تفادي “كارثة غزة” فی كوردستان- د. عبدالباقي مایی

 

من يعلم بالوضع النفسیإجتماعی لحركة تحرير فلسطين ومقاربتها لحركة تحرير كوردستان یستطیع إستخلاص العلامات المتشابهة التالية بین الحركتين :

١مقاومة الإحتلال:

هذه المقاومة هی فی الأساس تعبير عن رفض الشعب للإحتلال ومحاولة المحافظة علی البقاء والدفاع عن النفس لمنعها من الإنهیار والإضمحلال والإنصهار فی المجتمع السائد بأغلبية قومیة كالتركية والفارسية والعربية فی حالة كوردستان المقسمة علی تركيا وايران والعراق وسوريا، وكذلك الأغلبیة الیهودیة قومية و دينا فی حالة فلسطين المحتلة من قبل إسرائیل. المقاومة تعبير عن الرفض بأی شكل كان، سواء” بالفعل أو القول أو الرفض الصامت لجميع الإجراءات التي تتخذها سلطات الإحتلال وأنظمتها العنصرية والشوفینیة. أسلوب المقاومة يعتمد علی طبيعة نظام الإحتلال. كلما كان نظام حكم الإحتلال عنيفا و تعسفيا و شوفینیا فی إنكار حقوق الشعب المضطهد تحت سلطة الاحتلال كلما كانت المقاومة عنيفة وصارمة وصامدة حسب قانون نيوتن “لكل فعل رد فعل یساویه فی المقدار و یعاكسه فی الإتجاه”.

فی فلسطين كان ولازال نظام حكم دولة إسرائیل المحتلة لأرض وشعب فلسطين متسما بالتعصب الدینی والقومي لكونها دولة اليهود المعهودة بعد وعد بلفور. وَعْدُ بَلفُور بيانٌ علنيّ أصدرته الحكومة البريطانيّة خلال الحرب العالمية الأولي لإعلان دعم تأسيس وطن قومي للشعب الیهودی. هذا التعصب ذو الفاشیتین الدینیة والقومية یسیطر علی نظام الحكم فی إسرائیل منذ تأسيسه. لذلك يعتبر حكام إسرئيل بحق أن الفلسطینیین بإعتبارهم عربا فی القومية و مسلمين فی الدين هم معاكسون لتكوین دولة إسرائیل أساسا فلا یستطیعان قبول أحدهما لوجود الآخر لكونهما فی تناقض حاد مادامت قیادة الشعبین تلتزمان بالقوانين والعادات والتقاليد القديمة لليهود معاكسة للعرب و الإسلام. هذا فيما يتعلق بالقضية الفلسطینیة أما فيما يتعلق بالقضية الكوردیة فهی أكثر تعقيدا من القضیة الفلسطینیة بحجمها ومساحتها وتوزيعها علی ثلاثة قوميات تمر جميعها فی مرحلة النهوض والتطور وهم القومية التركية فی تركيا والفارسية فی إيران والعربية فی كل من العراق وسوريا. فالتمییز العنصری القومي يسود فی أنظمة الحكم المتتالية فی هذه الدول الأربعة التي تحتل كوردستان، وهی تحاول جميعها صهر القومية الكوردیة فی مجتمعها كل وفق قوانين وأنظمة خاصة بها.

أما أوجه التشابه بین المقاومة الفلسطینیة والمقاومة فی كوردستان فهی تتلخص فی طبیعة المقاومة وأسلوب نضالها. وهذا التشابه ینعكس من تشابك الشعبين وعلاقاتهما النفسإجتماعیة نظرا لكون قیادة الشعبين الفلسطینی والكوردستانی فی أغلبيتها تتخذ الإسلام دينا وإن إختلفت المذاهب. وفی النقاط التالية نوضح هذا التشابه.

٢تبنى مبادئ الإشتراكیة:

نظرا لمرور الشعبين الكوردستانی والفلسطینی فی مراحل النمو والتطور والنضوج تحت الإحتلال فی فترة زمنية متقاربة منذ الحرب العالمية الأولی وإن إختلف المحتل ، كانت الرأسمالية أساس حكم الإستعمار والإمپریالیة التي كانت تسيطر علی الشعوب الفقيرة والمتأخرة فی التطور الصناعي والثقافي كما كان الحال بالنسبة لشعب كوردستان و الشعب الفلسطینی علی حد سواء أسوة بالحركات التحررية الأخرى فی العالم.

ظهور النظريات الإشتراكیة من أنجلس إلی ماركس وتطبیقاتها العملیة لمعاكسة الرأسمالیة فی الإتحاد السوفییتی والصين الشعبية أدت إلی إنتشارها فی العالم الثالث أی الشعوب المتأخرة التي لم یصل إلیها العلم الحدیث

والتقدم التقني والتطور الإجتماعی بعد. فكانت الحركات التحررية سریعة التأثر بهذه النظريات وتم تكوین الأحزاب والتنظيمات الیساریة فی العالم بناء” علی هذه النظريات وبالاعتماد علی علاقاتها الدبلوماسية والسیاسیة مع الأنظمة الإجتماعیة التي أخذت باستلام الحكم فی الدول الفتية كما كان الحال فی تكوین دول الشرق الأوسط ومنها إسرائیل وتركيا وإيران والعراق وسوريا فی الوقت الحاضر.

٣إتخاذ العنف وسيلة للنضال:

عندما تكونت الأحزاب الیساریة المتأثرة بالنظریة الإشتراكیة بدلا من الأنظمة الرأسمالية كان من ضمن برامجها التحررية القبول بإستعمال العنف فی إستلام الحكم سواء” كان علی مستوى قیادة الحركات والأحزاب التحرریة أو الإنقلابات العسكرية المتتالية للإستیلاء علی الحكم فی دول العالم الثالث ومنها دول الشرق الأوسط كإسرائیل وحركة تحرير فلسطين فيها كما كانت أنظمة الحكم فی الدول المحتلة لكوردستان والحركات التحررية فی كوردستان. إتخذت أنظمة الدول النامیة فی الشرق الأوسط جميعها شعارات الماركسية اللینینیة أو الماوية الصینیة فی تكوينها للمناهج والبرامج السیاسیة الملائمة لقیمها العنصرية والدینیة المختلفة. فكانت تلك الوسائل ولاتزال تتسم بالعنف والسيطرة الإجبارية علی شعوبها لكی تتمكن من تطبيق تلك النظريات الیساریة والرادیكالیة فی تنفیذ برامجها الحدیثة. إستعمال العنف أصبح یلازم جميع الإنقلابات العسكرية و الحركات التحررية فی منطقة الشرق الأوسط كما هو الحال فی معظم دول العالم الثالث.

الإنقسامات الداخلية بین جبهات رادیكالیة و أخرى محافظة فی الحركتين التحرریتین الفلسطینیة والكوردستانیة أدت إلی إستغلال الحركتين من قبل دول أقلیمیة وأخرى عالمية فی كلا الحالتين. خاصة بعد ظهور ثورة الشباب “الربیع العربي” فی دول الشرق الأوسط وقيام النظام الإسلامي المتطرف فی كل من إيران الشیعیة و تركيا السنیة فقد استلمت الأجنحة الرادیكالیة زمام الأمور فی المنطقة مما أدی إلی اصطدام عنيف بین هذه الأنظمة الشوفینیة فی كل من إسرئیل التي تحتل فلسطين والدول التي تحتل كوردستان من تركيا وإیران إلی العراق وسوريا.

قیام الأجنحة الإشتراكیة فی كل من الحركة التحررية فی فلسطين و كوردستان بتنفيذ برامجها المتخذة بالعنف منهجا للمقاومة و الدفاع عن النفس أدی إلی اصطدام عسكري هدام فی كل من فلسطين وكوردستان. ففی فلسطين إتخذت المقاومة فی غزة وسيلة العنف لفرض شروطها المشروعة فی الحریة والإستقلال فقوبلت بالقوة العسكریة الإسرائیلیة مدعومة بالأنظمة الرأسمالية برئاسة أمريكا فی حرب إبادة لا مثيل لها فی قطاع غزة وهی مستمرة فی القتل والتدمير.  أما فی كوردستان فقد إزدادت عمليات الإبادة الجماعیة من قبل الأنظمة الشوفینیة فی الدول المحتلة لكوردستان.

كیف للحركة التحررية فی كوردستان أن تتخذ المقاومة السلمیة فی برامجها “المقاومة هی الحیاة” و”المرأة، الحياة، الحریة” لتفادي كارثة فی كوردستان مماثلة لما یجری فی فلسطين؟

٢\٣\٢٠٢٥