سلام الحمام وسط عالم الصقور
يُقال إن السلام يتطلب شجاعة أكثر من الحرب، لكن في منطقة مثل الشرق الأوسط، حيث لا تزال الأنظمة القائمة على القوة والسيطرة هي المسيطرة، فإن شجاعة السلام قد تكون ضربًا من الجنون .
الكورد، الذين حملوا راية السلام البيضاء، وبدأوا بالتخلص من السلاح، وفتحوا أبواب الحوار مع الحكومات المركزية، وجدوا أنفسهم أمام واقع مرير: الأطراف الأخرى التي تحتل أراضيهم لم تتخل عن السلاح، بل زادت من استخدامه، ورفعت شعار “الحرب حتى النهاية” .
في هذا العالم، يبدو أن الكورد يشبهون الحمامات التي تحاول العيش بين الصقور والعقبان، في بيئة لا ترحم الضعيف ولا تعترف بالسلام إلا كاستسلام .
حق تقرير المصير: حقٌ دولي أم خطيئة قومية؟
من الناحية القانونية، فإن حق الشعوب في تقرير مصيرها هو أحد الركائز الأساسية في ميثاق الأمم المتحدة (المادة 1 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان)، وهو مبدأ تم تطبيقه في العديد من المناطق حول العالم، من البلقان إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
لكن في حالة الكورد، فإن الدول الأربع التي تحتل كوردستان – تركيا، إيران، العراق، سوريا – ترفض أي اعتراف بهذا الحق، وتتهم الحركة الكوردية بأنها تريد تمزيق وحدة الدولة وتفكيك الأوطان ، رغم أن المطالب الكوردية لا تخرج عن إطار الديمقراطية، واللامركزية، والفدرالية .
حتى الولايات المتحدة، التي تُعتبر دولة فدرالية متكونة من 50 ولاية مستقلة، وتُطبق مبدأ التوزيع الفعلي للسلطة، ترفض دعم مشروع كوردي مشابه، وتعلن رسميًا أنها لا تؤيد انفصال أو استقلال أي مجموعة عرقية ، رغم أنها تمارس في داخلها نموذجًا فدراليًا حقيقيًا.
إذا كانت أمريكا تؤمن باللامركزية في الداخل، فلماذا لا تدعمها في الخارج؟!
وهذا يدل على أن السياسات الدولية ليست قائمة على المبادئ، بل على المصالح، وأن الدول الكبرى تريد فقط أن تلعب دور الصقور، لا أن تكون حمات للحمامات .
الكفاح المسلح: خيار أم مصير؟
لم يكن الكفاح المسلح بالنسبة للكورد خيارًا، بل كان خيارًا فرضته ظروف القمع والانتهاكات المستمرة من قبل الدول المحتلة . فالقوى الكوردية لم تلجأ إلى السلاح إلا بعد أن أُغلقت جميع أبواب الحوار، وارتكبت المجازر، وشرّد الشعب، وهُدمت القرى .
لكن اليوم، ومع تغير الظروف الإقليمية والدولية، بدأت بعض القوى الكوردية في التخلي عن الخيار العسكري، والتركيز على العمل السياسي والاجتماعي ، في محاولة لبناء جسور ثقة جديدة مع الجوار، وخلق فرص للتسوية السياسية.
لكن ما حدث هو أن الخصوم استغلوا هذا الانفتاح كفرصة لتقويض الموقع الكوردي، وليس كفرصة للسلام . فبدلاً من مقابلة السلام بالسلام، لجأت الدول المحتلة الى تصعيد عسكري غير مسبوق، واستهداف مباشر للمواقع الكوردية، واعتقال النشطاء، وقتل المدنيين ، و حتى سوريا والعراق يواصلان سياسة التهميش والتجريد الأمني.
الغرب والإسلام السياسي: صمت مريب أمام القمع
ما يزيد الطين بلة هو صمت الغرب وخاصة أمريكا وأوروبا أمام الانتهاكات المتكررة ضد الشعب الكوردي ، رغم أن الكورد كانوا طوال العقود الماضية الحليف الاستراتيجي الأكثر فاعلية في الحرب ضد الإرهاب ، سواء في سوريا ضد تنظيم داعش، أو في العراق ضد النظام السابق و ضد داعش.
حتى بعض الاحزاب السياسية، التي تدّعي الدفاع عن حقوق الشعوب، تقف موقف المتفرج، بل في بعض الحالات يتواطؤون مع أنظمة القمع باسم الوحدة الإسلامية أو القومية العربية .
هل لأن الكورد ليسوا صقورًا كافية؟ أم لأنهم حاولوا أن يكونوا حمامات في زمن السيادة فيها هي للصقور؟
السؤال الخطير: هل ستتحول الحمامات إلى وجبة فطور للصقور؟
الكورد اليوم يقفون أمام خيار صعب:
- إما أن يستمروا في طريق السلام، ويعتمدوا على الحوار، والعمل الدبلوماسي، والضغط الدولي ، آملين في أن تتغير موازين القوى.
- أو أن يعودوا إلى الخيار العسكري، ويواجهوا الحرب بالحرب، ويرفعوا شعار “إما أن نحيا أحرارًا أو نموت مقاومين”.
لكن الواقع يقول إن العالم لن يحمي الحمامات، ولن يوقف الصقور . فالدول التي تدّعي الديمقراطية والتعددية تُمارس السياسة ذاتها التي تمارسها أنظمة الاستبداد، كلٌّ باسمه وبأيديولوجيته.
لا حمامات بلا غابة… ولا غابة بدون قانون
إذا أراد الكورد أن يبقوا حمامات، فعليهم أن يبنوا غابة خاصة بهم ، غابة قوية، مستقلة، تتمتع بحماية ذاتية وسياسية، لا تعتمد على رعاية الصقور الآخرين.
وإذا أرادوا أن ينجوا من براثن الحرب، فعليهم أن يفهموا أن السلام الحقيقي لا يُفرض بالندوات والبيانات، بل بالقوة، وبالوحدة، وبوجود استراتيجية واضحة ومدعومة من الداخل والخارج .
السلام لا يعني الاستسلام،
والقوة لا تعني الحرب دائمًا،
لكن في عالم الصقور، لا يمكن للحمام أن يبقى حيًا ما لم يملك مكانًا يحميه.
و مع كل هذا فأن السلام أفضل من الحرب في عالم يستخدم فيها القوة و القتل و التشريد بأسم تحقيق السلام. عالم فيها كبرى الدول أنتاجا للقتل و السلاح و أكبر محارب يتوق فيها الى الحصول على جائزة نوبل للسلام و لربما سيحصل عليها. فهل هناك أكثر من هكذا نفاق؟ و علية فأن الصقور سوف تستمر في أكل الحمامات على شواطئ كاليفورنيا، طرابلس، اللاذقية، البحر الاسود و الخليج الفاسعربي.

