في مساءٍ من مساءات العاصمة، وبعد يوم طويل من العمل، كنت أتجول مع صديقي “أبو روجين” في شارع الحميدية، حين باغتتني فكرة غريبة. قلت له مازحًا وأنا أراقب وجوه المارة:
– “تخيل لو رآنا الآن الأستاذ مخلوف! سيقسمنا نصفين دون رحمة.”
ضحك وقال باستغراب:
– “ماذا دهاك؟! الأستاذ مخلوف؟ إنه من محافظة أخرى تمامًا.”
هززت رأسي، ثم همست:
-“عندي إحساس قوي أننا سنصادفه…”
ولم تمضِ إلا خطوات قليلة حتى لمحته من بعيد، بثيابه السوداء ووجهه المألوف… الأستاذ مخلوف، ذاته.
تجمدنا في أماكننا، وجوهنا شحب لونها، وارتبكنا. قلت لأبي روجين:
– “الناس هنا كُثُر، ليس من المنطقي أن يلاحظنا. لنكمل السير وكأن شيئًا لم يكن.”
لكن الرياح لا تجري بما تشتهي السفن، إذ رأيناه يقترب منا مباشرة، وعيناه مثبتتان علينا.
-“مرحبًا يا شباب! كيف حالكما؟”
تلعثمنا، وأجبناه بترحيب مرتبك:
– “أهلًا أستاذ… والله صدفة سعيدة!”
سألنا عما نفعله في العاصمة، فأجبناه أننا جئنا للعمل لتغطية نفقات دراستنا.
– “بارك الله فيكما… هل تحتاجان شيئًا؟”
شكرناه، ودّعنا بابتسامة، ورحل. حين غاب عن أنظارنا، همست لصديقي:
– “هل تتذكر؟ هذا هو الأستاذ الذي كنت أنا الشاهد الوحيد ضده في تحقيق المدرسة…”
كان ذلك في الصف الحادي عشر.
صفنا كان مميزًا؛ خليط من البنات والشبان، من قسم الفرنسي والإنجليزي. فيه الشاطر والكسول، المنضبط والمشاغب. وكان يدرّسنا مادة العلوم أستاذ غريب من محافظة بعيدة، عُرف بعصبيته الحادة، إذ كان يعاني من مرض الشقيقة المزمن.
في أحد الدروس، فقد أعصابه، وصرخ في وجه زميلنا فرمان، طالب خلوق وهادئ ومن عائلة محترمة. لكنه في لحظة انفعال نادرة، رد على الأستاذ بالمثل. غادر الأستاذ الصف غاضبًا وتوجه للإدارة.
بعد دقائق، استُدعي فرمان إلى المدير والموجّه التربوي، وقيل له:
– “إما أن تقدم شاهدين على الواقعة، أو سيتم فصلك من المدرسة… وربما من جميع المدارس بقرار من مجلس الإدارة.”
أعطى اسمي واسم زميلي زاهر… دون أن يعلم أننا سنُستدعى حقًا.
دخلنا إلى مكتب الموجّه، وطلب منا أن نقول الحقيقة في جلسة اللجنة. أصفرّ وجه زاهر، وتمتم:
-“لا أستطيع أن أشهد… لم أسمع كل ما جرى، وإن قلت شيئًا، قد أُتّهم بشهادة زور.”
نظرت إليه مستغربًا وسألته:
– “شهادة زور؟! ألم تكن في الصف؟ ألم ترَ الأستاذ يصرخ أولًا؟”
قال:
– “بلى، لكن…”
قاطعته:
-“إذًا، فقل الحقيقة! فرمان لا يستحق الطرد، كان رد فعلٍ على إهانة علنية.”
وفي جلسة اللجنة، حضرنا. وقفنا أمام الإدارة، وقلنا الحقيقة كاملة.
..ونجا “فرمان” من الفصل.
مرّت السنوات، وتفرّق الزملاء في دروب الحياة، بعضهم تاه في الزحام، وبعضهم صعد في مراتب المجد بهدوء.
أما “فرمان” فواصل طريقه بثقة، صار طبيبًا ناجحًا، يعالج الناس بابتسامة لا تنسى…
و”زاهر”، زميلي الخائف في تلك الجلسة، أصبح قاضيًا… يُصدر أحكامه الآن في قاعات المحكمة، لكنه لا يعلم أن أول “حكم” نطق به كان معنا، يوم تردد أمام قول الحقيقة.
وأنا..؟
ما زلت أتذكر تفاصيل ذلك اليوم…
كيف أن كلمة صادقة واحدة أنقذت مستقبلًا، وأعادت التوازن في ميزان كان على وشك أن يختل.
وعندما صادفت أستاذنا “مخلوف” في زحام المدينة بعد سنوات طويلة، وقد نسي اسمي ونسي الحكاية، شعرت بشيء غريب…
لم أكن غاضبًا، ولا حتى خائفًا، بل كنت مرتاح الضمير، وكأن الزمن ابتسم لي لحظةً وقال:
“صغيرٌ كنت… لكنك وقفت يومها على الجانب الصحيح من الحكاية.”

