من يدرس ويبحث الوضع السوري منذ ٨-١٢-٢٠٢٤ بدقة وموضوعية ممكنة سوف يصل إلى نتيجة بأنه هناك شبه استحالة الحل والاستقرار في سورية دون تطبيق نوع معين وموسع من اللامركزية السياسية الادارية الأمنية للمكونا القومية والمذهبية، وخصوصا في ظل حكم سلفي جهادي داعشي حتى الامس، ولا يكفي تغيير الجلد بين ليلة وضحاها. فإذا كانو خلال ساعات تخلو من مبادئهم الاسلاموية المقدسة عندهم من أجل كسب السلطة، فكيف يمكن التصديق بأنهم سوف يتقيدوا بالاتفاقات السياسية مع قسد والمكونات الاخرى!؟
هنا وفي هذا المجال لا بد من مناشدة الغرب بتدخل معين موضوعي فيما يجري في سوريا ، لأن هذا الغرب/خصوصا بريطانيا وأمريكا/ أضطر مسرعا قبل إسقاط النظام إلى الخيار المر للمجموعات السلفية المذكورة وهيئ لها المسير نحو دمشق وذلك بعد إحداث خطر شيعي كبير على اسرائيل/إطلاق حوالي الف صاروخ شيعي على اسرائيل وقتها/ فهو كما هو معلوما لم يكن راغبا منذ ٢٠١٣ بتغيير النظام السوري وذلك خوفا من البديل الاسلاموي بل وتفاهم حتى مع الروس لحمايته من السقوط، لكن بعد حصول ذلك الخطر الصاروخي الشيعي على اسرائيل استعجل هذا الغرب كثيرا بتهيئة عوامل تخفيف النفوذ الشيعي في المنطقة وهنا عن طريق إسقاط النظام البعثي الدكتاتوري العنصري هناك رغم أن هذا الغرب يرى منذ عقود أن الخطر السني التركي-الخليجي هو أكبر من خطر الهلال الشيعي الايراني!
في هذا السياق وبصراحة مطلقة أراد الغرب اولا أن يكلف المعارضة السورية الديموقراطية والعلمانية وتهيئة المسير إلى الشام، لكن بعد أن وجدها ضعيفة وغير مستعدة للشقاء والتضحية وهنا الغرب يذكر دوما بأن النخب السياسية المتمدنة الشرق اوسطية تحب الحياة كثيرا ولا تبدي استعدادها للعمل المضني والتضحية، بينما النخب الغربية بطبيعتها تتحمل الشقاء والتضحية كثيرا من أجل قضايا الحرية والمصالح علما بأنها تحب وتفهم ومتعة الحياة أكثر بكثير من النخب الشرق أوسطية، فأراد هذا الغرب أن يكلف قسد بالمهمة كونها مضحية وعلمانية بنفس الوقت، كذلك غير هذا المسعى لسببين: الأول هو باعتبار قسد عضو لدى التحالف الدولي، فسوف يقال بأن الغرب هو الذي أسقط النظام السوري مثل أفغانستان والعراق وليبيا وبالتالي سوف تطول وتتعقد المشاكل بعد التغيير، والسبب الثاني هو أن الكثير من السنة في المناطق الداخلية السورية غير راضية عن قسد، هكذا مما حدا أخيرا بالغرب المستعجل إلى الخيار المر وهو التواصل مع تلك المجموعات الاسلاموية المستعدة للتضحية والجهاد الاديولوجي الديني وتكليفها بتلك المهمة وتهيئة مسيرها إلى دمشق بعد أن أنذر إيران من تحت الطاولة بالأحمر من مغبة مساندة النظام البعثي العنصري الدكتاتوري هذه المرة وإلا سوف الهجوم عليها، التفاهم مع روسيا، تخوف حزب الله من اسرائيل، شراء بعض الضباط السوريين واختراق الاتصالات العسكرية السورية هكذا فكان المسير خلال ١١ يوما شبه نزهة.
هنا، للتذكير بأن الدور التركي كان هامشيا جدا رغم فخفختها المزعومة بدورها وذلك وفق عقليتها المعروفة، بينما الغرب صاحب الدور الأساسي لا يشيد بذلك الدور بل وينسب لتركيا ذلك، حيث أن تركيا حاولت منذ ٢٠١٢ بأن يتم إسقاط النظام، ولكن ذلك لم يحدث لأن الغرب لم يكن مرتاحا من البديل الاسلاموي الممكن.
لذلك نطالب الغرب بسبب مسؤوليته تلك بايجاد حل مناسب والتدخل عبر المساندة للمكونات وللقوى العلمانية الديموقراطية لاحداث تغيير مناسب في سوريا، وليس فقط محاولة جر السلطة المؤقتة إلى عقد صفقات معينة مع اسرائيل وإهمال معاناة السوريين الحالية، وإلا ربما إلى المجهول.
بقلم جان آريان/ جمهورية ألمانيا الاتحادية

