دراسة: لِمَ أوگاريت هورية وليست فينيقة؟ – (الحلقة الرابعة) – بيار روباري

دراسة: لِمَ أوگاريت هورية وليست فينيقة؟ – (الحلقة الرابعة) – بيار روباري

Çima Ugarêt Horî ye û ne Fînîqî ye?

سابعآ، أصل إسم أوگاريت ومعناه:

Koka navê Ugarêt û wateya wî

 

لقد قرأت معظم ما نشر عن مملكة أوگاريت، لم أجد دراسة أو بحث تناول تسمية ” أوگاريت” من حيث الأصل والمعنى بشكل علمي ومنطقي مستندآ فيه لعلم “إصول الكلمات – وعلم المقارنة”. ولم يكلف أحدآ من الذين كتبوا عن أوگاريت أن يتسأل عن أصل التسمية بإستثناء الكاتب المصري “سيد قمني”!! كيف يمكن لمؤرخ أو عالم أثار أن يؤرخ لهكذا مملكة قدمت للبشرية أساس العلم والمعرفة ألا وهي الأبجدية الأوگاريتية، التي تتألف من ثلاثين حرفآ؟؟ كلهم إستسهلوا العملية وإدعوا أنها مفردة (أكدية) فقط لوجود تشابه بين الكلمتين وقالوا أنها تعني الحديقة، ودون أي شرح أو مقارنة، ولماذا إختار أهل أوگاريت هذه التسمية، أو لماذا أطلق جيرانهم هذه التسمية عليها، إن صحت ذلك. وهي في الواقع غير كذلك وسنشرح لماذا، ونلقي الضوء على أصل هذه التسمية ومعناها، بطريقة علمية ومنطقية من خلال الإعتماد على علم (إصول الكلمات والمقارنة).

أولآ، سأورد ما روج له المستعربون العرب في فيما تسمى زورآ (سوريا ولبنان) بخصوص حقيقة إسم هذه المدينة التي كانت على الدوام جزءً من الدولة الهورية (الخوري)، من أكاذيب وسخافات لا تصمد أمام أي بحث جدي، فما بالكم بالوثائق التي عثر عليها علماء الأثار في مدينة أوگاريت وبشكل رئيسي في قصرها الملكي.

مثلآ “أنيس فريحة” وهو باحث فلكلوري لبناني ومحاضر جامعي، يقول في كتابه بعنوان: (رأس الشمرا) أن إسم أوگاريت مأخوذة عن  كلمة “أغارو” الأكدية، إستنادآ إلى رقيم تم إكتشافه في مدينة (إبلا) وتعني الحقل. ولم يشرح حقيقة هذه التسمية وفق “علم إصول الكلمات” ولم بأية مقارنة وإن كان هذه المفردة أي (إيغور) موجودة أيضآ في اللغات العبرية والعربية والكنعانية!!

أما “موسى ديب الخوري” يقول في كتابه “أوغاريت حضارة الأبجدية الأولى” ورد إسم أوگاريت في رقيم أوغاريتي فيه عبارة (بن جرت) وتعني بلد أجرت، وأجرت تعني الحقل. السيد موسى فسر كلمة جرت على أنها حرث، وهذا يعني الحقل المحروس. لكن الكاتب لم يقل لنا من أي لغة أخذ هذه المفردة، ووفق أي ترجمة علم بأن الكلمة تعني حرث وذات جذر ثلاثي!!!

من جهته ذكر “إ.ش.شيفمان” في كتابه: (ثقافة أوغاريت)، أن كلمة أوگاريت تعني جدار وهي مأخوذة عن الكلمة الأكدية (إيغور) التي ترجمها فريحة على أنها حديقة. وتبنت السيدة “فاطمة جود الله” في كتابها (سوريا نبع الحضارات) نفس هذا الرأي أي شيفمان.

أما الدكتور “محمد بهجت القبيسي” يقول فيه كتابه: (ملامح في فقه اللهجات العربية) أن كلمة أوگاريت

مأخوذة عن الكلمة الكنعانية الأوگاريتية (جرية). ويضيف قائلآ: (يت) هي لاحقة عربية كنعانية قديمة بدأت في نهاية الألف الثالثة. وهناك من قال أن تسمية أوگاريت تعني بُستان.

في المقابل، يقول الدكتور “فيليب حتي” في كتابه: (تاريخ سورية ولبنان وفلسطين)، ترجمة جورج حداد إن كلمة أوگاريت تعني الحقل وهي مستعارة من اللغة السومرية. ولكن كلمة الحقل في السومرية هي (أ س ا)، وهذه ليست لها علاقة بكلمة الحقل. في حين أن كلمة (إيغلو) التي تعني الحقل في الأكدية والمتطابقة من حيث اللفظ والمعنى مع العربية هي اللفظة المقصودة، أما كلمة (إيغرو) الأكدية فمن معانيها الجدار، أو السياج كما تعني الأرض الخضراء أو المزرعة (السهل).

ASA (Somerî ye):   حقل

Eqlu: (Ekedî ye):   حقل

Iqrau: (Ekedî ye):  جدار

 

من طرفه يكتب الكاتب المصري المعروف “سيد قمني” في كتاباته إن إسم مدينة أوگاريت نفسه هو في الأصل “حوري”. لأن إسم (كارت) يلتقي مع اللغة الكارية وأوگاريت في الأصل (أوكارت)، وورد هذا الإسم في سجلات (تل عمارنة). ويضيف سيد قمني قائلآ: إن إسم كارت تعني الكاري أي الحوري.

ومن وجهة نظري أن “سيد قمني” إقترب جدآ من حقيقة إسم مدينة الهوريين “أوگاريت” وسنشرح ذلك بعد قليل عندما نطرح رأينا كطرف كردي معني بالأمر. الأمر الوحيد الذي غاب عن ذهنه هو الحرف الكردي (گ)، وسبب ذلك برأي لعدم وجود هذا الحرف في اللهجة المصرية مثلما هو غير موجود بالعربية الفصحة. الوحيدين في الدول العربية الذين يستخدمون هذا الحرف هم الصعايدة، كونهم في الأصل (كرد كاشيين) وجلبوا معهم فكرة بناء الأهرامات إلى مصر وهذا ليس كلامي وإنما كلام العالم المصري “الدكتور عكاشة الدالي” على لسان الكاتب العراقي فائق شيخ علي وستجدون فيديو خاص بذلك ضمن فقرة المراجع – الفيديوهات.

هنا لا بد من عدة ملاحظات أراها ضرورية، وذلك لتوضيح بعض النقاط المهمة قبل أن نطرح وجهة نظرنا كطرف كردي.

الملاحظة الأولى: لا حظتم مثلي لا يوجد إتفاق بين المهرجين المستعربين، الذين بزلوا كل جهد لعلهم يفلحون أن ينسبوا حضارة أوگاريت الهورية العظيمة، لأناس لم يكونوا يعرفوا شيئ عن الحضارة والأبجديات وحياة القصور نهائيآ، وكما رأيتم فشلوا في ذلك فشلآ ذريعآ، ولستُ متفاجئآ بذلك لأنهم جماعة مفلسين ولا يملكون سوى تسويق الأكاذيب مثلهم مثل المهرج والكذاب والمستوطن “خزعل الماجدي”.

الملاحظة الثانية: هؤلاء المهرجين ومزوري التاريخ عندما يكتبون إسم أوگاريت باللاتيني يستخدمون

حرف اللاتيني (گ) لأنهم مجبرين، ولكن عندما يكتبون الإسم بالعربي فيستخدمون حرف (غ) أو (ج)

ويرفضون إستخدام الحرف المقابل للحرف اللاتيني والذي هو (گ)، الهدف هو التغطية على إسم المدينة الحقيقي.

الملاحظة الثالثة:

جميعنا يعلم لا يوجد في الكنعاية والعبرية والعربية الحروف التالية:

(A, Ç, G, Ê, I, Î, O, U, Û, J, P, V )

هذه الحروف لا مقابل لها، ولهذا عندما يستعيرون مفردات أو أسماء معينة، يجدون صعوبة في كتابتها كما هوا الحال مع إسم أوگاريت، والبسسب عدم وجود هذه الأحرف في هذه اللغات. وهذا ينطبق أيضآ على بقية اللغات الأخرى ومنها اللغة الكردية. فمثلآ هناك أحرف في اللغة العربية لا توجد في اللغة الكردية مثل حرف (ح، ظ، ض، ص،) وأيضآ نجد صعوبة في كتابات وأسماء تحتوي هذه الحروف.

وبالتالي السؤال لكل اولئك المزورين للتاريخ: من أين أتى الحرف الكردي- الهوري (گ) ودخل إلى إسم المدينة إن لم تكن هورية – حثية؟؟؟

لربما بعضهم عن جهل أو بسبب إدمانه على تسويق الأكاذيب إدعى أن إسم المدينة أكدي. ولكن من قال لكم الأكدية لغة سامية وأن الأكديين والكلدانيين ذوأصل سامي؟؟؟ ولو كان الأكدية سامية لم وجدتم فيها  . الهوري – الكرديGحرف

الملاحظة الرابعة: مصطلح أوگاريت مركب وهذا لا يحتاج إلى نقاش، وكل جوقة المهرجيين ومزوري التاريخ، تجنبوا الخوض في هذا الأمر لأنهم غير قادرين على الخوض في ذلك بسبب إفلاسهم، وعدم إمتلاكهم شيئ يقدمونه بشكل علمي ومنطقي، ووفق نظام علم إصول الكلمات، فلجأوا إلى هذا الكلام السخيف وأرادوا أن يلتحفوا بورقة التوت ألا وهي مفردة (إيغور) الأكدية. مع العلم أوگاريت كانت تتقدم على ما عداها من الممالك والدول من ناحية اللغة والكتابة. فهل يعقل أن يلجأ سكانها إلى دولة أخرى للبحث عن إسم كي يطلقونه على مدينتهم؟؟!! هذا أمر غير سليم وغير منطقي على الإطلاق.

والأن حان الوقت لنلقي الضوء على أصل كلمة أو تسمية “أوگاريت” ونقدم رؤيتنا كطرف كردي وهو أكثر الأطراف معنيآ بالقضية، وبتاريخ المدينة وثقافتها ونتاجها الحضاري وفي جميع المجالات، وهو الوحيد له حق الوراثة في إمتلاك أثار ووثائق هذه المدينة الهورية – الحثية العريقة. وهنا أود أن أنوه إلى أنني سوف أقوم أولآ، بشرح الموضوع باللغة الكردية لأسباب علمية وليس مزاجية، ومن بعدها سألخص ذلك وأكتبه بالعربي لمن لا يتقن اللغة الكردية.

Bêgûman têgîna “Ugaret” lêkdirev e û ji du beşan pêktê. Û gor sazkirina vê peyvê em kanin wan beşan bindin xuyakirin. Û dema ez li ser navê (Ugaret) rawestîm û min lêkolîn çêkir birêya peyvsaziya zimanê kurdî, li vir sê derfet derketin holê ew jî ev in:

 

Yekemîn derfet:

Agar (ekar):  عقار: (وكلمة عقار العربية مأخوذة من المفردة الكردية أگار)

-êt: لاحقة – وهناك كلمات كردية كثيرة تنتهي بها

Nanpêt, divêt, gerêt, hilêt, bimêt, …..

Agar  +  pêt   ——->   Agarêt.

Jiber wê mi got kû nivîskar “Seyêd Qimnî” ji Misrê gelek ji rastiya navê Ugarêt ve nêzîk bûyî û tenê tîpa (G) jibîra xwe kirî.

Duyemîn derfet:

Navê Ugarêt ji du peyvên kurdî (agahî û rêk) pêkhatî. Li vir peyva agahî beşek jê hatî birîn û wek pêşgîn hatî bikar anîn û peyvek nû hatî sazkirin biwateya rêya agahiyan. Û bi demê re tîpa (k) jiber giraniya xwe bûyî (t).

Aga + rêk    ——–>    Agarêk    ——–>     Agarêt.

Ugarêt: طريق المعلومات

Sêyemîn derfet:

A: ماء

Garêt:  عودة

A  +   garêt    ——–>     Agarêt    ——–>    Ugaret.

Tîpa (u) di bingehê xwe de (A) ya Somerî ye û tê wateya avê. Û peyva gerêt tê wateya vegera avê bo deriyê. Û bi demê re tîpa (A) bûyî (U). Û em jibîrnekin kû Ugarêt li ser girekek nizmik hatî avakirin û bixwe (800 m) ji deriya avê ve dûr e.

 

Li gor dîtina min be, navê bajarê Ugarêt, ji peyva kurdî (Agar) û paşgîna (-êt) hatî sazkirin.

أنا أميل للرأي الأول، لأن كلمة (أگار) الكردية مصطلح قديم جدآ، وهو ينطبق على موقع المدينة المرتفع بعض الشيئ ومساحتها تتماشى مع مساحة الحقول. وقد يجوز لاحقآ بعد إكتمال بناء المدينة تم تسيجها بهدف حمايتها من الغزوات الخارجية ولتسهيل الدفاع عنها، وهذا كان أمرآ معتادآ في الماضي البعيد.

 

فن الكتابة في أوگاريت:

Hûnera nivisandinê li Ugarêt

إذا كان اليوم الإنترنيت والذي نسميه بالكردي (ڤگين)، هو مصدر المعلومات والتواصل الإنساني حول العالم، ففي القدم كانت الكتابة بمثابة أم العلوم ومصدرها، ويشغل مركز الصدارة في إهتمامات مثقفي الدولة الهورية – الحثية وفي مقدمتهم مثقفي مدينة أوگاريت. ما يؤكد هذا التوجه هو ذاك الرجاء أو تلك الرسالة التي وجهها أحد كهنتها إلى ألهة المدينة وجاء فيها:

” للقضية التي أستعطفك من أجلها، لا تظهر في عظمتك، عدم الاهتمام … بهذا التلميذ الفتي، الجالس أمامك. لا تظهرعدم الاهتمام … في فن الكتابة، أي سر إكشف له … العد، المحاسبة، أي حل، أكشف له الكتابة السرية، أكشف له القصب المبري والجلد، الدهن والفخار، أعط ذلك لهذا التلميذ الفتي .. إذن، من كل ما يتصل بفن الكتابة، لا تهمل شيئا”.

صحيح أنه لم يكتشف في أوگاريت مدارس، كتلك التي إكتشفت في مملكة ماري، مثل الصفوف ومقاعد الدرسة، ولا فروض للتلاميذ وتمت تدقيقها من قبل مدير المدرسة أو المدرسيين، كما كان الحال في مدينة إيبلا، لكن إكتشف في مدينة أوگاريت شواهد كثيرة تدل على نشاط مدرسي مكثف، واذا لم يجر ذلك النشاط بالضرورة في أماكن معدة للتعليم بشكل خاص، لكن لدينا بالمقابل قرائن عدة تبرهن على أن التعليم كان يتم في القاعات المعدة للأضابير وفي المكتبات، إذ إن معظم الوثائق ذات الطابع المدرسي، قد وجدت في تلك القاعات. وهكذا فقد جمعت من الديوان الغربي للأضابير في القصرالملكي، عدة أقلام كانت تستخدم لحفرالإشارات المسمارية فوق فخار الرقيم، كما عثر على تمرين مدرسي، يتضمن أربعة حروف تفصل بينها خطوط صغيرة عمودية، ثم كلمة مركبة من تلك الحروف. وهناك إكتشافات كثيرة تلحظ جهود الكتبة، والتعليم الذي كانوا يقدمونه دون حدود لتلامذتهم. ويمكن التميز بسهولة بين تلك الإشارات المسمارية التي نقشت على يد ماهرة مدربة، وتلك التي صنعت على  أيادد غير خبيرة أو قليلة الخبرة.

 

تفكيك المقطع الصوتي:

Jihevkirina kîtên dengî

إن تفكيك المقاطع الصوتية وتحويلها إلى حروف أبجدية من قبل كتاب واللغويين الأوگاريتيين قبل ألاف السنيين، كان عملآ عبقريآ وثوريآ وخطوة عظيمة هائلة بكل معنى الكلمة، وفتحت المجال واسعآ أمام البشرية للتقدم والتطور من خلال تحويل 600 مقطاع صوتية ومصورة إلى 30 حرفآ بسيطآ. فإن دل ذلك على شيئ فإنما يدل على النضج الثقافي والعلمي واللغوي الذي بلغه الشعب الهوري في عهد الحثيين أسلاف الكرد.

وعن هؤلاء الكتاب الحثيين الكرد في أوگاريت العظيمة يقول “جبرائيل سعادة” ما يلي:

“اؤلئك الكتبة من الأوگاريتيين كانت بين أيديهم على الدوام نصوص أكادية بالكتابة المسمارية المقطعية، وتعلموا هم أنفسهم، كتابة الأكادية التي كانت آنذاك اللغة المنتشرة. وها هي ألف سنة تدور دورتها، دون أن يدور في خلد أحد أنه كان بالإمكان إيجاد كتابة، يمثل فيها كل شكل حرفآ واحدآ، بدلآ من تمثيل مقطع صوتي، وتلك هي القاعدة البسيطة التي نهضت عليها جميع أبجدياتنا الحديثة. كان قد رسخ في إعتقاد الكتبة أن الحرف الجامد على إرتباط لا فكاك له مع الصوت الذي يليه. وكان المقطع الصوتي على ذلك، يؤلف عنصرآ ثابتآ غير قابل للتجزئة شأنه شأن الذرة.

ونعلم مقدار ما بذل من جهود وعلم، ووقت، قبل التوصل إلى تفتيت الذرة. وعلى المنوال نفسه أمضت البشرية زمناً مديداً، قبل أن تكتشف إمكانية تفكيك المقطع الصوتي. كانت البشرية، ولا شك تتطلع إلى كتابة جديدة، تخلصها من القيم المقطعية التي تجعل الكتابة على درجة كبيرة من الصعوبة. تلك الرغبة الكامنة كمون الجمر تحت الرماد خرجت إلى حيز الواقع، وأصبحت حقيقة ملموسة عندما تحقق ذاك المشروع الجريء، الذي باشره كاتب نجهل إسمه للأسف، وقدر له أن يعيش على الشاطئ الهوري (السوري)، في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. إن ذلك الإبداع القائم ولا شك على العبقرية، وعلى ملكة تجريد راسخة وعظيمة، قد أتاحت ولادة أبجدية في غاية التبسيط، ولا تشتمل إلا على ثلاثين حرفاً فقط”.

 

ويضيف جبرائيل سعادة قائلآ:

“توجد عدة وثائق غاية في الأهمية، لأنها تدخل بنا إلى صميم العلاقة بين الكتبة والتلاميذ، ونعني بذلك رقم القراءة الأبجدية، والتي نجد فيها أحرف أبجدية أوگاريت الثلاثين مرتبة بحسب التسلسل الذي كان معتمدا آنذاك، وهذا التسلسل المحدد الذي تشهد عليه جميع رقم القراءة التي عثر عليها حتى الآن، يدل على أن تلك الوثائق إنما وضعت بغاية التعليم، أي أن الكتبة المستجدين كان باستطاعتهم أن يحفظوا بسهولة أكبر، وعن ظهر قلب، الأحرف الثلاثين وهي تعرض أمامهم حسب تسلسل لا يتغير. وتجدر الإشارة إلى أن ذلك الترتيب، يكاد يكون ترتيب الأبجدية اليونانية ذاته، لولا بعض الفروق الطفيفة. ويتابع جبرائيل سعادة: إنه لأمر يبعث على التأثر أن نفكر بأن الأطفال اليوم في عدد كبير من بلدان المعمورة، يتعلمون إستظهار الأبجدية بالترتيب الذي اختاره لهم كاتب من أوگاريت منذ أربعة وثلاثين قرنا من الزمن”.

جانب من مدينة أوگاريت

 

هذا ليس كل إبداع كتبة ولغوي أوگاريت الحثية، وإنما فكروا في الترجمة أيضآ، فبعد وضع تلك الأبجدية العظيمة، كتبوا على رقيم رتبت فيه أبجدية أوگاريت في أعمدة، وكتبوا مقابل كل حرف أوگاريتي المقطع الصوتي الأكادي المطابق له باللفظ. إنه ولا شك جدول مقارن، وضع لخدمة الكتبة المكلفين بالترجمة من اللغة الهورية – الأوگاريتية إلى الأكادية وغيرها من اللغات وبالعكس. وهذا اللوح الأخير سمح لنا أن نتعرف وعن قرب على معارف كتبة هذه المملكة المتطورة، ومدى إطلاعهم على اللغات الأجنبية، وعلى كفاءتهم في ميدان الترجمة.

ثامنآ، حضارة ومجتمع أوگاريت:

Şaristanî û civaka Ugarêt

يقول الكاتب “قصي عبد الرحمن” في كتابه “أوگاريت” إن هذه المدينة التي أنشأت على رأس بحري، بدت وكأنها نقطة تقاطع بين اليابسة والطرق البحرية، وقدر لها منذ البداية أن تصبح قوة تجارية. ذلك عبر مسافة الإبحار السهل، بين قبرص (الآشيا) وساحل كيليكيا والميناء الشمالي الأبعد من سلسلة الموانئ التي كانت عقدة مواصلات ساحلية، إلى أرض كنعان ومصر، كانت أوگاريت تربط بين العالم الإيجي والمشرق.

ويضيف الكاتب قائلآ: إن القطعان الكبيرة من الغنم والماعز، التي كانت ترعى في السهوب أمدت مدينة أوگاريت بكميات كبيرة من الصوف، وقد صُبغ الصوف باللونين الأرجواني المحمر والبنفسجي المائل إلى الزرقة، وتم ذلك في الحي الصناعي، حيث وجدت أكوام من الصوف التي تدل على تلك الصناعة.

وكان الصوف يرزم على شكل بالات أو ملابس جاهزة للتصدير، وحمل التجار الحبوب إلى (آلاشيا وسيليسيا)، ووضع زيت الزيتون المنتج بكميات تجارية في جرار كبيرة، وجهزت المعاصر الضخمة له، وكان يصدر إلى الخارج بكميات كبيرة. وقد وجدت بعض هذه الجرار في المخازن المنتشرة على طول الشاطئ، أما الأخشاب الممتازة كالبقس والعرعر والصنوبر القاسي، فلم تصدر لأنها كانت مطلوبة كسلع ضرورية للبلاد.

إلى جانب ذلك كانت أوگاريت تصدر الخمور والملح المستخرج من أحواضه الاصطناعية المنتشرة على طول الشاطئ. ووجود الأوعية العاجية وأوعية الألباستر المحلية الصنع في موقع أوگاريت تدل على قيام تجارة مزدهرة تناولت الزيوت المعطرة ومساحيق التجميل أيضآ. وقد جعلت هذه الأوعية على نمط مثيلاتها المصرية في زمن الفراعنة. كما أن النصوص المكتشفة في موقع أوگاريت كانت مكتوبة بلغات عديدة وهذا لا يدعو إلى الدهشة بالنسبة إلى مدينة تجارية عظيمة كمدينة أوگاريت.

وأغلبية السكان كانوا يتحدثون باللغة الهورية (الحورية)، لأن الناس أي السكان كانوا يتقنون اللغة الحثية قراءة وكتابة، هذا لأنهم كانوا هوريين – كرد، وكان يوجد معهم بعض الأجانب ولهذا كنت تجد بينهم من يتحدث إلى جانب اللغة الهورية، اللغة المصرية والكنعانية وحتى القبرصية بحكم الإختلاط وذلك بفضل التبادل التجاري.

الحضارة

Şaristanî

لا شك أن مدينة أوگاريت كانت تحتل موقعآ متقدمآ بين مثيلاتها من مدن الدولة الحثية – الكردية وليس هذا فحسب، وإنما على مستوى الحضارات القديمة برمتها، وذلك بسبب ما قدمته من علم ولغة وصناعة، وزراعة، وتقدم في الإدارة، وإعطاء نموذج متطور في العمران والبنى التحية كالشوارع المرصوفة بالأحجار، والأبنية الجميلة والقصور الملكية الرائعة والدوائر الحكومية، ومكتبات لا مثيل لها في عصرها، كل ذلك تم إكتشافه في موقع المدينة التاريخية بعد العثور عليها صدفة عام 1928م.

القصر الملكي قدرت مساحته بحولي (10.000) متر مربع، طليت بعض أجزائه بالفضة، وبجواره بني برج ضخم ذو جدران كثيفة لكي يدافع عن القصر وحمايته، كما كشفت أعمال التنقيب في عام (1975م) وفي منطقة (رأس ابن هاني)، على بعد خمسة كم إلى الجنوب الغربي من أوگاريت فقد وجدوا قصرين ملكين، وفي شمال وجنوب الموقع وجدت مجموعة من المدافن والقبور.

التجارة والصناعة:

Bazirganî û pîşesazî

كانت أوگاريت دون شك مركزآ تجاريآ هامآ، ونقطة وصل تجارية بين منطقة الأناضول ومن خلفها مناطق اليونان في الشمال والغرب ووسط أوروبا، والمناطق الداخلية للدولة الحثية التي كانت جزءً منها، بإتجاه بلاد الرافدين شرقآ، ومصر جنوبآ. هناك نصوص تتحدث عن الملاحة الأوگارتية، وتبين أنه كان لأوگاريت أسطول تجاري. وكان التبادل التجاري يتم عن طريق البحر مع قبرص ومع القسم الجنوبي من الساحل حتى مصر. أما التبادل البري كان يتم عن طريق القوافل فقد كانت تتم مع بقية المدن الحثية وغيرها ومع مصر أيضآ. وإشتهرت مدينة أوگاريت بصناعة إنتاج وبيع الأخشاب، وصناعة المعادن، الأواني المشغولة بحرفية ودقة عالية، المنسوجات والأقمشة، الأصبغة المستخلصة من صدف الأرجوان، الخمر، الصوف المصبوغ. وتستورد بعض المواد الأولية كالمعادن، إضافة لبعض الكماليات من قطع فنية مصنوعة من العاج والحلي وأوعية نفيسة.

وفي الجانب الزراعي فقد عرفت أوگاريت بغناها بالمنتجات الزراعية مثل: الزيتون، الزيت، القمح الشعير وبعض أنواع الخضروات والفواكهة. وكانت تصدر البضائع وتستوردها عن طريق مينائها (مينا البيضا) والذي لا يبعد كثيرآ عن المدينة.

الحياة الدينية في أوگاريت:

Jiyana dînî/olî li Ugarêt

أوگاريت مثلها مثل بقية المدن والحواضر الهورية – الحثية، كانت مفعمة بالحياة الدينية وشهدت معتقدات متعددة. وقد أطلعتنا الشواهد الكتابية المدعمة بالدلائل الأثرية، على عمق الاعتقادات الدينية وطقوسها في حياة المجتمع الأوگاريتي. إن تعدد المعتقدات في هذه المدينة يعود إلى وجود مصريين فيها وجالية كنعانية وحتى قبرصية. ولكل مجموعة من هذه المجموعات معتقداتها الخاصة، والكرد الحثيين لم يمنعوا الأخرين من ممارسة عبادتهم وطقوسهم الدينية، وهذه الخاصية ورثوها عن أبائهم الهوريين ولم يمنعوا الأخرين أيضآ من إستخدام لغتهم، بعكس الأقوام الأخرى. الأوگاريتيين كانوايعبدون إله الشمس وهو معروف عن الديانات الكردية بأنها شمسانية. وللمعلومات كلمة (شمس) بالعربي والعبري مأخوذة عن المفردة الكردية – السومرية “شمش” فالعرب واليهود من قبلهم بدلوا حف الشين الثانية بحرف (س).

ومن هنا تجدون الشعب الكردي لليوم يسمي أيام الأسبوع بالشم ما عدا يوم الجمعة:

Şemî, yekşem, duşem , sêşem, çarşem, pêncşem.

لم نحط تماماً بالمفهوم الديني وأبعاده كاملة للشعوب القديمة، وذلك بالنظر إلى الرمزية والهالة القدسـية التي أضفاها القدماء على آلهتهم، الهدف من ذلك هو وضع تلك الألهة في موقع عالي وغامض كي ينظر الناس إليهم بنظرة محترمة وهالة كبيرة، ولو علمت كل شيئ عن الألهة لفقدوا هالتهم وتلك القدسية التي يتمتعون بها، ومن هنا جاء زاردشت برفع الإله لأول مرة من الأرض إلى السماء ومنع الحديث عنه.

محفوظات مملكة أوگاريت التي تناولت نواحٍ كثيرة خاصة بالحياة الدينية، مما أتاح للمهتمين بالإطلاع على خبايا وممارسات لم نكن نعرف الكثير عنها، فهناك أسمـاء لآلهة، مثل: إيل، بعل، عناة، موت، وغيرها، وأيضاً وصف لأنصاف الآلهة، وطريقة تشاركها في الخلق والتدبير وتوزيع المسؤوليات.

وبخصوص تقديم القرابين كان الأوگاريتيين مثلهم مثل بقية الهوريين يقدمون القرابين للألهة، وكلمة

(القربان) ذاتها كلمة كردية أصيلة، وعادة تقديم القرابين منشأها وطن الكرد كردستان منذ عهد الهوريين ومستمرة هذه العادة ليومنا هذا. وفي نص مكتشف ذي صفة إدارية يذكر بأن كميات كبيرة من الخمر كانت ترسل من مختلف مدن وقرى مملكة أوگاريت من أجل طقوس الأضاحي التي كان يقدمها الملك بالجزء الشمالي من منطقة القصر الملكي، حيث إكتشف منشأة من هذا النوع. لا يوجد مكان خاص للذبح عند الكرد لا قديمآ ولا حديثآ، ولهذا لم يعثر على مكان (مذبح) خاص بالذبح في المدينة ولا في رحاب القصر المكي لأن المهم هو تقديم القربان وليس المكان الذي يذبح فيه القرابين.
ان المعطيات الاثرية حول مظهر العبادة الملكية نادرة في الواقع، هناك نص واحد فقط يقيم علاقة واضحة بين الدعاء الملكي والقصر وبحسب النص المذكور فإن الملك بعد ان يترأس في البداية الاحتفال بالسنة الجديدة يعود الى مقره ويرفع يديه عاليآ نحو السماء، وفي نص أخر كان على المرتل أن يرتل نشيدآ بعد سلسلة من الأضاحي في أماكن مقدسة عديدة يبدو انها تقع في القصر والدعاء بحد ذاته يطلب حماية الألهه.

نهاية الجزء الرابعة وإلى اللقاء في الحلقة الخامسة.