من المعيب وصف الشيخوخة بإنها نزولاً أو هبوطاً نحو القبر ، او تقرباً من ناصية الجهل بالامور ، أو إتجاهاً نحو مرض الخرف ( الزهايمر) ، بل هي الخبرة وحكمة التجربة ، وهي مواهب صقلتها التجارب وتوالي الأعوام وهي قناعات ضاعف الوقت رسوخها والتحديات مكّنت بروز الحاجة لإيجاد الحلول و إكتشاف الإختراعات .
لكن التقدم الحالي لم يأتِ إلينا بين ليلة وضحاها ، بل هي الجهود المضنية وسهر الليالي ومعاناة الأجيال التي سبقتنا فوضعت بصماتها على سلم التطور التي أوجدت الأسس التي بنت فوقه الأجيال اللاحقة .
ولكن لا يجدي نفعاً البكاء على الأطلال وأن نصبح اسرى الماضي مهما كان جميلاً ، فالجلوس على حافة النهر ، يجب أن لا يكون حافزاً للأسف على ما فات ، فالماضي يبقى كشذرات في الذاكرة الشخصية والمجتمعية .
أنا لا انكر شغفي بأغاني الزمن الجميل (أم كلثوم وفيروز وفريد الأطرش وصباح فخري ووديع الصافي وناظم الغزالي على سبيل المثال لا الحصر ) ، ولا اجد الطرب الاصيل لدى الجيل الجديد فهي كليبات إستعراضية لا تثير العواطف كما تفعل اغاني ايام زمان ، ولكن علي احترام نظرة الشباب إلى الطرب والموسيقى ، لأنهم جيل الإنترنيت والفيسبوك واليوتوب والواتس آب وغيرها من منصات التواصل ، ولكي لا يعتبروننا متخلفين وعقلية قديمة ، فالحياة المعاشة الآن غير الحياة التي عشناها نحن ، فالعالم يسير بخطى التقدم والتكنلوجيا قفزات متسارعة نحو آفاق رحبة ، كانت حلماً خيالياً جنونياً ولكنه تحقق الآن ونتوقع آفاقاً واعدة .
كنت دودة القراءة ، أقرا كلّ شيء تطاله يدي ومتوفر ، اعجبت بكتاب عرب واجانب وفلاسفة وافكار مفكرين ، والعالم يعج بمفكرين وكتاب وفلاسفة جدد ، هذه هي الحياة ، مدرسة رحبة نتعلم كل يوم شيئاً جديداً ولا مناص من ذلك في عالم لا ينام يتطلع على احداث الساعة وأحياناً نقلاً حياً لما يجري ، فنحن جيل محظوظ رأينا ما لم يراه اجدادنا وسيرى احفادنا ما لم يسعفنا العمر برؤيته ، فهذه هي الحياة وهذه دوّامتها ، وستبقى الشيخوخة سلالم معرفة نصعدها وليست نزولاً متخلفاً إلى الهاوية ، وإلى اللقاء .

