جِهاد الواثقين- سلام محمد العبودي

 

الجهاد ضد الظالمين والطغاة, يحتاج للثقة والإرادة الصلبة, وثقة بالنفس وعمل دؤوب مفعم بالأمل, لتحقيق الهدف وإسقاط حكم الظالمين, وهذا النوع من الجهاد لا يمتلكه, إلا مَن كان على بصيرة من أمره؛ مُتَحَلياً بالصبر وتحمل التضحيات.

حكم العراق حكامِ طُغاة عبر تأريخه, أجرموا واضطهدوا شعبه, وكان همه أن ينال حريته, في التعبير عما يرغب فيه, بعيداً عن الشعارات, والقوانين التي تُسن باسمه, مع أنهم يعلمون, أنه براءٌ منها؛ فهم لا يعملون إلا لمصالهم الخاصة, فهمهم الحكم والسيطرة, على البلد والتمتع بثرواته.

احتلالات من دول كبرى, لشعبٍ لا يملك أدنى مقومات الدفاع, ففي الحرب العالمية الأولى, تعرض العراق لاحتلالٍ بريطاني, بعد الاحتلال العثماني, تحت شعار تحرير العراق, وما أن دخل بغداد, حتى أعلن احتلاله, وبدلاً من الحرية, انتهك كل القيم الانسانية, وصار المحتل هو الآمر الناهي, فلم يكن العراق إلا مستعمرة, ضمن المستعمرات الكثيرة.

عام 1920 انتفض الفرات الأوسط, على إثرِ اعتقال الشيخ شعلان ابو الجون؛ لتتمكن عشيرته/ الظوالم/ من اقتحام السجن, وإطلاق سراحه رغم قوة الحماية البريطانية, فاستشاط الحاكم العسكري غضباً, وأرسل التعزيزات العسكرية, وحاصر مدينة النجف الأشرف, مهددا بتهديمها مالم تتوقف الانتفاضة الشعبية, ما جعل أهالي النجف بالاستعانة, بعلماء النجف لإصدار فتوى الجهاد, وفعلاً قامت المرجعية العليا, بإصدار فتوى الجهاد الكفائي, لتتحول الانتفاضة إلى ثورة عارمة, إنطلقت من النجف الأشرف, لتشارك بها أغلب القبائل العراقية, وانتصرت إرادة الشعب.

رُبَ سائِل يسأل, هل كان دور العلماء, في الحوزة العلمية, هو إصدار الفتاوى فقط؟ والجواب هو_ لقد جَنَّدت المرجعية العليا, عدداً من العلماء الكبار, إضافة لطلبة العلم الحوزوي, لينطلقوا لبعض المحافظات, في الفرات الأوسط والجنوب العراقي, وقد استشهد وجُرِحَ  منهم عَددٌ كبير, ليسطروا بدمائهم الزكية أعظم صور الشجاعة, وينيروا دروب الحرية بما زرعوه, من بطولة في نفوس الثائرين, من أولئك العلماء الذين شاركوا, منذ البداية بالتصدي للمستعمر البريطاني, السيد محسن الحكيم قدس سره, ومما جاء في سيرة حياته” كـان محسن الحكيم منذ شبابه, رافضا للظالمين وأعداء الدين، وقد شارك بنفسه, في التصدي للاحتلال البريطاني للعراق، حيث كان مسؤولا عن المجموعة المجاهدة, في منطقة الشعيبة في جنوب العراق، وكان يعلم بنوايا الاستعمار الخبيثة, عندما اِتخذ يتبع سياسة, فَرُّق تَسُد في العراق, وبذل الحكيم قصارى جهده, في سبيل جمع شمل المسلمين, من المذاهب المختلفة، عن طـريـق المشاركة, في كثير من الفعاليات, التي يقيمها أهل السنّة، مشجعا إياهم في الوقت نفسه, على حضور المناسبات التي يقيمها الشيعة”

تأريخ حكم العراق مليءٌ بالطغاة, كان آخرهم صدام حسين, وحزبه المجرم الذي عاث فساداً, واستهدف كبار العلماء المعارضين لسياسته, فقتل عدداً منهم, وكان أخطر بيت من بيوت الُعلماء؛ هو بيت آل الحكيم, فقد قام جلاوزته من رجال الأمن, بإلقاء القبض على عددٍ كبير, من تلك العائلة ذات التأريخ العريق, لتأريخها العلمي والجهادي, ذهب منهم أكثر من 60 عالم, وشابٍ وطفلٍ وامرأة, إلا أنَّ ذلك لم يثنيهم, عن الجهاد وقول الحق, في كل مَحفلٍ, إلى أن طفح الكَيل, بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران, فقد كان صدام وحزبه البغيض, أن يحدو علماء النجف, لإصدار فتوى الجهاد, ضد حكم الطغيان البعثي, فعمد لتصفياتٍ مكثفة, ما اضطر تلك العائلة للهجرة.

تبنى السيد محمد باقر الحكيم قدس سره؛ الجهاد المسلح إضافة للجهد السياسي, بزعامة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية, الذي كان له التأثير الكبير, بزعزعة الاستقرار للنظام البعثي, إضافة لترسيخ العلاقات, مع دول الجوار والمحافل الدولية, ونشر الوعي الثوري, من خلال اللقاءات مع الأسرى العراقيين, أثناء الحرب الصدامية, على الجمهورية الإسلامية في إيران, وما تبثه المعارضة العراقية, في بلاد المهجر إذاعياً, والصحف التي كانت تصدر, كان الأثر واضحاً, أثناء الانتفاضة الشعبانية عام 1991م, فما أن دخل المجاهدون, حتى هَبَّ الشرفاء من العراقيون, ليهزموا رجال الأمن, واختفى الرفاق من أعضاء حزب البعث, من البصرة إلى ما يقارب حدود بغداد؛ ولم يعودوا إلا بعد أن, أعطت أمريكا الضوء الأخضر, لصدام وأعوانه بإجهاض الانتفاضة, والسماح للطائرات المروحية, وكافة أنواع الأسلحة الثقيلة.

آتت جهود المعارضة أكُلها, فقد اتفقت على إسقاط, نظام البعث الصدامي, وتمت القناعة لدى دول التحالف, لتنفيذ ذلك عام 2002, لتشن الحرب بقيادة أمريكا, إلا أن ما طرحته القيادة الأمريكية, لم يلقى استحسان السيد محمد باقر الحكيم؛ بدخول الجيوش المتحالفة, بعدم مشاركة المعارضة المسلحة والسياسية, إلا بعد إسقاط النظام, وكان ذلك استشرافاً من الحكيم, للنتيجة التي اعتبرها إحتلالاً, فطرح أن يكون دخول معارضة الخارج, مباشرة وقبل سقوط بغداد, بيد جيش التحالف, الأمر الذي رفضته أمريكا, فكان أن أعلن الاحتلال, ليدخل بعض قيادات الأحزاب المعارضة, بحماية الجيش الأمريكي, إلا المجلس الأعلى الإسلامي حينها وفيلق بدر, الذي دخل مع زعيمه, السيد محمد باقر الحكيم, بعجلاتهم الخاصة وأسلحتهم الخفيفة.

كان دخول زعيم المقاومة الحكيم, يوم 10/5/2003 دخول القائد, وحضي باستقبالٍ حافل, من قبل جموع الشعب العراقي, منذ أول خطوة, وضعها على أرض الوطن, الَّذي فارقه 23 عاماً, تحت هتاف المستقبلين, والتي كانوا يرددون” وين الحاربك وينه, صدام النذل وينه” إلى أن وصل مدينة النجف الأشرف المًقدسة؛ فأقام أول صلاة للجمعة, ظهر يوم 30/5/2003, طارحاً عدة نُقاط منها, القضية الأمنية, قضية الاحتلال العسكري والموقف منها, فقدان النظام وعدم وجود دولة, تدير شؤون الناس, واحترام الأديان, مؤكداً على وحدة العراق.

بالرغم من حالة اليأس, لدى أغلب الشعب العرقي, بسقوط الطاغية وحزبه اللعين, إلا أن السيد محمد باقر الحكيم” قدس سره الشريف” كان مؤمناً أنَّ الخالق الجبار, لابد أن ينتقم يوماً, من ذلك الطاغية الأرعن, فثبت باعثاً الأمل لأتباعه, والشعب العراقي المًنتظر لعودته, إلا أن الأمل لم يكتمل تحقيقه, فقد اغتيل من قوى الشر, ليلقى ربه راضيا مرضياً.   

 

Ssalam599@yahoo.com