مشروع باروخ (شولى باروخى)‎‎ – بقلم خديجة مسعود كتاني 

تدور  أحداث ألكتاب حول حقبة ألأستعمار الانكليزي، يتألف من موضوعين أحدهما  مشروع باروخ ( شولى باروخى)  مؤلف درامي باللغة ألكردية٠  نهاية ألحكم ألعثماني وبداية ألأستعمار ألانكليزي في ألمنطقة، دونها ألكتاني عن لسان معاصري هذه الحقبة وهي وثيقة شفاهية من ألمعلومات عن أشخاص عاشوا ألزمن وأطلعوا على ألأحداث تخفي حقائق تأريخية هامة، مسرح ألاحداث منطقة عمادية بهدينان٠والجزء ألثاني بعنوان بهدينان وكردستان وألأيادي الغريبة في القرن التاسع عشر٠

أود أن اطلع القاريء ألكريم على الجزء الأول٠
دخل الأنكليز ألمنطقة في القرن الماضي لأهداف وتطلعات إستعمارية توسعية،
حيث أراد بذلك السيطرة على بعض دول ألشرق ألأوسط لأجل خيراتها ومواردها، فسعى للتعرف على طبيعة المنطقة  وحياتها ألأجتماعية، تأريخها، طبوغرافيتها و مواردها ونفذ خطته بذرائع تخفي نوايا لم تكن في ألحسبان٠ وكان ألعراق ضمن هذا ألتخطيط كونه بلد خيرات، تاريخ وتنوع حيوي تتدفق منه رائحة النفط. إضافة كونه طريقا ممهدا للهند الجنوبية الشرقية بسبب (شركة ألهند الشرقية الانكليزية) أكبر مستعمرة ومركز تجاري إنكليزي آنذاك٠
تسبب ذلك في صراع بين إنكلترا وفرنسا وألمانيا، وأحد أهم ألاسباب هي إنهيار الدولة العثمانية. طمعا بما تبقى من مخلفات إرث الحكم العثماني ألمقبور الذي تقاسمه إنكلترا فرنسا وايطاليا وتم إبعاد المانيا من الوليمة كونها ضمن حلفاء تركيا، هكذا أصبح العراق من حصة الانكليز٠

قام ألأستعمار ألإنكليزى ببناء ألهيكل ألاداري ألجديد للحكم في المنطقة، ووضع كبار المسؤولين وألأداريين في بغداد، وغيرهم في ألمدن ألأخرى والاقضية بما في ذلك كردستان٠
لم تستسغ أهالي المنطقة الخضوع للمستعمرين الدخلاء  فقامت أولى موجات المقاومة عام (١٩٢٠ ) ضد الانكليز في كافة أرجاء العراق منها منطقة العمادية، حيث تم قتل القائمقام ألأنكليزي ومساعده. وتم إفراغ مخازن المؤون والعتاد من (القشلة) ألمركز العام للادارة من قبل سكان ألمنطقة، وفر الثوار الى منطقة جزيرة بوطان ومكثوا مدة لاتقل عن ثلاثة سنوات هروبا من براثن الانكليز ورجعوا بعد صدور ألعفو عنهم٠
ثم انتقم الانكليز لتلك الثورة فتم قتل حاكم العمادية واعدم العشرات من أهل المنطقة، وأنشأ مخيم لجنوده في منطقة بيباد٠

ألف ألكتاني ألجزء الاول من كتابه (شولى باروخى) مشروع باروخ على شكل دراما (تراجيكوميدي) ويعني العمل الدرامي الذي يتضمن مأساة وبنفس الوقت لحظات مضحكة أي( شر ألبلية مايضحك )وقد تكون ذات نهاية سعيدة أو مأساوية حسب رأي ألكاتب٠ ويعني كذلك العمل الواقعي الذي يعكس ألحياة من خلال ألمشاعر وألأحاسيس وألأفكار أللتي تجسد بدورها صورة الأنسان ٠

ألفرق بين ألكوميديا وألتراجيديا
وهنا إذا كانت ألتراجيديا تتعمق في مشاعر ألأنسان وخاصة ألبائسة
فالكوميديا تنتقد وتسخر من ألأفراد وألأنظمة أو ألمجتمعات بطريقة مثيرة للضحك
تتعلق بالفعل وألفكر لتوجه خلال ذلك رسالة للمتلقين سواء الجمهور أو ألقراء٠

(الدراما)
شخصيات الانكليز كما ورد:
ثلاث شخصيات مع قائمقام دهوك و عمادية وحاكم الموصل من ألانكليز، القبعات تغطي رؤوسهم
ألتقى هؤلاء في منطقة (باروخ )غرب قرية بيباد ألمسيحية ألقريبة من ألوادي( الروبار) على صفحة سلسلة جبال متين  مقابل عمادية لتبادل أطراف الحديث ومناقشة مشروع بناء مطار في تلك المنطقة لتكون قاعدة إنطلاق وهبوط طائرات ألأنكليز وبناء أبنية ضمن مخيم الجيش في قرية بيباد ألقريبة من موقع باروخ.
لتسهيل العمليات ألعسكرية والتجارة كون المنطقة حلقة وصل بين الكثير من ألنقاط الاستراتيجية٠
شخصيات من منطقة عمادية
شوي و شليمون وجهاء وملاكين من قرية بيباد٠
تسعة الى عشرة رجال من قرى همزيك ،بليجانك، بوطيا، شريفا و بيباد، أسماءهم (خليل ،أحمد، سماهيل، موسى، جميل، بطرس،يوحنا و ئيشو) لجلب العمال من القرى ألمتاخمة للعمل في مشروع باروخ٠
(١٠٠) عامل تم إستدعائهم وجمعهم في المنطقة للعمل في عمليات الحفر بالكرك والفؤوس لتسوية الارض ألمتفق عليه، وحضر بعض شخصيات كبار السن من قرى مسلمة ومسيحية ،
بعد ألبحث مع أهل المنطقة أقترح ألأنكليز شراء محصول المنطقة واعطاءهم ثمنها كل عشرون سنة بشكل مضاعف، ومن يريد بيع أرضه سوف يقرر صاحب الارض الثمن وفق رغبته٠
ولكن شخصيات المنطقة وألمسؤولين طلبوا بحث الموضوع مع أصحاب الاراضي من ألملاكين وأهل القرى وتوصلوا لقرار يجزم عدم بيع ألاراضي و بيع ألمحصول وتم الموافقة على العمل فقط، لغاية توفير بعض المال و شراء أسلحة خفيفة  لحماية أنفسهم من  ألانكليز اذا اقتضى الأمر٠ أتفق شخصيات من الطرفين على أسلوب العمل في منطقة باروخ وبيباد٠ أثناء ذلك وزع الإنكليز الحلوى والنقود المعدنية على ألاطفال المجتمعين حولهم من ألمناطق ألقريبة، ألسجائر وألأدوية وخاصة حبوب ألملاريا على ألكبار لاستمالتهم.

وأراد ان يعبر بذلك عن نوايا طيبة ووعدهم  بفتح الطرق والمدارس وبناء المنطقة وحفر العيون ورفع المستوى المعاشي والصحي واقنعهم بأصلاحات جمة٠ وإنتقد ألدولة ألعثمانية ألتي أهملت حقوقهم وإنشغلت بمصالحها في ألمنطقة كما يقال ( كلما جاءت أمة لعنت أختها)٠ ورأى في ذلك أسلوب يمكنه ألتقرب إليهم بما تقتضي المصلحة، وبعث طريقة تعامل الانكليز على البهجة فإنهال اهل المنطقة البسطاء عليه بالمديح والامتنان ظنا انه المصلح المنتظر٠

وتم إرسال اللوازم من فؤوس، زنابيل، كرك ومراقبين لإدارة العمل وألتي وصلت بالخيول من مدينة الموصل لسوء الطرق والمواصلات كونها منطقة مهملة لم تحظى بالأهتمام، تم توزيع الأعمال بدءا  بنصب الخيم، تثبيت ألأوتاد، تسوية ألارض وبناء ألاسيجة٠ منهم من بدأ بأعمال ألحفر في منطقة باروخ لإنشاء ألمطار المقرر وذلك برفع التراكمات الترابية وتسويتها٠
تم تخصيص مهلة نصف ساعة  لصلاة الظهر والعصر للمسلمين والذهاب للكنيسة للمسيحيين ونصف ساعة لتناول وجبة الظهر ألتي جلبها  العمال معهم من البيت٠
وعند الانتهاء من العمل تم توزيع ألاجور كل عامل تقاضى (ربيا) واحدا (العملة الهندية) فقام البعض منهم بتغيير مكانه في صف ألأنتظار لاستلام ألاجرة بشكل مضاعف شكلا من أشكال ألتحايل ضنا منه أن الانكليز لم يلاحظ ذلك٠

في أليوم الثاني
حضر العمال من قراهم منذ الصباح الباكر للالتحاق بأعمال الحفر فطلب منهم رفع التربة الى مكان تم ألعمل فيه وتسويته في الأمس. رغم أمتناع العمال عن نقل التربة ثانية لمنطقة تم تسويتها
لكن منعهم المسؤول الإنكليزي من مناقشة ألموضوع ولم يأبه لرايهم. وهكذا تكررت الصورة وفي نهاية الاسبوع  بعد أن وزعت عليهم الاجور أعطي للذين لم يستلموا أجرة مضاعفة (ربيين) ومن تحايل واستلم أجرة مضاعفة (ربيا) واحدا فقط، أراد ألانكليز أن يوصل رسالة على أنه لايمكن أن يخدع. هكذا انتهى عملهم في المشروع  وتم إستدعاء (٥٠ ) عامل آخر لتشغيلهم في ألمشروع ذاته اي أراد بذلك أن يوهم الاهالي انه يوفر العمل لأهل المنطقة ودامت هذه الظروف حتى ظهور أحداث المقاومة ضد ألانكليز في كافة مناطق ألعراق عام (١٩٢٠). توقفت أعمال الحفر والتسوية في المشروع الوهمي لاقامة ألمطار ولم يوفي ألانكليز  بوعوده لسكان المنطقة واستغل بساطتهم وزجهم في العمل  لتشغيلهم عن علاقتهم ألروحية بأراضيهم سبل عيشهم والسيطرة على أفكارهم ليكونوا مقودين مسيرين وفق سياسة موضوعة تخدم ألاهداف الاستعمارية التوسعية٠

هذه ألصورة الحية توضح دوافع وثوب ألاستعمار على دول العالم الثالث التي تقف خلفها اسباب
أخرى، منها المذهب ألفردي الذي إنتشر في الدول الغربية وعزز قدرة أصحاب ألاموال الكبيرة السيطرة على مقاليد ألحكم. مع إزدهار ألصناعة وزيادة ألانتاج توفرت كميات هائلة من المنتجات أكثر مما تتحملها ألأسواق ألمحلية، فادار ألغرب وجهه تجاه العالم الثالث التي تتوفر فيها الاسواق بجانب ألمواد ألخام التي تحتاجها ألدول الصناعية٠
كل هذا ساهم في قيام عدد من الدول باستعمار الدول النامية لم تكن لها القدرة على حماية حدودها وثرواتها ولم تملك الفكر والحيل لتخليص نفسها٠ لذلك إستطاع الاستعمار أن يتخفى في الدخول لتلك الدول بأساليب ملتوية إما بذريعة حماية البلاد أو من خلال شركات أجنبية ثم إقناع تلك الدول بضرورة وجود حراس أشداء لحراسة تلك الشركات. بهذا الأسلوب أستطاع إدخال جنوده شيئا فشيئا
حتى كون جيشا أمكنه السيطرة على تلك البلدان وإن كان إرتباطه بذلك البلد وفق معاهدات وإتفاقيات٠

كانت الرغبة العميقة للأستعمار في حبك السيطرة على كل ألآليات ألتي يمكنها تثوير عقلية الواقعين في شباكه بتقويض مختلف مجالات ألتعبير، لطمس وسلب ألهوية التي تهدف إلى تعجيز الذات المحتلة عن معرفة نفسها وإدراك حجم قوتها.

بقلم خديجة مسعود كتاني