا جدي يتقبل الموائمة فيجلس ويحتسي بعضا من الشوربات وحلق له عمي ذقنه واغتسل وبدأ لسانه وكأني به قد فكت عقدته ، وقضينا على هذه الحالة شهر او اكثر وصحته تتحسن ببطئ ومع تحولات الطقس وزحف الربيع أصر على عمي أن نستعد للعودة الى حكمية .. هي لحظات سجال قوية كانت وعمي بالرغم من حديته المعروفة إلا أنه أصر ألا يزعجه و .. كانت لفتة ذكية من جدي .. أجل حسينو ! .. كانت لفتة ذكية وفي الواقع هي كانت لفتة من عمة جدك له بان يزوج گري بإمرأة تحتضن هؤلاء الصغار وترعاهم و : أشارت عليه بإحداهن من دائرة الأقرباء وهي أرملة توفي عنها زوجها ولديها ولدين طفلين .. بدا عمك گري ياحسينو ! وكمن تفتحت فيه مسامات القريحة بالكامل فتأتأ في البداية واحمر وأخذ وجهه يعرق وخرج من الغرفة بحجة قضاء حاجة ، ومالبث ان عاد وقد هدأت روحه وسحنته وان كانت لاتزال متوهجة وخاطب أباه : وهل سنذهب الى حكمية قبل الخطبة ام بعدها .. ابتسم جدك يا حسينو فقد عرف بأن الفكرة قد تسلطنت في راس عمك .. عدل جدك من جلسته وتوجه بكلامه قائلا : من الغد ساطلب من عمتي ان تفاتحهم وبعدها بأيام تستطيع ان تتزوج فالأرملة كما الأرمل يمكن لابل يحبذ دائما ألا يمرا بتجربة الخطوبة والعرس أيضا .. بعد زواجكما ان شاء الله بإسبوعين وسيكون الجو بربيعه قد زحف سننطلق جميعا الى حكمية .. لقد اشتقت إليها ففي كل شبر منها تفوح رائحة امك رحمها الله ..

 

 

* ق 2 من الفصل السادس من رواية يوميات حسينو  العطار