كار الطبقة الحاكمةوسياسيوا الغركة في العراق السرقة والاختلاس والفسق‎- جسار صالح المفتي 

بدأت السرقات في العراق بثمانية مليارات دولار ويدور الحديث حاليا عن سرقة ما يزيد عن ثلاثمائة واثني عشر مليار دولار حتى العام 2014، ويبدو أن الاحصائيات عن حجم السرقات في عهد الحكومة الحالية ما زالت في طور الاعداد.

قبل سرقة المليارات الثمانية من الدولارات التي تردد الحديث عنها في العراق بعد أن نشرت بعض تفاصيلها صحيفة الواشنطن بوست الأميركية اواخر العام 2003 ، أول سرقات دارت الاحاديث عنها وكانت صادمة للكثيرين تلك التي قام بها الضباط والجنود الأميركيون خلال عمليات الدهم والتفتيش ضد العراقيين، فكانت القصص كثيرة عن سرقة جنود الاحتلال الأميركي للمبالغ والذهب والمجوهرات.

 ومنذ ذلك الوقت وثقافة السرقة واللصوصية اخذت بالانتشار بين الأميركيين والبريطانيين في العراق، واول من أسس لسرقة المال العام سيّد العملية السياسية الأول “بول بريمر” الذي تم تعيينه الحاكم المدني للعراق وممثل الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، وبعد اختفاء المليارات الثمانية من الدولارات في العراق وهذا مبلغ ضخم جدا ، بدأت الشبهات تحوم حول مسؤول كبير في سلطة الاحتلال وقبل أن تمضي فترة طويلة تم فضّح السارق في وسائل الإعلام الأميركية وتبين أنه بريمر نفسه دون غيره، ولم تتم محاسبته على الاطلاق ما يؤكد اعطاء اجازة واسعة للجميع ليمارسوا السرقة سيرا على طريق سيدّهم الكبير بريمر، وهذا ما سار عليه جميع رؤساء الحكومات اللاحقة والسياسيين والبرلمانيين والموظفين الحكوميين الصغار والكبار وما زالوا يسرقون بامتياز وفي وضح النهار.

في العام 2011 تحدث رئيس البرلمان العراقي عن اختفاء خمسين مليار دولار، وتوقف الكثيرون عند هذا الرقم الكبير وبدأت الاوساط العراقية تتداول القصة، لكن الشخص زار واشنطن وبعدها اغلق فمه ونسي الناس قصة سرقة الخمسين مليار دولار.

لم تتوقف الشخصيات المخلصة للعراق والقوى المناهضة للعملية السياسية البائسة عن الحديث والكشف والتنبيه بحجم الجرائم التي ترتكب بحق العراقيين، وبدون شك فإن الكثيرين قد لا يتوقفون طويلا عند تلك التحذيرات وما كشفناه من جرائم خطيرة طيلة السنوات العجاف المؤلمة، لكن اصبحت الأمور الان واضحة ولا تحتاج إلى أدلة ووثائق، فهذا عضو في النزاهة البرلمانية يقول في الفضائيات “جميع السياسيين والمسؤولين سرّاق ولصوص ولا يستثني نفسه”، وهذا ما يُسمى بوزير الدفاع يظهر في ما يٌسمى البرلمان ويذكر بالأسماء من كبار المسؤولين والبرلمانيين كاشفا عن سرقات بملايين الدولارات، وذاك وزير يسرق مليارات ويتم تهريبه خارج العراق.

ويتحدث برلمانيون من المسؤولين عن الملف المالي في العراق وعبر لقاءات في الفضائيات عن سرقة (312) مليار دولار، بل قالت اثنتان من البرلمانيات في الفضائيات إن هذا المبلغ يمثل الحد الادنى أما المبالغ التي تمت سرقتها منذ العام 2004 حتى العام 2014 فقد تجاوزت هذا المبلغ بكثير.

 

على وزن مقولة أكذب أكذب حتى يصدقك الناس، يمكن القول أسرق.. أسرق حتى يبرئك القضاء ورئيس الوزراء في العراق. فلم تعد القيم الاجتماعية وحدها ضحية في العراق الجديد، حيث بات السارق هو مغتنم الفرصة الذي ينطبق عليه القول، قد فاز باللذات من كان جسورا، فتحتفي به قبيلته كأحد أبنائها البررة. وتدافع عنه دفاعا مستميتا إن تجرأ أحد وأطلق عليه صفة اللص، بل إن البنود القانونية التي تنظم العلاقات بين الناس، أصبحت هي الأخرى ضحية الوضع الشاذ في البلاد، وأصبح من يسرق أموال الدولة والشعب مكفول الحرية بسلطة القانون والسلطة التنفيذية، يسقطان عنه جريمة السرقة إن أعاد الأموال المسروقة جزءا منها أو كلها. وهذا ما حدث في العراق الجديد قبل أسبوعين تقريبا.

فقد ظهرت إلى العلن حادثة سرقة أموال تقارب الثلاثة مليارات دولار في شهر أكتوبر/ تشرين الأول المنصرم، كانت قد أودعتها شركات أجنبية في البنوك العراقية، كأمانات ضريبية وفق القانون لضمان حسن التنفيذ والإنجاز. وقد استغل بعض المحسوبين على السلطة عدم وجود حركة في هذا الحساب البنكي، وتعاونوا مع مسؤولين في هيئة الضرائب، وفي الدوائر الرقابية المختصة، لاقتسام المبلغ في ما بينهم، وتم تهريب جزء منه إلى خارج البلاد.

وقد أخذ هذا الحدث مساحة واسعة في الإعلام المحلي والدولي، وتناوله الكثير من القنوات بالتقرير والتحليل، لكن المفاجأة في هذا الموضوع جاءت في الأسبوع الماضي، فقد ظهر رئيس الوزراء العراقي في كلمة إلى الشعب، وعلى يمينه وشماله أكداس من العملة العراقية الورقية، زافاً بشرى الاتفاق الذي حصل بين السلطتين القضائية والتنفيذية من جهة، والمتهم الرئيسي في عملية السرقة. والاتفاق يقضي بإطلاق سراح اللص كي يتمكن من بيع العقارات التي اشتراها بالمبلغ المسروق، وتسليم ما لديه من أموال غير منقولة في الوقت الحاضر، ظهرت إلى جانب رئيس الوزراء، لكن السؤال الأهم هو ماذا بعد الاتفاق؟ يقول الخبراء القانونيون، إنه حسب أصول المحاكمات الجزائية، ووفق صلاحية قاضي التحقيق، يجوز إطلاق سراح اللصوص بكفالة ضامنة شرط تسليم جميع المبالغ المسروقة، لكن هذا لا يعني في أي حال من الأحوال إسقاط جريمة السرقة، وإيقاف الإجراءات القانونية بحق السارق، لأن في ذلك إضرارا بالمصلحة العامة التي يجب أن تتقدم على أي مصلحة أخرى، لكن ما حصل في جرائم مشابهة ينفي هذه الإجراءات جملة وتفصيلا، ويضع احتمالا كبيرا بأن اللص سوف يتم إسقاط كل التهم عنه، ويعود إلى عمله ونشاطاته حرا مُعافى. ومبعث هذا التشكيك المجتمعي هو أن اليقين الذي كان الناس يعتصمون به، من أن جهات إنفاذ القانون قادرة على التفلت من تدخلات السلطة، قد ذهب إلى غير رجعة. لقد بات التخفيف القانوني والتحويل من مادة قانونية إلى أخرى هي السمة البارزة اليوم. والأمثلة على ذلك كثيرة، منها أن وزير التجارة الأسبق أُتهم بسرقة مليار دولار من مبالغ الحصة التموينية، وصدرت بحقه مذكرة توقيف وجلب بواسطة الإنتربول الدولي. لكن عندما تم إلقاء القبض عليه في بيروت وجلبه إلى بغداد للتحقيق والمحاكمة، لم يعد أحد يسمع بما حصل ضده من إجراءات، ليتبين في ما بعد أنه عاد إلى بريطانيا حيث يقيم. نائب سابق في البرلمان سرق مبالغ مالية بملايين الدولارات، لكن تم إطلاق سراحه، لان حداثة سنه دخلت كمادة مُخففة للحكم. وآخر فعل الجريمة نفسها وأُطلق سراحه لكبر سنه. وثالثة لم تسجن لأنها زوجة داعية كبير من أعضاء حزب الدعوة، إذن بات العراقيون اليوم أمام شخصيات مُصفّحة لا يمكن المساس بها، ولا ينطبق عليها القانون، وإذا ما فاحت رائحتهم النتنة بشكل سافر، فإن المواد الدستورية والقانونية والتشريعية يمكن مطّها كي تستوعب جرائمهم، من دون أن تسقط عليهم فتدميهم أو تقتص منهم، فهل نجح رئيس الوزراء في استعراضه الأخير؟

 

    وجود اللص في السجن له معان كثيرة، منها أن السلطة قادرة على تطبيق القانون، ووجوده في السجن يعطي مثالا رادعا لكل من تسوّل له نفسه سلوك الطريق ذاته

 

يبدو أن رئيس الوزراء الذي استعصى وصوله إلى المنصب عاما كاملا، قد أستأجر شركة علاقات عامة فاشلة لتحسين صورته، أو أن مستشاريه قد غرروا به فسقط في محاولتين الأولى، عندما ذهب يتفقد الخدمات المُقدّمة للمرضى في أحد مستشفيات بغداد، فأعطى فكرة أنه يحاول الضحك على شعبه، من خلال اصطناع الغضب من القائمين على المستشفى، وإظهار شخصه على أنه قادم للتغيير الجذري، حينها تساءل العراقيون، هل حقا أن الرجل لا يعلم بحال المستشفيات في العراق، وهو ابن الطبقة السياسية التي دمرت كل شيء، ولم تقدم أي شيء خلال عشرين عاما؟ أم أن الزيارة كان يبغي من ورائها استثمارا سياسيا بأوجاع الناس؟ والحالة الثانية هي القضية الآنية، التي ظهر فيها محاطا بأكوام المبالغ النقدية الورقية، للتدليل على أنه قاد غزوة كبرى، أسفرت عن إرجاع أموال العراقيين، فتساءل الناس أيضا، وماذا عن حيتان الفساد وسُرّاق المليارات الذين أتوا به إلى المنصب؟ أليس الأجدر به أن يأتي بزعيم العصابة وبقية الأفراد تباعا؟ أم أنه ذهب إلى الحواشي دون الأصول؟

وإمعانا في محاولته عكس الوعي لدى الناس، ذهب رئيس الوزراء للتثقيف بأن استرداد المبلغ حتى لو كان جزءا ضئيلا منه، كما رأينا، هو الأهم ومتسائلا «ماذا يعني لنا أن سين أو صاد موجود في السجن وثلاثة ترليون و754 مليار دينار عراقي خارج خزينة الدولة؟». وقد يكون هذا القول قابلا للصحة عندما يكون السارق والأموال خارج البلاد، فيتم العفو عنه، أو تخفيف الحكم الصادر بحقه شرط إعادته الأموال المسروقة إلى البلاد، لتقليل الخسائر والجهود التي يجب أن تبذل في سبيل إلقاء القبض عليه، بالتنسيق مع الدول الأخرى، لكن عندما يكون اللص في قبضة السلطة، والأموال قام بتحويلها إلى عقارات يمكن للدولة التصرف بها، كما هي في الحالة التي أعلن عنها رئيس الوزراء، فإن وجود اللص في السجن تصبح له معاني كثيرة، منها أن السلطة قادرة وحريصة على تطبيق القانون، وكذلك وجود المجرم في السجن يعطي مثالا رادعا لكل من تسوّل له نفسه سلوك الطريق نفسه. لقد سقط رئيس الوزراء العراقي في الوهم نفسه الذي أصاب من تسلموا المنصب قبله، حين تصور قدرته على بناء الثقة بينه وبين العراقيين، وتمييز نفسه عن غيره، لكنه نسي أن الثقة بين الحاكم والمحكوم لا تأتي جُزافا، وهي ليست تحصيل حاصل من خلال القيام بفعاليات استعراضية وحركات بهلوانية، فثقافة السيرك والألعاب السحرية تُثير الضحك فقط، لكنها لن تُرسي حقائق على الأرض. المشكلة أن العراقيين أدركوا تماما أن المنظومة السياسية الحالية نشأت نتيجة حرب وتقاسم لكعكة السلطة حسب المحاصصة، لذلك فإن الطريقة الوحيدة التي تستطيع بها هذه الشلة الفاسدة البقاء، هي تشريع نهب المال العام عبر تحالفات داخلية وخارجية، وهذا هو الطريق الذي أوصل العراق ليحتل المرتبة 157 بين 180 دولة، في سُلّم منظمة الشفافية الدولية المعنية بالفساد.