Bajarê Girgamêş (Cerablus) Hisî – Kurdî resene

تاريخ مدينة گرگاميش:
Dîroka bajarê Girgamêş
مدينة “گرگاميش” كانت ثاني أشهر مدينة هورية في عهد الحثيين بعد العاصمة الغربية “هتوسا” ووفق جميع المصادر التاريخية التي بحوزتنا، إستوطنها الإنسان فيها قبل أكثر من (5.000) خمسة آلاف عام قبل الميلاد، عندما لم يكن يعيش في هذه المنطقة سوى الشعب الخوري (الهوري).
وأول من أشار إلى وجود بقايا أثرية فيها هو الرحالة الانكليزي “هنري مندرال” سنة (1714) في كتابه “رحلة من حلب إلى اورشليم” وذكرها بعده المستشرق الإنكليزي وعالم كتاب المقدس” إدوارد بوكوك” عام 1737، وأول من حدد موضِعها الجغرافي، ورسم مخططها قنصل إنكلترا بحلب “الكسندر درموند” في كتابه “رحلات حتى شواطئ الفرات“.
بدأت التنقيبات في موقع مدينة ” گرگاميش” التاريخية والتي يعود تاريخها إلى خمسة آلاف سنه قبل الميلاد، منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، على يد كل من “هوجارث، تومبسون، ووولي ولورانس” وتبين أن هذا الموقع قد سُكن أول مرة منذ الألف الخامس قبل الميلاد، أي في عصر حضارة “گوزانا” والتي تسمى اليوم (تل حلف) وهي إم حضارات أسلاف الكرد، وإستمرت على مدى الألفين الرابع والثالث قبل الميلاد. موقع مملكة “گوزانا” تقع جنوب مدينة “سريه كانية” الكردية الحالية في غرب كردستان، وإكتشف فيها أول آثار من العصر الحجري الحديث، وتتميز بالفخاريات المزججة المزينة برسوم هندسية ورسوم الحيوانات عليها.
وكان ذلك أيضآ في عصر حضارة (أورك) وهي المدينة التاريخية للحضارة السومرية العريقة – أسلاف الكرد، والمدينة كما هوم معلوم تقع شرق ضفة نهر الفرات، وتبعد عن مدينة “أور” نحو 35 ميل، وقد كُشف فيها عن قبور غنية جداً بالأواني الفخارية المزخرفة، وكلا المكانيين يتشاركان (گوزانا وأورك) مع حضارة ” گرگاميش الواقعة في الغرب بأعالي نهر الفرات في الكثير من التفاصيل. وهذا دليل أخر على أن هذه الحضارات تعود لشعب واحد ذو ثقافة واحدة ولغة واحدة، وقد بينا في بحوث أخرى تناولنا فيها هوية وتاريخ مدينة “أوگاريت” الهورية العريقة، الصلة الوثيقة بين اللغة الكردية الحالية، وكل من لغة (سومر والميديين ولغة وأفيستا ولغة الميتانيين والحثيين والساسانيين).
لقد ورد إسم مدينة “كرگاميش” في عدة مصادر تاريخية وأولها تلك التي وردت في النصوص العائدة إلى نهاية الألف الثالث قبل الميلاد، في أرشيف مدينة (ماري) كون المدينة خضعت لنفوذ مملكة إبلا فترة من الزمن، وكما ذُكر في أرشيف ماري أنه في بداية الألف الثاني قبل الميلاد، كان يحكمها أسرة مستقلة نسبياً تبادل ملوكها، “إبلا خندا، وياتار ـ آمي”، الرسائل مع الملك “زمري ليم” ملك ماري التي كانت تستورد الخشب من مدينة أو مملكة (گرگاميش)، إضافة للخمر والحبوب، وربطتها بها علاقات تجارية وسياسية طيبة. إستمر ورود اسم كرگاميش في النصوص القديمة بعد سقوط ماري، وعلى امتداد القرن السابع عشر والسادس عشر والخامس عشر قبل الميلاد. وفي منتصف القرن الرابع عشر قبل الميلاد، سيطر عليها الملك الحثي “شوبيلوليوما الثاني” ونصّب إبنه ملكاً عليها لتغدو بعدها إحدى أهم القلاع الحثية في المنطقة وأقواها، وليتسع معها نفوذها وخاصة في عهد الملك “مورشيلي الثاني”، ليصل إلى شواطئ البحر المتوسط (أُوگاريت) غرباً وحوض الفرات مملكة (إيمار) شرقاً.
قبل ظهور الدولة الحثية على المسرح السياسي بتلك القوة، كانت المنطقة برمتها جزء من الدولة الميتانية وعاصمتها (واشوكاني)، التي تقع في الجزيرة الكردية بغرب كردستان. تضعضع حكم الميتانيين بسبب الخلافات بين أفراد الأسرة الحاكمة، وكان هناك تياران كما ذكرنا أنفآ داخل العائلة الحاكمة: الأول كان متحالفآ مع فراعنة مصر وعقدوا معهم معاهدة صداقة وناسبوهم من خلال تزويج عدة أميرات بفراعنة مصر، وتيار ثاني كان يعارض هذا التوجه ويميل للتحالف والتعاون مع الحثيين بني جلدتهم لحماية دولتهم، وفي النهاية إنتصر التيار الذي كان يميل للحثيين وحظيوا بدعم قوي من الملوك الحثيين وهكذا، تمكن الحثيين من بسط نفوذهم على كامل المنطقة من دون خوض حروب والتسبب بدمار ومن ضمنها مدينتي “كرگاميش وأُوگاريت”.
مدينة ” گرگاميش” بعد تحولها إلى مركز للقرار السياسي للحثيين الكرد، هي التي من قادت الحرب من جهة الحثيين بقيادة “الملك مواتللي الثاني”، معركة “قادش”ضد الفراعنة بقيادة الملك رمسيس الثاني ملك مصر، ومدينة قادش اتقع علي الضفة الغربية لنهر العاصي جنوب بحيرة حمص فقط بعدة كيلومترات. هذه المعركة وقعت حوالي العام 1274 قبل الميلاد.
وأدت گرگاميش دوراً مهماً في الدفاع عن الدولة الحثية، ضد القوى المنافسة لها من آشوريين ومصريين وغيرهم، وكانت من المدن القليلة التي إستطاعت الصمود في وجه شعوب البحر الغازية والتي اجتاحـت المنطقة في مطلع القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وأصبحت “گرگاميش” على إمتداد القرون التالية أهم الممالك الحثية التي خاضت حروباً قاسية دفاعاً عن استقلالها، قبل أن يتمكن سارگون الثاني عام 717 قبل الميلاد من إخضاعها للحكم الآشوري المباشر.
لا توجد معطيات أثرية عن مدينة گرگاميش في الألف الثالث والألف الثاني قبل الميلاد عندما كانت مقراً لنائب الحاكم الحثي الكبير، لأن التنقيبات الأثرية لم تصل إلى عمق طبقات تلك العصور، التي إقتصرت المعلومات فيهاعلى الوثائق الكتابية التي وُجدت في مواقع أخرى، وخاصة في ماري وحاتوشا وأوگاريت وإيمار.
أهم الإكتشفات الأثرية في مدينة گرگاميش القديمة تعود إلى العصر الحثي الجديد، وخاصة الفترة الواقعة بين القرن العاشر والثامن قبل الميلاد، وهو العصر الذهبي لهذه المدينة الهورية – الحثية العريقة والتي قادت مع بقية المدن الحثية الكردية الحروب والتقدم العلمي والصناحي وإنتاج الأسلحة والفورة العمرانية وتقاسمت معهم النفوذ في المنطقة.
لقد إكُتشف في هذه المدينة الضخمة التي بلغت مساحتها نحو (150) هكتاراً، طغى عليها الطابع الحثي وشيئآ من الطابع الهوري الميتاني، ودلت عليه العمارة والمنحوتات والكتابات الهيروغليفية التي وجدت فيها بعد عمليات البحث والتنقيب من قبل علماء الأثار الإنكليز. لقد بُنيت المدينة في مكان إستراتيجي منيع وحُصّنت بسور ثلاثي الحيطان في العديد من الأماكن، وأبراج دفاعية قوية، وتكونت گرگاميش من ثلاثة أجزاء: (المدينة المرتفعة، القلعة، المدينة المنخفضة).
ولقد إكتشف في المدينة المرتفعة عن معبد إله العاصفة “تارهونزا”، يقابله لدى الكنعانيين الإله بعل، وعن قصر ملكي فخم، نُفذ وفق المخطط المعروف ببيت “هلناش أو الهليني”، أي البيت العالي المؤلف من قاعة مركزية مستطيلة، يتقدمها رواق، ومدخلها في منتصف ضلعها الطويل وتحمل سقفها الأعمدة، وهو النموذج الذي بُنيت وفقه معظم القصور الهورية والميتانية والحثية. وكلمة (هلتار أو هلناش) في اللغة الهورية تعني الدارة المستطيلة، وكذاب كل من نسب هذه التسمية لللأرامية زورآ.
وهو الشكل المعماري الذي شاع في آسيا الصغرى وبلاد الهوريين أي كردستان منذ 1500 حتى نهاية القرن السابع قبل الميلاد، وجرى اشتقاق المصطلح (الهليني) من الكلمة الحثية والتي تعني مبنى أو دارة:
Hilatar, ḫilannaş.

ظهر أول بيت هلني في القرن (16) عشر قبل الميلاد، في قصر ملوك يمحاض في ألالاخ الكردية التي تسمى هتاي باللغة التركية اليوم. وجميع الباحثين الكبار من حول العالم أقروا، بأن البيت “الهليني” هو ابتكار خوري (هوري) خالص. وفي الفترة الحثية المتأخرة، أصبح النمط الهليني في العمارة شكلاً واسع الإنتشار، كشكل من أشكال الهندسة المعمارية في جميع مناطق غرب كردستان وشمالها أي كاملل منطقة الأناضول والشرق الأوسط. وفي مملكة “گوزانا” شرقي نهر الفرات بدأوا بهذا الشكل المعماري منذ القرن التاسع قبل الميلاد، وفي دور (خاتليمو) بدأوا منذ القرن 7 قبل الميلاد، وهي مدينة أثرية وتقع في محافظة دير الزور، وتعرف اليوم بي (تل الشيخ حمد) وتبعد عن مدينة دير الزور مسافة تقدر بحوالي 70 كم، وتقع على الضفة الشرقية لنهر الخابور، عرف الاسم القديم للموقع من خلال الرقم المسمارية لهذا التل.
وحتى ملوك الإمبراطورية الآشورية أخذوا عن هذ النمط المعماري الخوري وبنوا قصورآ على شاكلته، وليس هذا وحسب، وإنما حتى الكنعانيين أخذوا عنه وبنوا قصور وأبنية على ذات الطراز ويمكنكم رؤيتها لليوم فيما تسمى بفلسطين وإسرائيل.
تتألف البيوت (الهلينية) من قاعة مركزية يحدها على الجانبان بنيتان ممتدتان متوازيتان مستطيلتان، وتكون الواجهة، مع المدخل الواسع بين البنيتين، وتكون مزينة بالأدراج أو الأعمدة أو النقوش النافرة، وتتموضع غالباً على الجانب الطويل من القاعة، في الطرف المقابل، وتنتهي القاعة بجزء ضيق من المبنى مع سلسلة من الغرف يمكن الوصول إليها من القاعة، ويؤدي الدرج إلى جانب البوابة إلى الطابق العلوي. وكانت بيوت هلناشي مبانٍ مستقلة، يمكن أن تقع داخل مجمع قصر أكبر، وكانت لها وظائف علمانية (غير دينية)، على الرغم من أن شكل قاعة المدخل ربما يكون مستمدآ من المعابد الدينية.
كما إن أصل طراز و شكل البيوت الشرقية كالتي موجودة في مدينة حلب القديمة، دمشق، الموصل، آمد، القدس، صور، صيدا، طرابلس، وبيروت، جميعها يعود إلى البناء الهوري، الذي أطلق عليه تسمية (هليني). ولا غرابة في ذلك كون الكرد كانوا يعيشون في كل هذه المناطق منذ عشرات ألاف السنين قبل الميلاد. وسراق التاريخ والنصابين المستعربون العرب، دون خجل وحياء نسبوا هذا الطراز والفن المعماري الهوري المتطور والرائع، لأنفسهم وصحرائهم الجرداء، التي لم تشهد يومآ بيتآ حجريآ في الأزمنة الغابرة، فعلوا ذلك وظنوا أن الكرد لا يملكون المعرفة ولا الكوادر وبهذا الشكل يمكننا خداعهم والنصب عليهم، لكنهم أخطأوا وذلك لسببين:
السبب الأول:
أن علماء الأثار الذين يعملون وفق معايير علمية، وفي مقدمتهم العلماء الإنكليز والغربيين الذين يعود الفضل لهم في إكتشات هذه المدينة التاريخية العريقة، ودراسة أثارها ومخطوطاتها، أثبتوا وبشكل لا يقبل الشك، أنها مدينة هورية – حثية، وكانت عاصمة الدولة الحثية الثالثة. ومن هنا كانت فضيحتهم بجلاجل وحتى في إسم المدينة، الذي حوروره هؤلاء السراق والنصابيين العرب، رفض علماء الأثار الإنكليز إستخدامه وإعتمدوا إسم المدينة التاريخي (كرگاميش).
السبب الثاني:
إعتقد هؤلاء المزورين للتاريخ والمحتلين للتراب الكردي ومن ضمنها تراب مدينة گرگاميش المقدسة كونها كانت مدينة لعبادة إله الخصوبة والتي يرمز له بالثور، ودنثوها بأقدامهم القذرة، أن أبناء الشعب الكردي سيبقون جهلة، ولن يستطيعوا معرفة حقيقة تاريخهم وتاريخ بلادهم ومدهنهم وقراهم.
أقول لهؤلاء القراصنة والمستوطنيين أنتم واهمون، الكرد لم يعودوا جهلة كما كانوا بفضل إجرامكم وإستعماركم الإستيطاني وإستعمار الفرس والمجرمين الأتراك.
أتحدى هذه الزمرة من القراصنة، التي إمتهنت النصب والإحتيال وتزوير التاريخ وتسويق الأكاذيب أن يأتوا لنا بصورة بناء قديم واحدة، ثبت إمتلاكهم مثل هذا الفن المعماري الجميل الذي إبتدعه أجدادنا الهوريين والميتانيين والحثيين من صحرائهم القاحلة، عندها سأقر لهم بأن هذا النمط من البيوت هي صناعة عربية، مع العلم يكن هناك وجود لشعب بهذا الإسم في التاريخ، إلا بعد دعوة محمد الإرهابية.
كما إكتشف عن طريق المراسم المتميز بمنحوتاته الرائعة، والدرج والبوابات الضخمة التي تحرسها تماثيل الأسود، بينما انتشرت الأبنية السكنية والمشاغل في المناطق الفاصلة بين الأسوار. من أهم ما يميز عمارة گرگاميش هو إكساء جدرانها، وخاصة الأجزاء الدنيا منها والبوابات والمداخل بما فيها طريق المراسم بالبلاطات الحجرية الكبيرة المقطوعة من الحجر البازلتي أو الكلسي، والتي حملت صوراً وأشكالاً نُفذت بالنحت النافر، وتناولت موضوعات دينية وميثولوجية وسياسية وعسكرية غنية، فجسدت آلهة العاصفة والشمس والقمر، وهي تتربع على الأسود الكاسرة، كما تناولت الأحداث الكبيرة، كحروب گرگاميش وصراعاتها وانتصاراتها.
ومن أهم ما حملته هذه المنحوتات هي الكتابات الهيروغليفية الحثية، التي دونت تاريخ المملكة وملوكها الأقوياء، مثل (سوهي الثاني وابنه كاتووا) وأّرخت لأحداثها السياسية والدينية والاقتصادية. وتعد هذه النقوش الكتابية، إضافة إلى الحوليات الآشورية، أهم المصادر عن تاريخ گرگاميش عاصمة الحثين، التي كانت واحدة من أقوى ممالك عصرها، مثلها مثل مملكة “گوزانا مهد الحضارة الكردية في المنطقة، وأين دارا (بمنطقة أفرين)، حماة، دمشق وأوگاريت وكلها حواضر هورية.
كانت الزراعة أهم مصدر إقتصادي لهذه لمملكة، تلتها في ذلك التجارة، هذا إضافة لموقعها الجغرافي الاستراتيجي المهم على خط نهر الفرات العالمي المهم وهذا ما ساعدها على ازدهارها. لكن بعد سقوط الامبراطورية الأشورية الحديثة، عام (612) قبل الميلاد، خضعت مدينة گرگاميش لحكم الدولة البابلية الجديدة، وعلى أرضها ألحق الملك (نبوخذ نصر الثاني) هزيمة نكراء بالمصريين، ثم وقعت تحت النفوذ الأمبراطورية الفارسية، وبعدها خضعت للحكم الهلنستي، ودعيت باسم “يوربوس” (ومنه إشتق إسم جرابلس الحالي)، من دون أن يبقى لها شأن يذكر.
بحسب البعثة الإنكليزية وعلماء اللغات القديمة، إن نتائج الحفريات بينت لهم أن الحثيين قدموا إلى مدينة كرگاميش نحو 2000 عام قبل الميلاد، وبنوا فيها قلعة ذات شكل بيضوي تهيمن على نهر الفرات، لها منحدرات من الجانبين وإتسعت المدينة التي كانت في داخلها خلال النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد، فتجاوزت حدودها السور الأول، فاضطر سكانها لبناء سور ثان خارج السور الأول، وجعلوا له ثلاثة أبواب حول كل واحد منهم برجان، بينها ألواح منحوتة ومزينة برسوم ميثولوجية وحيوانية ومشاهد صيد.
وعن طريق الحفريات إكتشفوا أن سور المدينة له نحو (100) مئة برج موزعين على أطرافه، وأخذت المدينة تتقدم بسرعة على درب الحضارة، وبلغت أوج عظمتها في النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد. واتسعت كثيراً حتى إضطر أهلها إلى بناء سور ثالث أكثر إتساعآ من الثاني بفضل موقعها على نهر الفرات، وهي ملتقى طرق القوافل، حتى تفوقت على سائر الحواضر الحثية رقيآ وعمرانآ، وأصبحت تعد من أكبر العواصم الحثية، ومن أهم مراكزهم الحربية في منكافة الآشوريين، لأنها كانت على ضفة الفرات بمثابة مفتاح سهل الجزيرة من جهة الشرق، ولذلك إهتم الحثيين كثيرآ في تحصينها وتدعيمها.
النشاط التجاري لمدينة ” گرگاميش” في زمن الحثيين كان واسعآ وكبيرآ بحكم أنها مدينة نهرية ومنتجة للبضاعة، والمحاصيل الزراعية، وتبادلت التجارة مع بلاد الرافدين وبلاد البحر الأبيض المتوسط وآسيا الصغرى، إضافة للحواضر الحثية كأوگاريت على البحر المتوسط، وهتوسا في غرب أناضول ودمشق وحلب في الجنوب. وكان الحثيوون منذ أقدم عهودهم تجارآ من الطبقة الأولى، ويتاجرون بشتى أصناف البضائع، وأهمها الأصواف والماشية والمعادن والخمور، وكان عندهم شبه مصارف تجارية لترويج معاملاتهم وتداول نقودهم، ومن هنا كان العثور على عقود بيع وشراء وتسليف أمرآ طبيعيآ، وكان لديهم مؤسسات تشبه الغرف التجارية في وقتنا الحاضر، وكانت المؤسسات هي من تحدد فوائد القروض، والخلافات بين التجار كانت تحسم بالقانون، وكان لديهم قيود تختم عادةً بالرصاص وهو ختم الغرفة التجارية، وعندما تقدموا في الحضارة، أبدعوا في صناعة المعادن وصياغتها، وأتقنوا صنع الأسلحة وسائر مستلزمات الحضارة من معدن الحديد في ذلك الوقت.
گرگاميش في الحوليات الآشورية
Girgamêş di salpirtûkên Asûrî de
جاء ذكر إسم مدينة گرگاميش الميتانية – الحثية في الحوليات الآشورية مراراً وأول وأقدم ملك آشوري جاء على ذكرها هو الملك (تيغلات فيلصرالأول) 1100 قبل الميلاد، إذ يذكر أنه اجتاح البلاد من أرض شوحو (الشوحيين) إلى گرگاميش في بلاد “حتيين” أي الحثيين في يوم واحد. بعد ذلك جذبت المدينة أنظار ملك أشور “أشور ناصربال الثاني” (884 – 859 ق.م) الذي بدأ نحو 870 قبل الميلاد بغزو تلك المنطقة وأخذ “ابن بيت حياني” من سنجارا (حوالي 875 – 825 ق.م) ملك گرگاميش الذي وصفه بأنه ملك الحثيين. وحصل على جزية كبيرة أثر غزوه هذا، والجزية كانت كبيرة وتكونت من حوالي عشرين وزنة من الفضة، وأشياء كثيرة من الذهب، ومئات الأواني النحاسية، هذا إلى جانب أشياء مصنوعة من الحديد والأثاث، مركبات، الخيول التي إشتهر بها الهوريين وأحفادهم الميتانيين والحثيين. أي أنه حصل على كنز ضخم كنوع من البلطجة. وفوق كل ذلك حصل على الغطاء البرونزي لبوابات “بالاوات” والتي كانت تتكون من عدة معادن وفي مقدمتهم الذهب والفضة والبرونز والحديد. هذا إلى جانب 500 قطعة سلاح، وابنته ومهرها، ومائةمن الفتايات من بنات كبار القوم و(500) ثور، و(5.000) شاة، كما فرض عليه جزية سنوية، ويسجل النقش صفين طويلين من تفاصيل الجزية. وفي الصف الأسفل موكب الأميرة التي تبدو أن أباها كان يرافقها لمقابلة ملك أشور ويذكر “شمس هدد” بن شلمنأسر الثاني، أن گرگاميش تقع على الحدود الغربية لدولته. إن سمة النهب والسلب والسبي والبلطة في العرب وكل الذين ينتمون إلى هذا العرق الذي يسمى سامي. لأن نفس هذه الجرائم شاهدناها في عهد محمد والأمويين والعباسسين والدواعش أحفاد هؤلاء.

ثم ذكرها الملك (آشور ناصر بال الثاني) أن إسم ملكها أي ملك گرگاميش حينذاك كان إسمه “انگارا” كما ذكر (آشور ناصر بال) أنه أسكن بعض سكانها في كالخو. أما الملك الأشوري (شلمنصّر الثالث) فقد تحدث عن گرگاميش كثيراً في حولياته حيث ذكر أنه دمر 97 مدينة (قرية) من القرى التابعة لمدينة أي مملكة گرگاميش، ثم إحتلها عام 870 قبل الميلاد. كما ذكرها الملك “تيغلات فليصّر الثالث” عام 738 قبل الميلاد، ثم لم يعد يرد ذكرها في الحوليات الآشورية، حيث يبدو أن المدينة أصبحت مقاطعة آشورية بعد أن كانت عاصمة حثية وقد احتل الآشوريون معظم المدن التي كانت تتبع لمملكة گرگاميش مثل “گر باشيري”، و”دابيكو” و”نبيجّو” (منبج) التي كانت متحالفة مع گرگاميش و”بيترو” (الهوشرية) وعددآ من مدن الشمال.
مثلما ورد ذكر إسم مدينة “كرگاميش” في الوثائق الأشورية والبابلية وردت أيضآ في الحوليات المصرية القديمة منذ بداية الألف الثانية قبل الميلاد، وذلك في قائمة وجدت في موقع “سبار” ترجع إلى عهد (آمي صدوقا) حوالي (1900 قبل الميلاد). وقد غزاها الملك “تحتمس الثالث” في القرن الخامس عشر قبل الميلاد. ثم إستعادها “سبلولوماس” ملك الحثيين في عام 1340 قبل الميلاد. وبعد ذلك جاء ذكرها في قصائد الشاعر المصري القديم “بنتأور” الذي أشار إلى شعب “گرگاميش” المتحالف مع شعوب (أرفاد، حلب، گوزانا)، وشعوب هذه المدن كلها هورية وأرفاد/أرباد لا تبعد كثيرآ عن مدينة گرگاميش وهي تتوسط بينها وبين حلب، وكل هذه المناطق لليوم يقطنها الشعب الكردي بما فيهم أزاز والباب ومنبج، وكلها معآ، كانوا يشكلون جزءً لا يتجزأ من الدولة الحثية وقبلها الميتانية، وكانوا جزء أساسي من جيوش ملك الحثيين “حاتوسيل” الذي خاض معركة “قادش” الشهيرة ضد فرعون مصر “رمسيس الثاني”.
معنى كلمة الحوليات:
بالمختصر الحوليات أو التأريخ الحولي كما يحلو للبعض تسميتها، هي عبارة عن مؤلفات تاريخية تسجل الوقائع والأحداث بترتيب زمني دقيق حسب السنوات. وبكلام أخر هي إيراد الأحداث والوقائع التاريخية مرتبة بحسب السنين، هذا فقط للتوضيح. وباللغة الكردية نسميها (سالپرتوك)، وهي كلمة مركبة من مفردتين: الأولى (سال) وتعني السنة، والثانية (پرتوك) وتعني الكتاب أي كتاب السنة.
Sal + pirtûk ——> Salpirtûk
النقوش أو الحوليات الأشورية حول گرگاميش:
Neqşên Asûrî li ser Girgamêşê
نقوش “تيغلات فيلصر الأول”(1114-1077) قبل الميلاد.
النقش الأول:
————
(A.O.87.1)ترميزه:
الأسطر: 44-63
+ بعون الإله آشور سيدي، قدت عرباتي وجندي نحو الصحراء.
+ توجهت نحو الأخلامو (كور أرامايا) أعداء الإله آشور.
+ دحرتهم من حدود بلاد سوحي حتى مدينة كرگاميش بلد خاطي.
+ في يوم واحد ضربتهم وقتلتهم وأخذت أسلابهم وممتلكاتهم وجلبت ما لا يحصى منها.
+ بقية جندهم، فروا من مواجهة سلاح آشور سيدي.
+ عبروا نهر الفرات، فعبرت خلفهم على ضروف جلد الماعز.
+ وصلت لست مدن من مدنهم عند سفوح جبل البشري، هدمتها وبالنار أحرقتها وجلبت أسلابهم
وممتلكاتهم إلى مدينتي آشور.
النقش الثاني:
————
(A.O87.3)الترميز:
الأسطر: 26- 30.
يذكر حملته على بلاد خاطي – كرگاميش وملكها “إنّي تيشوب”:
+ بعد عودتي أصبحت سيد كل بلاد خاطي حتى بواديها.
+ وضعت عليهم الجزية، أعمدة خشب شجر الأرز.
+ كلّفت بها إني تيشوب ملك بلاد خاطي (كرگاميش).
+ عبرت نهر الفرات مرتين في سنة واحدة خلف الآراميين حتى أرض خاطي.
النقش الثالث:
————
(A.O.87.6) الترميز:
الأسطر: 34
يأتي على ذكر بلاد خاطي والملك “إني تيشوب” ملك كرگاميش ومطاردته للآراميين في عدة مواضع.
+ خلال عودتي إستلمت من “إنّي تيشوب” سيد بلاد خاطي أخشاب الأرز.
ويبدو أنه ألزمه بتأمينها وتأمين وصولها، كما يقول في السطر 34 وما بعده.
گرگاميش في عهد الملك سنگارا:
من النقوش الملكية الأشورية، علمنا أن الملك “سنگارا” ملك گرگاميش عاصر الملك “آشور ناصر بال الثاني”، والملك “شلمنصر الثالث” أعوام (858 – 824) قبل الميلاد. حيث ذكر الملك “آشور ناصر بال الثاني” في نقشه الأول: ” لقد توجهت إلى مدينة گرگاميش وإستلمت الجزية من ملكها “سانگارا” ملك بلد خاطي والتي كانت تحتوي على:

“20 تالان من الفضة، خاتم ذهب، اسوارة ذهبية، خنجراً ذهبياً، 100 تالان من البرونز، 250 تالان من الحديد، أنابيب برونز، أدوات برونز، إنبوب حمام برونزي، فرن برونزي، الكثير من أدوات قصره ولا يمكن تحديد وزنها. ومن الخشب عروشاً خشبية، صحون خشبية مطعمة بالعاج، 200 فتاة شابة، ثيابآ ملونة الحواف، صوفاً مصبوغاً بصباغ أحمر، صوف، ألباستر، عاج فيلة، عربة مطلية بالذهب، عربة ذهبية مع صباغ، أدوات تناسب عظمته، أخذت مع العربات، أدوات الفرسان ومتاع مدينة گرگاميش، كل ملوك البلاد نزلوا إلي وأطاعوا لي (خضعوا لي) ،أخذت منهم الأسرى، إحتفظ بهم في سجني في جبل لبنان). و يذكر “شلمنصر الثالث” معلومات هامة عن مدينة گرگاميش وعن ملكها ” سنگارا”، ويبين لنا أن گرگاميش كانت بلداً قوياً وغنياً، وهي غالباً ما كانت تنضم إلى أحلاف المدن الشامية لمواجهة الحملات الآشورية.
گرگاميش بعد عهد سنگارا:
بعد أن توفي الملك أو الحاكم “سنگارا”، الذي حكم گرگاميش مدة ثلاث عقود تظهر مدينة گرگاميش من جديد في الوثائق الآشورية ثانية في عهد ملكها “بيسريس”، الذي كان يدفع الجزية للملك الأشوري (لتغلات فيلصر الثالث) عام 738 قبل الميلاد، ومن أجل أن يحكم گرگاميش بشكل مستقل عن الدولة الآشورية، ولم ينضم “بيسريس” للحلف “الأرفادي – الأورارتي”، الذي تم هزيمته عام 743 قبل الميلاد، لأنه كان يريد السلامة، بعد ذلك حدث تغيراً جذري في السياسة الآشورية خلال عهد (تيغلات فيلصر الثالث) وباتت أكثر عدوانية وتوسعية، فلم تعد سياسة الحملات تنتهي بصراع محدود يعقبه دفع للجزية، بل أصبحت السياسة الآشورية تعتمد على ضم وإلحاق الممالك والمدن التي يغزونها بإلحاقها وضمها للإمبراطورية الآشورية، كي تصبح مقاطعات آشورية يحكمها موظفون آشوريون.
وجاءت الفرصة (لتيغلات فيلصر الثالث) حينما بدأت مملكة أرفاد (تل رفعت حاليآ) تشكل حلفاً مع “الأورارتيين” و”الجرجوميين”، فكان لا بد من صد هذا الخطر حيث عثر في حوليات (تيغلات فيلصر الثالث)، أنه خاض معركة في بلاد “كمّوخ” ضد هذا التحالف عام 763 قبل الميلاد، وكان “شمشي إيلو” (الترتانو) القائد العسكري في كار شلمنصر (تل برسيب)، هو من أفشل هذه التحالفات وهو الذي دحر الأورارتيين وكل المنافسيين. ويبدو أن ممالك والمدن الحثية قد تحولت إلى مقاطعات آشورية خلال هذه الفترة، وبقيت كذلك خلال عهد (شلمنصر الخامس) 726 – 722 قبل الميلاد، الذي قاد حملة واسعة على غرب الهلال الخصيب وحاصر صيدا وصور وعكا وأصبحت “شمأل” خلال عهده مقاطعة آشورية.
أما في عهد “سرگون الثاني” الذي غزا أراضي الدولة الحثية فإنه أنهى السلالة الحثية في گرگاميش وهزم “بسيريس” ودمر المدينة وهجر سكانها وملكها، وأحل فيها سكاناً آشوريين فتحولت إلى مدينة آشورية. أما الملك الآشوري سنحاريب 704-681 قبل الميلاد، فيذكر أنه إستخدم رجال “خاطي” في بناء السفن، كما يذكر أنه إستخدم بعضهم حينما بنى قصره في نينوى، وكان سنحاريب يخطط لتطوير الملاحة النهرية في الفرات، من خلال تكليف سكان گرگاميش المهجريين في گار أسرحدون. أما خلفه “آشور بانيبال” فقد ورث المنطقة عن والده في عداد ما ورث من مناطق واسعة تركها له والده وظلت گرگاميش في عهدة الآشوريين حتى العهد البابلي الجديد.
هنا لا بد لي أن أسجل ملاحظة: بقناعتي أي إنسان سليم العقل ويقرأ النصوص الأشورية التي نقشها الملوك الأشوريين بخط يدهم كلها، عن ما إرتكبوه من جرائم قتل وحشية وعمليات نهب وسلب وسبي بحق أسلاف الشعب الكردي من: سومريين، إيلاميين، ميدين، ميتانيين وحثيين، كافية لأن يقول:
“حسنآ فعل أسلاف الشعب الكردي بأن قضوا على هذه العصابة الدموية وأراحوا البشرية من جرائهم وشرورهم مرة وإلى الأبد. وبقيا عليهم أن ينهوا شرور العصابة الدموية التركية وإستعادة أراضيهم منهم، كي ترتاح المنطقة من شرورهم وقذارتهم وشرور الفرس معهم”. للعلم لم أورد كل النقوش لأني لم أرى ضروة لذلك، لأن الدراسة بالأساس تناقش هوية المدينة القومية، وليس حروبها ولا صراعتها مع بقية الدول والمالك.
گرگاميش خلال العهد البابلي الجديد والصراع المصري البابلي:
تعرضت مدينة گرگاميش لهجوم مصري كبير وجرت معركة حاسمة عام 605 قبل الميلاد على أرضها بين المصريين والبابليين، وكان ذلك في السنة الأخيرة من حكم “نابو بوبيلصّر” وإستطاع البابليون من دحر المصريين وطردهم من گرگاميش، ثم لاحقوهم وهزموهم ثانية في معركة حاسمة أخرى قرب مدينة (حماة) الحالية، أما “نبوخذ نصر” يذكر أنه قام بحملة على گرگاميش عام /599/ قبل الميلاد وعاد الكرة مرة أخرى في السنة العاشرة من حكمه، وخاض قتالآ ضاريآ مع الحثيين قبل أن يتوجه جنوبآ ويحاصر مدينة “أورشليم”. ثم تولى السيطرة على گرگاميش الفرس بقيادة “قمبيز” بعد سقوط بابل، الذي إحتل المنطقة في عهد داريوس الأول (521- 486)، قبل أن يجتاحها الإسكندر المقدوني ويهزم الإمبراطورية الفارسية، ويسلمها لخليفته سلوقس الأول.
نهاية الحلقة الثانية وإلى اللقاء في الحلقة الثالثة.
وشكرآ على وقتكم ونحن بإنتظار أرائكم وملاحظاتكم القيمة.
******************


تحية طيبة
الذي يجعلني أتشبث بالإسم الكوردي كًةر كًاميش (garr gameish) أن في شرق عين سفني في مجرى ماء كان كبيراً الآن نشف تقريباً , كانت بركة تسمى كةر كاميش, وطالما تقع المدينة الأثرية على مجرى نهر الفرات بات الأمر عندي مُؤكداً ولابد أن هناك كانت بحيرة للجواميس وإن حُرّفت الكلمات عبر اللغات غير الكوردية
البلدة كوردية دون شك لكن الحيثيين ليسوا كورداً كما قلت سابقاً