صراع العلمانية ورجال الدين- كامل سلمان

لماذا هذا العداء للعلمانية من جانب رجال الدين مع العلم أن العلمانية هدفها تحرير عقل الإنسان وكيان الإنسان ويشمل ذلك التحرر رجال الدين أنفسهم من أنفسهم دون المساس بالدين؟ قديماً كان العلمانيون لا يذكرون مفردة رجال الدين في نقدهم لرجال الدين فكانوا يستخدمون مفردة الكنيسة بالنسبة للمسيحين والعمامة بالنسبة للمسلمين ، مفهوم الصراع بين رجال الدين والعلمانية أنحصر في أوربا والشرق الأوسط ، وبما أن هاتين المنطقتين يهيمن عليها الدين المسيحي في اوربا والدين الإسلامي في الشرق الأوسط ، فمن هنا انطلقت وتطورت مفاهيم العلمانية في قيادة الحياة والتخلص من مخالب رجال الدين وعنفهم ضد الإنسان ، ومن هنا بدأ الصراع الحقيقي من أجل عقل الإنسان لبناء الإنسان وبناء الدولة المدنية التي تحترم الجميع وتحرر الجميع ، لمئات السنين كان شعار رجال الدين في الحكم وقيادة البلدان هو ( الأرض لله والدين للجميع ) ، فمفهوم الأوطان ومحبة الأوطان كانت ضعيفة لأن معنى الارض لله لا تستوجب التضحية من اجل الأوطان أو بناء عقيدة الولاء للأوطان ، والتضحية يجب أن تكون فقط من أجل الدين ومن اجل الله ، لكن بعد صعود نجم العلمانية وتأسيس الدولة المدنية خلال القرون الثلاثة الأخيرة ، قام العلمانيون بإلغاء شعار رجال الدين السائد الذي استمر لمئات السنين فوضعوا الشعار البديل وهو ( الدين لله والوطن للجميع ) ونجح هذا الشعار نجاحاً كبيراً في المجتمعات التي أسست الدولة المدنية ، وسر نجاح العلمانيون في تلك المجتمعات هو أنهم لم يكتفوا بتأسيس الدولة المدنية التي تعزل الدين عن الدولة وتمنح حرية الفكر والتفكير للناس بل عملوا على وضع الاسس والقواعد بضمانة عدم عودة رجال الدين للسلطة وعدم عودة شعار الارض لله والدين للجميع وعدم السماح لأي فكر شمولي التحكم بالمجتمعات المدنية ، فهنا أحيا هذا الشعار الجديد حب الأوطان والعمل من أجل الأوطان والدفاع عن الأوطان وإلغاء الكراهية ضد الأخرين ، ولأول مرة في التأريخ الإنساني يشعر هذا الكائن الراقي العاقل بأن عقله ملك لنفسه ، فأصبحت هناك حركة وتطور وتنافس بين شعوب جميع البلدان نقلت حياة الناس إلى أرقى المستويات خلال عقود معدودة ( هل لاحظتم بأن التطور ما كان أن يحصل إلا بعد عزل الدين عن الحياة ، لملايين السنين كان هذا الإنسان يعيش على الأرض لم يتطور ولكن بمجرد ظهور الدولة العلمانية قفز قفزة رهيبة وكأن المانع للتطور قد تمت إزالته ) ، لكن في المجتمعات التي لم تتعلم كيفية بناء نفسها لم تضع ضمانات لعدم عودة رجال الدين للحكم وأكتفت فقط في دولة مدنية شكلية غير متكاملة لخلوها من الضوابط التي تقود الدولة المدنية بسبب وجود مخلفات الماضي المتخلف الراسخ في عقول الناس ، فبعد عشرات السنين من قيام الدولة المدنية الهشة ، استطاع رجال الدين في هذه البلدان الضعيفة مدنياً من استغلال هذه الهفوة و العودة إلى الظهور ثانية وقيادة شؤون البلدان من جديد ليقضوا على ملامح الدولة المدنية الفتية و ليشوهوا صورتها بأنها دولة الكفر والإلحاد والفساد في الأرض ، فبعد نجاح رجال الدين في العودة إلى الظهور وقيادة البلدان عمدوا هذه المرة إلى الإستغناء عن شعار اسلافهم ( الارض لله والدين للجميع ) رفضوا رفع هذا الشعار الذي اعتبروه شعاراً فاشلاً مذلاً ، والدليل على فشله هو هزيمته وعدم صموده أمام العلمانيين الكفرة ، فكانت المفاجأة أن يكون شعارهم الجديد هذه المرة ( الدين للناس والوطن وخيرات الوطن لهم ) أي تحت سلطتهم بمعنى أن حصة الله صفر ( خارج قوس ) حاله حال العباد المحرومين ، يبدو أنهم تعلموا كثيراً من تجارب اسلافهم ، فبشعارهم الجديد سجلوا نجاحات ملفتة ، فلم يكن يتوقع أحد من الناس بأن رجال الدين مصيبين في شعارهم الجديد في تثبيت أركان حكمهم ( السيطرة على المال هي السيطرة على رقاب الناس ) وصلت إلى حد أن يجعلوا الناس عبيداً لهم ويجعلون من أنفسهم أرباباً للناس من دون الله ، أي أن الناس ليست لهم حاجة لله بعد اليوم فالأموال والثروات بيد رجال الدين وكذلك كانت الجنة والنار بيدهم من قبل فأكتملت متطلبات الدنيا والآخرة كما يعبر عنه العراقيون ( كرسته وعمل )، فبما أن الارض لرجال الدين بذلك حلوا محل الله الذي خذلهم من قبل فعاقبوا الله اشد العقاب عندما أفلسوه من حصته في الارض وخيرات الارض وأفلسوه من احترام العباد له لأن حتى الجنة والنار في الأخرة خرجت من يد الله وأصبحت بيدهم يتصرفون بها كيفما يشاءون وكأنهم يقولون للرب هذا جزاء من نصر العلمانيين الكفرة علينا نحن رجال الدين . نعم بكل بساطة هذا هو مستوى عقول هؤلاء الملتحفين بالدين وهذا هو تفسير نتائج أفعالهم ، وعندما أتفحص معطيات الواقع لا أخلص لنتيجة غير هذه النتيجة . ولأجل ان لا يقعوا بنفس الخطأ السابق عمل رجال الدين الجدد على معاقبة الله بعزله عن الحياة وعملوا على معاقبة الناس بتحويلهم إلى عبيد لهم ولكن مشكلتهم كيف السبيل لمعاقبة العلمانيين الذين أتخذوا من العلم منهاجاً لبناء الحياة ، وكيفية إزاحتهم نهائياً عن طريق الدولة الدينية ؟ هنا قاموا بتأسيس المليشيات المسلحة العقائدية القوية المدعومة وجعلوا لهذه المليشيات السلطة والقرار على جميع فروع قوى الأمن الداخلي والجيش ثم عمدوا إلى خلق الفتن والحروب للأيقاع بالعلمانيين في فخ القتل والاقتتال لتشويه صورتهم الإنسانية امام الناس وادعوا بأن العلمانيين هم اعداء للدين وهم سبب الفتن وتخريب البلدان . . مخططاتهم تلك ظاهرياً توحي بإنها تسير من نجاح إلى نجاح ، فهل ستستمر نجاحاتهم أم انهم واهمون ؟ هل سيستطيعون اثبات بأن العلم خرافة وأن خرافتهم هي العلم ؟ هذا ما يسعون لإثباته . هنالك حقيقة نسيها رجال الدين وهو أن اسلافهم كانوا أشد دهاءاً وذكاءاً منهم ، ولم يكن اسلافهم على غباء حين أسسوا دولاً وإمبراطوريات تمتد من مشارق الأرض لمغاربها ، ولم يدركوا بعد بان ظهور العلمانيين وقيادتهم للمجتمعات كانت حتمية تأريخية فرضها الواقع وحاجة الإنسان ، فالوقوف ضد حركة الحياة وحتميتها مراهنة فاشلة ، وكل مافي الأمر قليلاً من التأخير ومزيداً من القتل والدماء ثم تعود حركة الحياة إلى طبيعتها ، هذه الغفلة التي يعيشها رجال الدين كانت موجودة منذ القدم حتى من قبل ان تتأسس الدولة الدينية ولكن سر نجاح الدولة الدينية في السابق هو أن الدين نفسه جاء كحتمية لحركة الحياة في مرحلة زمنية مهمة وكانت العلوم والمعارف وقتها بدائية فسمحت بصعود رجال الدين لقيادة المجتمعات . العلمانيون لا يكنون العداء للدين لأن الدين اساساً هو تراث إنساني رائع جاء رحمة للعالمين وأنتهى دوره التأريخي في قيادة المجتمع ولكن العداء يتجه لرجال الدين الطامحين بالسلطة الذين يحاولون إيقاف عجلة الحياة التي كتب لها الرب أن تتطور ، والدليل هو أن الدين مازالت طقوسه متداولة بين الناس وبكامل الحرية ويمنع المساس بها في ظل الدولة العلمانية . الصراع بين العلمانيين وبين رجال الدين المتطلعين للسلطة هو جزء من الصراع الإنساني القديم الجديد بين الخير والشر التي أقرتها الشرائع الدينية جميعها ، لكن ما يريده رجال الدين هو الإيحاء إلى الناس بأنهم يمثلون جانب الخير وهذا يتناقض مع الواقع لأن أساس الخير هو ما ينفع الناس ، وكلنا نعلم أن ما ينفع الناس هو العلم الذي ينادي به العلمانيون ويسعون في إيصاله إلى الجميع بدون استثناء . فالصراع مهما طال ومهما تعقدت الأمور فبالنهاية ستكون العلمانية هي التي تقود الحياة وتقضي على كل منابع الشر في العالم التي اساسها رجال الدين المناهضين لمبادىء الدين والإنسانية والراغبين في التسلط على رقاب الشعوب .

2 Comments on “صراع العلمانية ورجال الدين- كامل سلمان”

  1. تحياتي لك يا اخي الكريم. الدين هي تجارة و أغبياء يصدقون الكذبات رجال الدين. و اسم الله صار عنوان الكذب و هذا شي مؤسف. هنا عندما احدما يذهب إلى الكنيسة يترحبون بة و اذا هذب إلى مسجد ينظرون الي بعيون الحقد. و الكنيسة يطعم ألناس و لكن مسجد يجوع الناس. و الكنيسة يساعد ألناس و لكن مسجد ياخذ من ألناس. و الكنيسة يعلم ألناس . و المسجد يعلم ألناس على تخلف و جهل . و الكنيسة يعلم ألناس على المحبه و تسامح. و والمسجد يعلم ألناس على كراهية و الحقد . و في الكنيسة الناس يحس بأمان و سلام . و في المسجد لا امان ولا سلام. و انا لا احقد على احد و لكن هذا الحقيقة

    1. تحية للأخ Marvin
      شكراً لمتابعاتك ومشاركاتك ونقدك الدائم ، انما يدل ذلك على حرصك واهتمامك بكل ما يحيط بنا ، كل التقدير والاحترام

Comments are closed.