كنا نفتخر بثقافة مجتمعنا الكوردي أمام البشرية، طوال القرون الماضية، وبمفاهيمنا الحضارية، رغم سيادة الإسلام على الأديان الكوردية القديمة، والتخلف الاقتصادي، والضعف السياسي، وهشاشة الارتباط مع المجتمعات الأوروبية، أصبحنا اليوم نصمت عند المقارنة مع ثقافة الشعوب المجاورة.
فقد خسرنا الكثير من ثقافتنا، بعد انتشار الإنترنيت، والموجات الإسلامية الراديكالية، وأصبحنا ننتقل من تحت نير الاستعمار السياسي- العسكري، إلى الاستعمار الثقافي الإسلامي الراديكالي المرعب، والذي لم يكن بهذا الثقل منذ انتشاره بثقافته العربية بحد السيف أو عن قناعة كما يقال، والذي أدى إلى العشرات من الفرمانات بأمتنا، لكن شعبنا حافظ على أسسه الثقافية طوال القرون الماضية.
نلاحظ أن حرية النساء أصبحت مهددة في مجتمعنا وخاصة في العقد الأخير، والمجتمع بأجمعه يتجه نحو هاوية التخلف. ولم نعد ندرك أنه بدون صون المرأة لا حصانة للعائلة الكوردية، وإذا لم نحد من هذا التراجع الثقافي ليس فقط المرأة معرضة للخطر، بل المجتمع بأكمله.
علينا أن نتعلم من الحضارة قيمها نحو المرٍأة، والتي يحق فيه للفتيات ما يحق للشباب، من الدراسة إلى اللباس، إلى حرية الكلام، إلى العلاقات الاجتماعية، وهلمجرا.
في الوقت الذي كان يجب على أجيالنا الحاضرة والقادمة النهل من الحضارة والتطور الفكري، من خلال الإنترنيت، تشربوا موجات الفكر الإسلامي الراديكالي الداعشي، وأصبحوا رعايا منظمات الفكر الظلامي، واتبعوا مفاهيم القوى الإقليمية التي تنافس بعضها في نشر مذاهبها ضمن كوردستان، من الوهابية إلى الشيعية، ومن السنية التكفيرية إلى مفاهيم مرجعية ولاية الفقيه الإثنى عشرية. وكان الأولى التمسك، على الأقل، بالإسلام الصوفي الليبرالي وليس المتشدد، فقد كان فقهاء الكورد روادها.
من المؤسف القول بأنه لا فرق بين ما تم في مدينة السليمانية، وما يجري في أفغانستان تحت حكم الطلبان، أو ما كان يحدث في السودان وحيث جلد المرأة. والفرق أنه في السليمانية كان الجلد بالأيادي والأرجل في وضح النهار. وهي من نتائج بناء أكثر من خمسة ألاف مسجد، مقابل أقل من نصف العدد من المدارس والجامعات والمعاهد العلمية، خلال العقدين الأخيرين، ووجود أكثر من ثلاثة ألاف إمام جامع يحصلون على رواتب وينشرون الفكر الراديكالي الظلامي.
فما يحصل من الاعتداءات المتكررة على المرأة في الإقليم، وكانت أخرها ما نحن بصدده، وما حدث قبلها في هولير، هي من نتائج التغيير الكارثي في المفاهيم والقيم، والتراجع الثقافي المرعب. فما شاهدناه في الفيديو، جريمة بكل المقاييس، أي كان خطئ الفتاة، فالاعتداء عليها وهي دون السابعة عشرة من العمر، في وسط الشارع، بشكل جماعي، دلالة الجهل وهيمنة الثقافة التكفيرية، وضحالة الوعي الإنساني، وتقاعس الحراك السياسي-الثقافي.
المعتدون كانوا من الجيل الشاب، الذين يجب أن يكونوا أكثر وعيا وتقبلا لحرية المرأة، لكن وللأسف بينوا على أن منظمة داعش نجحت ثقافيا، في كوردستان كغيرها من المناطق، حتى ولو أنها خسرت عسكريا، والدليل ما يجري من الانتشار المرعب لثقافة الإسلام الراديكالي في الإقليم الفيدرالي الكوردستاني عامة، وفي مناطق حلبجة والسليمانية وهولير بشكل خاص.
انتشار هذه الثقافة هي من الأسباب التي أدت إلى زيادة لبس الحجاب بشكل غريب بين النساء الكورد، وهي غريبة عن المجتمع الكوردي. لا نود أن ندخل في نقاشات عقيمة حول اللباس الإسلامي، فجدلية الفقه فيه متضارب مثل غيرها من القضايا الدينية. وقد يقول البعض وماهي المشكلة فيما لو كانت للحرية حدود؛ تيمننا بثقافة الإسلام، مثل السعودية أو الدول الإسلامية الأخرى، فهل تدمر المجتمع هناك، وهل الحد من حرية المرأة، قضى على المجتمع، نقول، لا، لكن نصف المجتمع بدون رأي، ومثل هذه الحجج تصدر عادة من المجتمع الذكوري، فحتى لو وافقت عليها المرأة يكون حكمها كحكم العبيد أمام الأسياد، التبعية في القول.
أتذكر في الستينات والسبعينات وحتى نهاية القرن الماضي، كيف كانت أمهاتنا وأخواتنا، يلبسون اللباس الكوردي بحشمة ودون تكليف إسلامي راديكالي كما يتم اليوم، ونحن هنا لا نتحدث عن حكم العادة في اللباس، كغطاء الرأس للمرأة والرجل، وكانت على أنواع، من الغطاء العام بدون تكلف، إلى القبعة وغيره، بل عن فرض إسلامي مدعوم بفقه مطعون فيه، دون سند، والتي يعتبرونها تغطية لعورة المرأة.
نلاحظ أن هذه الثقافة تسود ضمن المخيمات الكوردية، بل وحتى بين اللواتي هاجرن إلى أوروبا، ونلاحظها في شوارع قامشلو وهولير والسليمانية، وحتى ضمن الكونفرانسات والمحاضرات السياسية أو الثقافية.
لسنا هنا بصدد الانتقاص من اللواتي يلبسنها قناعة لا أكراها ولا رهبة، بل من باب الحشمة وتقدير المجتمع الديني، واحترام تقاليد عائلات كوردية متدينة، بل نقولها للموجات التي رضخت رهبة غير مباشرة للموجة الثقافية التي نشرتها المنظمات التكفيرية، وتحولت إلى شبه ثقافة سائدة بين المجتمع الكوردي.
ثقافتنا الاجتماعية في خطر.
أتيت على ذكر الحجاب كمثال، لم يكن السبب في الاعتداء على الفتاة.
فتاة السليمانية، هي في حكم مهسا أميني، لكن في كوردستان.
المرأة – الحياة – الحرية
Jin – Jiyan – Azadî
نثمن ما قامت به إدارة بوليس السليمانية، بإلقاء القبض على بعض الشباب، ونتمنى أن يكون القصاص رادعا، لئلا تتم جرائم مشابهة، كالتي كانت تحدث في ساحة التحرير أثناء انتفاضة القاهرة. لكن يظل من واجب الإقليم دراسة الظواهر هذه، والقيام بندوات توعية، وحوارات ثقافية، والحد من نشر ثقافة الإسلام الراديكالي، ووضع أحكام قاسية دستورية، تحد من الاعتداءات وتصون حرية المرأة.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
3/1/2023م


تحية للكاتب الموقر وللقراء الكرام، وبعد.
محاولات إفساد المجتمع في كوردستان بشمالها وجنوبها ، غربها وشرقها ليس بالأمر الجديد، فقد كانت خطة العثمانيين وثم الصفويين وليس آخرا الإخوان المسلمين وأتباعهم هي تذويب الهوية القومية للأمة الكورية عن طريق الدين وذلك على يد تلاميذ من أبناء الكورد تخرجوا في تكيات العثمانيين و حسينيات الصفويين وزوايا أئمة السنة من الإخوان المسلمين.
ولكن الطامة الكبرى أن نسمح – ونحن أصجاب السلطة في الإقليم – بإنشاء دور حضانة ورياض أطفال ومدارس ومعاهد دينية تمولها جهات خارجية – نحن في غنى عن تسميتها – تدرس فيها مناهج بعيدة كل البعد عن أية إشارة إلى التربية الوطنية الكوردية، بل أساسها وهدفها غرس المفاهيم الإسلامية المجردة المتطرفة،وغسل أدمغة الجيل الفتي الناشئ في الإقليم بكل ما هو ينافي تاريخ وثقافة وآداب شعبنا بل لتصبح صورة كل ماهو كوردستاني اللون
غريبة عن النشئ الجديد في جنوب كوردستان خاصة.
إن المرء ليشعر بالمرارة عندما يرى ويشاهد ظاهرة إقتلاع الجيل الناشئ من جذوره الكوردية وزرع مفاهيم التطرف الديني الناكر لقوميته والتعصب الأخلاقي المتزمت الأعمى الذي يبرر العنف من أجل تعميم مفاهيم غريبة عن أخلاقنا وعاداتنا . كل هذا، وكأن تعامي السلطة المسؤولة عن مجريات الأحداث مقصود، وإفساح المجال لتواجد وتكاثر رياض الأطفال والمدارس والمعاهد والتكيات الموبوءة ولممارسة نشاطاتها المعادية لكل ما يمت للمجتمع الكوردستاني بصلة وكأنه أمر متفق عليه لتحقيق هدف مشترك ألا وهو تجهيل المواطن الكوردي وإشغاله عن الوعي القومي والإجتماعي.
وكلما، تعمق الإنسان في دراسة هذه الظاهرة كلما اكتشف المرء خطورة الحالة وازداد النفق ظلاما.
ولفهمكم كفاية.
صلاح رشفاني
كل الشكر عزيزي صلاح رشفاني على الإضافة القيمة، ونتمنى أن تنتبه الجهات المعنية إلى هذه الموجات الثقافية الكارثية قبل أن تتجاوز مرحلة عدم القدرة على الحد منها
كاك د.محمود عباس المحترم
تحية
أحسنت اختيار الموضوع وأبدعت في التعبير عنه كالمعتاد
للاطلاع ملاحظة في العبارة المدونة أدناه
” وفي مناطق حلبجة والسليمانية وهولير بشكل خاص.” غياب ذكر دهوك أو بادينان في المعادلة!
محمد توفيق علي
شكرا عزيزي محمد توفيق علي، على الملاحظة.
إقليمي كوردستان الجنوبي والشمالي بشكل عام يعاني ويتعرض للإجتياح الثقافي الغريب عن مجتمعنا، ذكرت تلك المناطق كإمثلة لأسباب، لا تعني أن كلية كوردستان محصنة من الهجوم الثقافي المخطط. قبل سنوات كتبت عدةمقالات في هذه الإشكالية الخطيرة. وقدمت حوارات حولها.
با استاذ الكريم. كل ما حضرتك تفضلت به و هذا السبب من وراء الذينة يسمون أنفسهم قادة و احزاب الكورد و هم سبب في كل ما يحصل بكورد و كوردستان . و هل هناك توعية القومية و هل القادة الكورد و احزاب يهتمون بتراث و التاريخ الكورد و كوردستان و ال جواب كلا. و هل القادة الكورد و احزاب الكورد اذا كانو علمانيين أو سلامين أو ديمقراطية أو غير هم و هل هم يناضلون من أجل استقلال كوردستان و هل هل يوجد روح القومية و الوطني في قلوبهم . فالجواب كلا . فكهم اولاد قحبتي و يجب أن يتغيرو و نحنا الشعب الكوردي ينقصونا قائد وطني و ثوري .
التيار الاسلامى المتشددوالمتعصب اليوم فى الاقليم يشكل اكبر خطر على النشأ الجديد والاجيال القادمة ويجب على حكومة الاقليم ان تنتبه الى هذه المسألة وتعالج هذا الموضوع بجدية وقبل فوات الاوان