السلطة العشائرية في كردستان: عائق أم محرك للتنمية؟ – ترجمة إلی اللغة العربیة: د. عبدالباقي مایی

السلطة العشائرية في كردستان: عائق أم محرك للتنمية؟

تأليف باللغة الكوردیة السورانیة: نجيبة محمود

ترجمة وتنقيح باللغة العربیة : د. عبدالباقي مایی

العشیرة هی أكبر الوحدات الإجتماعية فی النظام الجماعی للمجتمع القروي فی كوردستان بعد أن تطور المجتمع الزراعي من القرية إلی مجموعة قری ضمن إدارة مشتركة تحت حكم الأغا أو البيگ أو الشيخ وذلك برضی الإدارة الرسمية فی الدولة المحتلة لكوردستان. بذلك إستطاعت الحكومة المركزية فی الدولة المحتلة لكوردستان أن تبسط نفوذها الإداري وتسيطر عسكريا علی جميع النشاطات داخل هذه الوحدة الإجتماعية تحت إمرة رئيس العشیرة فی نظام إقطاع وراثی. عندما تحول النظام السیاسی للحكم فی الدولة المحتلة لكوردستان من نظام ملكي إلی نظام جمهوري تحول الإقطاع إلی ملكيات للدولة الرسمية وفقدت العشیرة قيمتها السیاسیة فی تنفیذ أوامر الحكومة المركزية. فتحول التطور الإجتماعي خطوة أخرى إلی الأمام بتكوين الأحزاب السیاسیة تقليدا للأنظمة السیاسیة فی العالم المتطور. ومنذ ذلك الوقت قامت الأحزاب السیاسیة بدور العشیرة فی كوردستان.

في إقليم كردستان، دأبت السلطات على التأثير على البنية الاجتماعية للعشائر والعوائل. لم يقتصر هذا على الحياة اليومية للناس، بل لعب دورًا رئيسيًا في التخلف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي. والسؤال هو: لماذا تُرفع هذه المؤسسات التقليدية والعشائرية والعائلية في إقليم كردستان فوق أي قانون أو مؤسسة؟ ما هو هدف السلطات من تعزيزها؟ هل تهدف هذه الجهود إلى منع تطور المجتمع والقضايا الإنسانية؟

تُعتبر العشائر مؤسسات اجتماعية مهمة في إقليم كردستان، وتُمول مكاتبها، لا سيما في المناطق التي يقل فيها نفوذ الحكومة. تُشكل هذه الهياكل مصادر دعم اجتماعي واقتصادي وسياسي للسلطات. وفي كثير من الأحيان، يلجأ الناس إلى زعماء العشائر بدلًا من الجهات الحكومية لحل مشاكلهم. وهذا يُضفي شرعية على سلطة هذه المؤسسات وتأثيرها في الحياة الاجتماعية للناس دون التفكير في العواقب.

عززت السلطات في إقليم كردستان نفوذ العشائر لأسباب مختلفة. أحد هذه الأسباب هو بناء قاعدة اجتماعية قوية. بتعزيز هذه المؤسسات، يمكن للنظام استغلال دعم العشائر لتعزيز سلطته. كذلك، في الحالات التي يواجه فيها النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي عقبات، يمكن الاعتماد على العشائر كوسيلة إستراتيجية للسيطرة الاجتماعية والسياسية لتحقيق أهدافه الخاصة.

مع أن العشائر قد تكون مصدر دعم في بعض الحالات، إلا أن ذلك قد يؤدي إلى انتكاسات اجتماعية وعرقلة للتنمية البشرية. فالاعتماد على الهياكل التقليدية يعيق التقدم في المجالات الثقافية والتعليمية والاقتصادية والسياسية، لأن هذه المؤسسات تعمل على أساس معايير قديمة ومقيدة، وتمنع تطبيق القانون ودوره، وتقبّل التجديد والتغيير الاجتماعي.

يحل وضع العائلات والعشائر في إقليم كردستان محل القانون كواقع اجتماعي. تجدر الإشارة إلى أن تعزيز هذه المؤسسات يتعارض مع التنمية المستدامة والإنسانية للمجتمع الكردي. وفي هذا الصدد، فإن خلق توازن بين الأصالة والمعاصرة أمر ضروري لنجاح المجتمع الكردي في المستقبل.

من مساوئ القیم العشائرية التی تمنع تطور المجتمع هی علاقة العشیرة بالفساد. فالمحسوبية والمنسوبیة هما من المكونات الجوهرية لظاهرة الواسطة التی أصبحت تكون جوهر الفساد بعد أن تم فصل المصلحة العامة للوطیفة والمنصب عن المصلحة الشخصية للموظف أو الشخص الذی یحتل منصبا رسميا فی الدولة أو الحكومة. و كانت الواسطة تعتبر من الفضائل فی زمن الإقطاع عندما كان الموظف الحكومي یساعد أقرباءه وأصدقاءه وفقا للمثل الأعلى ”الأقرباء أولی بالمعروف“. بل كانت المناصب تمنح للأشخاص اللذين لديهم نفوذ إجتماعي لا لخدمة الدولة أو الحكومة بل لخدمة شبكة النفوذ الإجتماعي لهذا الشخص. هذه الآلية لازالت تغذي ظاهرة الفساد فی كافة مستويات المجتمع من أعلاها إلی أسفلها فی الأقلیم. وقد تم تعريف الفساد كمرض نفسی إجتماعي قابل  للتشخيص والوقاية والعلاج.