إدعاء الطغاة بالنصر و تسلح الشعوب بالأمل- د. عبدالباقي مایی

 

بعد حرب ضروس إستمرت ١٢ یوما بین دولة إسرائیل والولایات المتحدة الأمریكیة من جهة والدولة الإسلامية فی إيران من جهة أخرى، توقفت العمليات العسكریة بین الجهتين فجأة فی هدنة أمر بها رئيس الولايات المتحدة الأمریكیة المشهور بسلوكه المفاجئ كالآمر الناهي إنطلاقا من شخصيته المصابة بداء العظمة. إدعت كل من الجهتین المحاربتین بالنصر الساحق بعد وقف إطلاق النار بينما شعوب المنطقة خاصة والعالم عامة لا زالوا “فی غیهم يعمهون” لكونهم لم يكونوا فی درایة من أمرهم فی أسباب الحرب ولا فی جدیة الهدنة أو قابلیتها علی الإستمرار فی وقف إطلاق النار، ناهيك عن جهلهم لاسباب أو شروط الحرب أو السلام لدی السلطات الحاكمة فی هذه الدول بعيدا عن إرادة شعوبها التي وجدت فی الحرب فرصة لإزالة أنظمتهم الطاغیة عليهم باسم الدين من جهة والسياسة من جهة أخرى.

أعلنت الجهة الأولی التی بدأ الحرب “إسرائیل وأمريكا” محاولة الجهة الثانية “إيران” تصنيع السلاح النووي سببا لبدئهم بالحرب علیها. فقامت أمريكا بإلقاء قنابل ذات قابلیة علی إختراق الجبال التی تحمی فی أعماقها المؤسسات النووية الإیرانیة، و إدعت بأن هذه القنابل أصابت أهدافها فی تدمير تام لجميع منشآت السلاح النووي فی إيران. ومن الجدير بالذكر أن الدولتین إسرائیل وأمریكا تتمتعان بسلاحهما النووی علنا بينما يمنع العالم المتحضر إيران من الحصول عليه أسوة بإسرائیل وأمريكا وغیرها. هذا المنع للبرنامج النووي لطرف دون آخر یتبع قوانين دولیة تدخل ضمن النقاط التی تتخذها إيران ذريعة للإدعاء بعدم عدالة أنظمة الحكم فی العالم، ناهيك عن إتهام إيران للنظام العالمي بإنشاء إسرائیل كدولة یهودیة محتلة لفلسطين المسلمة منذ سنة ١٩٤٨. لذلك أتت الجمهوریة الإسلامية فی إيران لتدعو إلی ضرورة العمل علی إزالة دولة إسرائیل من الوجود وتأسيس دولة فلسطینیة فی مكانها، فأسست ما سمی بمحور المقاومة الذی حمل تحرير فلسطين شعارا له. و تطور هذا الصراع أخیرا إلی حرب إبادة إسرائیلیة علی قطاع غزة فی فلسطين المحتلة بعد هجوم مفاجئ عنيف علی إسرائیل قام بتنفیذه التنظيم الإسلامي “حماس” فی ٧ تشرین الأول سنة  ٢٠٢٣ . ولازالت إسرائیل مستمرة فی ممارسة حرب الإبادة علی أهل غزة، ضاربة عرض الحائط بجميع قرارات المحاكم الدولية وحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.

خلال أیام الحرب العنیفة بین الجهتین كان تبادل القصف الجوي بالطائرات المسيرة والصواریخ بعیدة المدی یجری علی قدم و ساق من قبل إسرائیل وإيران ضد بعضهما البعض، الأمر الذی أدی إلی غلق الأجواء الدولية أمام الطیران المدني فی الدول التی تقع بین إیران وإسرائیل والتی مرت فی سمائها الصواریخ و الطائرات المسيرة  ما أدی إلی تصعيد الحرب یوما بعد یوم وخطورة إندلاع حرب أقلیمیة أو عالمية، خاصة بعد الإنضمام الفعلی لأمریكا بقنابلها العملاقة والفريدة من نوعها فی العالم. فی غضون ذلك حدث هيجان شعبی بین الجماهير الغاضبة علی سلطات الإحتلال فی دول المنطقة ومنها المكونات المحرومة من حقوقها و المغلوبة علی أمرها كالشعب الكوردی علی سبيل المثال. فأخذت هذه الشعوب بالتحرك فی نشر البيانات والدعوات إلی تهيئة الظروف المناسبة لتنظيم نفسها من أجل الأستیلاء علی الحكم فی هذه الدول وتبدیل نظام الحكم فيها. هذا ما دفع بشعوب المنطقة إلی قلق وإضطراب فی إنتظار مدمر جعلهم يتفاوتون بین الخوف من العمليات العسكریة للحرب والأمل فی الإنقضاض علی السلطات فی إیران و إسرائیل للتخلص من الحكومتين الطاغیتین علی شعبیهما. اتسمت ممارساتهما بزيادة السيطرة و التهجم و سرد الإتهامات للمجموعات والأفراد من شعبیهما اللذين تحركوا للنقد والمعارضة والتحرك فی إتجاه التحرر من الحرب وعواقبها. فكانت النتيجة زيادة العمليات العسكریة والتجويع والتدمیر ضد غزة فی إسرائیل من جهة و تصاعد فی الاعتقالات والإعدامات فی إیران ضد المعارضين من جهة أخری، ومنهم إعدام ثلاثة شباب أكراد في إيران بتهمة التعاون مع الموساد الإسرائیلی. فأمست الأمور تنذر بالفوضى إذا تم تبديل نظام الحكم فی أی بلد من بلدان المنطقة، الأمر الذی أدی ألی زیادة المخاوف من إنهیار النظام القائم فی الشرق الأوسط دون أن تكون شعوب المنطقة مستعدة لإقامة وإدارة نظام جديد، فتحركت السلطات القائمة فی المنطقة للمحافظة علی سلطاتها ونمصالحها وذلك بالإسراع فی عملية الهدنة و وقف إطلاق النار.

تخلل الهدنة فی أیامها الأولی تفاخر وإحتفال الجهتین المتحاربتین بالنصر وإدعاء كل منهما بدحر الطرف الآخر وتلقينه درسا لن ينساه. فكانت المبالغة فی الكذب والتلفيق تسود فی إعلام الجهتین. وزادت علامات التحايل والتآمر من الطرفین لإعادة قوتها و جمع طاقاتها من جديد إشارة إلی إستعدادها لإعادة الكر فی الحرب التی قد تكون أكثر شراسة واشد تدميرا إذا ما إندلعت من جدید. بذلك يتشدق كل من الجهتین المتحاربتین فی مدح جيشه، إیران بقابلیاتها علی إختراق الدفاعات الجوية الإسرائیلیة، و أمريكا بإلقاء التهم علی التقارير التی تعلن  فشل القنابل العملاقة فی التخلص من قابليات إیران فی صنع الأسلحة النووية . و بین هذا و ذاك یجری حوار دینامیكی بین شعوب المنطقة للتشاور والتخطیط، عسی أن یأتی الیوم الذی تتآلف فیه الشعوب ضد طغاتها للتسلح بالأمل بدلا من الیأس الذی أصاب تلك الشعوب المستمرة فی العذاب و المعاناة نتیجة استمرار الظلم والتعسف من حكامها الطغاة.