الكتابة ليست مهنة ولكنها لها وقع وتأثير كتأثير أية مهنة إنسانية أخلاقية كالطب كالهندسة وغيرها على المجتمع يجب أن يكون الكاتب فيها نزيه عن التحريض والميل المفرط لأي جانب كان . الهدف من الكتابة إيصال الأفكار الصحيحة إلى القارىء وبناء الوعي لدى المجتمع ، القارىء المتلقي يريد أن يشعر بأنه فعلاً حصل على المعرفة والإدراك وتنوير الفكر من خلال قراءته للمقال أو النص أو الكتاب ، لا يريد أن يتحول إلى مهووس فكرياً يملئه الحقد ، وهذه مهمة تعبر عن شخصية الكاتب ورصانة أفكاره . ما نراه اليوم للأسف عند معظم الكتّاب وأصحاب المقالات هو تعبير عن عقد نفسية وهلوسة فكرية وفرصة للتحريض وتفريغ الأحقاد لخدمة هذا الجانب أو ذاك ، لذلك نلاحظ هذا الكم الهائل من المقالات والكتب والمنشورات لم تنتج مجتمعاً واعياً بل العكس نرى المجتمع يتراجع فكرياً حتى أن الكثير من القراء قد عزفوا عن القراءة والمتابعة ، مجرد أن يطّلع القارىء على عنوان المقال يقلب الصفحة ويشعر بالقرف من خلال العنوان قبل الولوج في محتوى المقال ، كثرة الكتابة ليست دليل الثقافة وليست دليل التفكير السليم .
مجتمع مثل مجتمعنا يعاني من تخلف فكري ثقافي بحاجة إلى كلمات توقظ مشاعره واحاسيسه الإيجابية لا السلبية ، بحاجة أن يعرف بأنه لابد أن يكون جزءاً من الحل لهذه المعاناة وأنه لابد أن يكون قنديلاً لمجتمعه من خلال ما يقرأ ويتعلم لا أن يكون أعمى مع العميان لكيلا تزداد تعثراته وهذه مهمة صعبة يتحمل مسؤوليتها الكاتب المبدع المخلص الوفي الواعي المثقف الذي يتحسس آلام مجتمعه كل ساعة . فلو قلنا أن قلة إنتشار الأوبئة والأمراض في المجتمع دليلاً على وجود ثقافة صحية وتنظيم طبي مهني في المجتمع وكذلك وعي وثقافة المجتمع دليل على وجود المثقفين الرائعين في ذلك المجتمع ، لا شيء يأتي من فراغ ، فكل شيء يأتي من خلال الجهد الصحيح العلمي ، لم تتطور المجتمعات الراقية إجتماعياً وثقافياً بفضل التكنولوجيا وإنما بفضل مثقفيها المبدعين الأوفياء لأوطانهم ، أما ثقافة التحريض والميل لصالح طرف ضد طرف هي سمة مجتمعنا وهذه واحدة من نتاجات الفكر العقيم الذي ينشر هنا وهناك ويبث إعلامياً وكتابياً على مدار الساعة ، إذاً احتماليات التطور والتغيير عندنا تقترب من الصفر بسبب انعدام الثقافة الحقيقية وانتشار ثقافة التحريض وخاصة التحريض على الكراهية . مازلنا جميعاً نتناقل ونستشهد في أحاديثنا بمجموعة كلمات ومقولات قالها بعض العظماء وذلك لشدة وقعها على نفوسنا وقوة تأثيرها هكذا هي الكتابة الراقية تنتقل إلى نفوس الناس بدون تكلفة ، وهؤلاء العظماء لم يأتوا بشيء من العالم الأخر ولا من عالم الخيال ولكنهم أختاروا كلماتهم بعناية وبصدق فأصابوا بالصميم عندما كتبوا وكانوا يشعرون بآلام الناس وحاجاتهم فبقت كلماتهم خالدة .
في الوقت الذي نشعر فيه بأننا عطاشا للتوعية والكلمة الهادفة التي تخرجنا من الظلمات إلى النور يخرج إلينا من يسبح بأمواج القطيع لتصبح له منشورات في كل مكان لتطرح أفكاراً تحريضية مريضة وتخلق حالة ضبابية تشويشية للمقالات الصادقة الشحيحة أصلاً ، والشيء الغريب حقاً غالبية هؤلاء القطيع ليسوا أدوات بيد غيرهم بل هم من إرتضى لنفسه أن يكون خادماً مطيعاً للشر والكراهية غير مستفيدين بالمرة من وجودهم ودفاعهم المستميت لأفكار القطيع ، طبقاً لمبدأ لأنني أكرهك سأفعل ما يؤذيك حتى وأن كان هذا الإيذاء يمتد تأثيره على الناس كافة .


الكتابة مهنة مثل اية مهنة أخرى كالفن والرياضة، وكان عبدالحليم حافظ على سبيل المثال يمتهن الغناء وقد كان مصدر رزقه في الحياة. معظم الرياضيين الذين وظفوا مهاراتهم الجسدية للكسب هم يمارسون مهنة. كيف اذن لا تعتبر الكتابة مهنة وهناك ملايين من حملة الأقلام حول العالم يعيشون على ما تجود به أفكارهم في تغذية الإعلام العالمي من مقالات يومية في جميع المجالات والنشاطات الإنسانية مثل التحليلات الاخبارية في السياسة و الاقتصاد والفن والادب والتسلية؟ و الكتابة بشكل عام تحتاج إلى مهارة وخبرة كباقي المهن الأخرى، ولها ايضا مسؤولية أخلاقية وانسانية ربما أعظم واكبر من مثيلاتها من المهن الأخرى، فهي تتعامل مع الكلمة، والكلمة مسؤولية أخلاقية تجاه المتلقي، بأن يقدم له الكاتب الحقيقة كلها كما هي دون تقطيع، الحقيقة المجردة من العواطف بدون مجاملات رخيصة ونفاق على حسابها كسبا لرضا عينات من الجمهور، كما يقول عادل إمام الجمهور عاوز كدة، متعمدا إخفاء الحقيقة وهو يدري انها الحقيقة بحجة عدم إيذاء مشاعر الاخرين. كيف اذن يغير الكاتب الآراء والمواقف الخاطئة و الأوهام السائدة لدى الجمهور ان لم يكن جرينا في طرح آرائه، متخاذلا متخليا عن مسؤوليته تجاه الكلمة الصادقة؟
إذا كانت الكتابة مهنة وجب وجود مدارس خاصة لتعليم وتدريس هذه المهنة ، أما الإرتزاق من الكتابة فهذا شيء آخر لأن الإنسان قد يرتزق من أي شيء أو أن الكاتب استطاع بنجاح أن يجعل رزقه من الكتابة
هذه طريقة فاشلة للهروب إلى الأمام. وفي هذه المرة تزعم بأن الكتابة كي تكون مهنة وجب وجود مدارس ومعاهد خاصة بها. بينما هناك عشرات الامثلة الحية عن أشهر الكتاب على المستوى العربي والعالمي امتهنوا الكتابة ولم يحصلوا على تعليم جامعي خاص بمهنتهم، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر عباس العقاد الذي كتب عشرات الكتب والاف المقالات ولم يحصل سوى على التحصيل الابتدائي. وهناك اخرون مثل الشاعر جمال الغيطاني الذي لم يتخرج من الجامعة ومع ذلك اصبح رئيسا للتحرير في جريدة اخبار الأدب. وعلى المستوى العالمي هناك جابريل كارسيا ماركيز الفاشل في الدراسة لكنه اصبح اشهر كاتب في العالم وحصل على جائزة نوبل عن روايته مائة عام من العزلة، وكتب المقالات في مواضيع شتى متنوعة. وعلى المستوى العراقي، هناك مثلا الشاعر والكاتب المبدع حسين مروان الذي عاش على مهنة الكتابة وكان تحصيله الدراسي خريج المتوسطة. بقى ان اقول ان الكتابة موهبة فطرية يمكن لصاحبها ان يصقلها عن طريق التثقيف الذاتي ويمتهنها.
الصحيح هو الشاعر والكاتب العراقي حسين مردان وليس مروان. المعذرة لهذا الخطأ الطباعي،.
الاخ استاذ كامل سلمان المحترم .. شكرا لطرحك هذا الموضوع .. وقبل ان اطرح رايي اطرح على جنابك السؤال التالي : هل درست الكتابة في معهد او كلية او جامعة وانت ( كاتب متميز ) في طرح الافكار والمواضيع المختلفة بشجاعة وباسلوب رائع ؟ والان فان راي فيما جاء انفا وباختصار : الكتابة هي موهبة و قدرة فكرية و شجاعة في طرح الامور و المشاكل بنزاه وبعيدة عن التأثير العاطفي والتاثير الخارجي الحكومي و الحزبي والاقليمي وغيرها ، ولا ننسى الخبرة و التحكم في اختيار الكلمة و الجمل و العناوين وبالتاي اخراج الموضوع المراد باسلوب بسيط ومختصر ، ولكن بقوة التاثير لما هو مطلوب ، وفي الدول المتقدمة فيرسل للكاتب صك بمبلغ معين وفي ظرف الى عنوانه .. ولكن وللحقيقة بهدف الاحترام والتقدير ، وكتشجيع وليس كمهنة .. ختاما مرة اخرى الشكر و التقدير لجنابك
الأستاذ قاسم المندلاوي ، كل التحايا والتقدير ، شكراً لما تفضلت به من رأي وهذا دليل نبل أخلاقك وعلو مقامك ونظافة أفكارك ، صحيح كلامك أنا وأنت وجميع الأخوة الرائعين الذين يكتبون بصدق الإحساس لم ندرس في مدرسة خاصة لتعلم الكتابة ولم نعتاش على الكتابة ، تخرجنا من بيوت نظيفة غير ملوثة ودرسنا ثقافات متعددة ، فأنا والحمد لله كنت أحضر مجالس الحوارات الفلسفية والدينية والعلمية وسافرت لأكثر من عشرين دولة ومكثت سنين طويلة في دول متقدمة وعملت في الترجمة منذ سبعينيات القرن الماضي ، وهكذا تتكون ملكة الثقافة ، وأنا لا أزايد على تجاربك الخاصة واختصاصك في مجال الرياضة ومكوثك في دول أوربية لكن أسلوبك يدل على عمق ثقافتك وسعة تجاربك ونقاوة سريرتك ، أنا أشعر بالفخر أن أجد أبناء جلدتي وقوميتي بهذا المستوى من الرقي الثقافي ، عندما يكتبون كأنهم يهندسون الكلمات والأفكار ، محبتي وتقديري