أعلن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس باراك ، في مقابلة مع قناة “NTV التركية ” مساء أمس الاثنين، أن الولايات المتحدة ستقلص وجودها العسكري في سوريا بشكل كبير، موضحاً أن هذا التحوّل يندرج ضمن إعادة تقييم لفشل السياسات الأمريكية السابقة في تحقيق الاستقرار أو دعم انتقال سياسي ناجح في سوريا على مدى القرن الماضي .
وجاءت تصريحات باراك بعد فترة وجيزة من رفع إدارة الرئيس دونالد ترامب للعقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا ، وهو ما يُعد مؤشراً على تغير جذري في النهج الأمريكي تجاه دمشق الجديدة ، حيث أكد أن “السياسة القديمة لم تنجح، والوقت قد حان لإعادة الحسابات وفقاً للمعطيات الجديدة في المنطقة “.
الانسحاب من الشمال الشرقي.. وتركيز جديد على العلاقة مع الحكومة السورية
وبحسب المصادر المتصلة بالملف السوري، فإن الخطة الأمريكية الجديدة تتضمن سحب كامل القوات الأمريكية من منطقة دير الزور ، وتتركز الآن على دعم الاندماج الكامل لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية للحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع .
وأشار باراك إلى أن “قوات سوريا الديمقراطية هي شريك استراتيجي مهم، وتمثّل عنصراً بالغاً الأهمية لدى الكونغرس الأميركي، لكن مستقبلها يجب أن يكون ضمن إطار الدولة السورية الموحَّدة، وليس خارجه “، مشدداً على أن “الولايات المتحدة لن تستمر في دعم كيانات موازية أو أطراف تُضعف وحدة الدولة السورية، بل ستعمل على تعزيز الشراكة بين “قسد” ودمشق ضمن رؤية واضحة ومدعومة دولياً “.
الانسحاب العسكري.. هل هو بداية النهاية للأكراد؟
تأتي هذه التطورات في ظل تخوفات متزايدة من القوى الكردية بشأن مستقبل دورها السياسي والعسكري في سوريا. فبينما تحتفظ قوات سوريا الديمقراطية بوجود عسكري قوي في شمال وشرق البلاد، إلا أنها تواجه ضغوطاً تركية وأمريكية متزايدة للاندماج ضمن الجيش النظامي السوري ، وهو ما يُثير جدلاً داخلياً حول طبيعة العلاقة المستقبلية مع الدولة السورية، وحول إمكانية ضمان حقوق الشعب الكردي في ظل الإدارة الجديدة .
واشنطن تضغط على “قسد”.. وأنقرة تراقب بحذر
وتشير الخطوة الأمريكية إلى أن واشنطن بدأت تعيد حساباتها في الشمال السوري، وتسعى لـ”بناء علاقة جديدة مع الدولة السورية الموحَّدة، بعيداً عن الارتباطات الثنائية التي كانت قائمة مع “قسد” خلال العقد الماضي “.
لكن هذا التوجه يُنظر إليه بريبة من قبل بعض الجهات الكردية، التي تخشى أن يكون “الانسحاب الأمريكي بداية لإعادة التوازنات الإقليمية، كما حدث في السويداء، حيث تزايدت عمليات التحريض الطائفي والانتقام ضد المدنيين الدروز، رغم التغيرات السياسية الجارية “.
هل يُعيد هذا التحوّل رسم الخارطة السياسية والأمنية؟
يطرح هذا القرار الأمريكي سؤالاً محورياً:
هل يمثل هذا الانسحاب بداية لحل سياسي حقيقي في سوريا، أم أنه مرحلة جديدة من إعادة ترتيب النفوذ، حيث تعود الدولة لتفرض سيطرتها ولكن بوصاية خارجية؟
يقول الخبراء إن “الانسحاب الأمريكي إذا لم يصاحبه دعم دولي حقيقي للحكومة الشاملة واللامركزية السياسية، فإنه قد يُستخدم كفرصة لتوسيع النفوذ التركي، ويُهدد بتهميش مكوّنات أخرى مثل الكرد والدروز والمسيحيين، الذين يرون في هذا التحوّل تهديداً لوجودهم ولحقوقهم الثقافية والسياسية “.

