عندما ارادت امريكا احتلال العراق أوهمت العراقيين أنها ستجلب لهم نظام جديد يسوده الأمن والديموقراطية وتخليصهم من ويلات المعتقلات وزنازين السجون.
ولم يكن لدى العراقيين سوى الترحيب بهذه الدعوات فعندما حط أول جندي امريكي أسوار بغداد سارع العراقيين الى هدم تمثال صدام حسين وسط العاصمة بغداد فرحين بخلاصهم من نظام صدام حسين الذي حكمهم بالنار والحديد لأكثر من ثلاث عقود وواجه خلالهن الحروب العبثية والسياسات الطائشة والعقوبات الأممية وغيرهن من أومور اذا ذكرتهن احتاج الى كتاب من الف صفحة.
فرحو العراقيين وهلهلو طربا لخلاصهم من النظام القديم وترحيبا بالديمقراطية التي جلبتها لهم امريكا. هللو ما معناه زغرطا بالفصحة. لكن هذه الأفراح لم تدم طويلًا عندما شاهدو الوجوه الجديدة التي ستحكمهم وهي متخاصمة في ما بينها وكل سياسي يفكر في طائفته ومصالحه الشخصية حيث تغلغلت السياسات الطائفية والفساد الذي يدعمها في كافة جوانب المجتمع والحياة العراقية.
وبعد التغيير السياسي وفي ظل حكم سلطة الائتلاف المؤقتة والحكومات المتعاقبة والى الوقت الحاضر شهد العراق تزايد لظاهرة بارزة وهي ظاهرة عدم الاستقرار السياسي
وعلى الرغم من أن النظام السياسي العراقي بعد 2003، اتخذ من الشراكة السياسية منهجاً للحكم من اجل القضاء على صراع السلطة السياسية الذي طبع تاريخ الدولة العراقية منذ تأسيسها عام 1921 الى الآن، إلا أن هذا الصراع استمر واتخذ أعلى مراحله ومستوياته وحول الشراكة السياسية الى ما يشبه شراكة الانداد، القائمة على التضاد والتناقض بين تقاسم السلطة في اوسع حالاته والمعارضة بكل اشكالها وأدواتها.
الصراع السياسي في العراق ينفتح على ابعاد تأريجية بما يفرض البحث في جذورها واسبابها التي خلقت تراكمات سياسية يتم التعبير عنها سياسياً وايدولوجياَ بوصفها مبررات سلوك سياسي آني معين . هكذا هو البحث في الموضوعه العراقية ،وتأخذ اشكالا جدلية اكثر عند البحث في النظام السياسي والديمقراطية التوافقية بعد عام 2003م ،بوصفه نظاماَ سياسياَ مازال في طور الصيرورة والتكوين ،و من ثم فأن البحث في ماهيته لم تأخذ صورتها النهائية و يصبح مجازفة اكاديمية ،فبأي مفهوم اكاديمي سيتم تأطير النظام السياسي ،وعلى اي أنموذج ستطبق الديمقراطية أنها اشكاليات مفاهيمية اولية لابد من التعامل معها للوصول الى منطق جامع لكل الجوانب التفكيكية للنظام السياسي العراقي والاجزاء المتعددة والمكونة لها . يبقى ان نقول ،ان البحث في النظام السياسي والديمقراطية التوافقية في العراق بعد العام 2003م ،والاشكاليات التي افرزتها في التطبيق ،بالرغم من كل محاذيره تبقى ضرورة ملحة ،فهو قد يكون ريادة لمجال أكاديمي في طور التشكيل.
وفي مطلع شهر تشرين الأول/أكتوبر عام 2019، اتخذت الحركة المدنية والاحتجاجية في العراق منحى خطيراً بعد أن كانت تستجمع قواها منذ عام 2015 على أقل تقدير، فقد طالب الآلاف من الشباب العراقيين من كافة أرجاء البلاد بإصلاح الحكومة العراقية، وإنهاء النظام العرقي الطائفي، واجتثاث شأفة الفساد الذي جلبه في طياته، وتحسين الخدمات، واستشراف آفاق اقتصادية أفضل لكل العراقيين. استمرت احتجاجات أكتوبر -كما يُطلق عليها شعبياً- حتى شهر آذار/مارس 2020 رغم الأساليب القمعية للحكومة العراقية وعمليات الخطف والتعذيب، فضلاً عن المحاولات العديدة لأطراف خارجية ومحلية لإحباط حركتهم.

