الجولاني يُعلن سحب أسلحته الثقيلة من السويداء بعد الضربات الإسرائيلية.. لكنه يترك ميليشياته داخل المدينة: تكتيك جديد لتضليل أسرائيل؟

دمشق / السويداء / تل أبيب، بتاريخ 15 تموز 2025 — في خطوة مفاجئة بعد الضربات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت تعزيزات القوات الحكومية السورية بالقرب من مدينة السويداء، صرّحت وزارتا الدفاع والداخلية التابعتان لحكومة أحمد الجولاني المؤقتة أن “القوات النظامية بدأت بسحب آلياتها الثقيلة ومعداتها العسكرية من داخل المدينة”، مشيرة إلى أن “الهدف هو تخفيف حدة التوتر في المدينة، وضمان عدم تحويل الجنوب السوري إلى جبهة عسكرية جديدة”.

لكن هذه الخطوة لا تخلو من الغموض السياسي، خاصةً مع تأكيدات من المصادر المحلية والكردية أن الانسحاب لم يتم إلا بعد السيطرة الفعلية على المدينة، وأن “ما يجري ليس انسحابًا حقيقيًا، بل إعادة انتشار تحت غطاء الإنسحاب، وترك بعض العناصر المدنية أو المرتبطة بالعشائر العربية لفرض الأمر الواقع الجديد”.

الجولاني يرد على التصعيد الإسرائيلي: “لن نعطي ذريعة للحرب”

قال المتحدث باسم وزارة الدفاع السورية:

“بناءً على الوضع الأمني المتغير، وبتعليمات مباشرة من الرئيس أحمد الجولاني، تم سحب الأسلحة الثقيلة والمدرعات من داخل مدينة السويداء، وذلك ضمن سياسة الدولة الجديدة القائمة على ضمان السلام الإقليمي وعدم استخدام الجنوب السوري كممر لصراعات خارجية”.

ويأتي هذا القرار بعد ساعات فقط من المكالمات الهاتفية بين نتنياهو وكاتس وزامير، والتي أعقبتها غارات إسرائيلية على دبابات وناقلات جند مدرعة كانت تتجه نحو السويداء.

لكن النشطاء المحليين شككوا في صدق هذا الانسحاب، وقال أحد النشطاء المدنيين:

“لا يمكن اعتبار ما حدث انسحابًا، إذا كان الجيش قد فرض سيطرته على المدينة، وإذا كانت العشائر الموالية له ما زالت تتحكم في الشوارع، وتمنع الدروز من العودة إلى بيوتهم”.

هل يعيد الجولاني تمثيلية “الانسحاب”.. ويحاول تضليل إسرائيل؟

يشير المحللون إلى أن “الخطوة الحالية قد تكون مجرد تكتيك آخر يهدف إلى تهدئة إسرائيل وإبعاد الجنوب السوري عن دائرة الاستهداف العسكري المباشر”، وهو نفس الأسلوب الذي استخدمه الرئيس السوري المؤقت قبل أسابيع في الساحل السوري، عندما أعلن عن سحب القوات من المناطق الدرزية، ثم عاد واستأنف العمليات بعد أيام”.

وقال باحث كردي :

“الجولاني يعيد نفسه في كل مرة. عندما يُضغط عليه من الخارج، يُعلن عن ‘انسحاب’ أو ‘وقف إطلاق نار’، لكنه يستمر في عملياته تحت غطاء عناصر محلية أو عشائر متحالفة”.

ويضيف:

“الانسحاب من داخل المدينة ليس نهاية العملية، بل هو بداية مرحلة أخرى، حيث تُستخدم العشائر كأداة لإدارة العنف، بينما تبقى الحكومة بعيدة عن الصورة الرسمية”.

القيادة الدرزية ترفض الخطوة وتصفها بالـ”ذليلة”

من جهته، رفض الشيخ حكمت الهجري، رئيس الطائفة الدرزية في سوريا، تصريحات الحكومة، واعتبر أن “ما يجري ليس سحبًا للسلاح، بل هو تركيب لواقع جديد تحت اسم ‘السلام’، حيث يُصبح الدروز أقلية مستعبدة في منطقتهم”.

وقال في تسجيل مصور:

“لم نطلب انسحابًا ظاهريًا، بل طلبنا حقوقًا حقيقية، وحماية فعلية، وليس عبر القمع والتهديد”.

ويؤكد الهجري أن “الدروز لن يقبلوا بوجود حكومي شكلِي، بينما يُستخدم العنف بشكل متواصل ضد المدنيين، وتقع عمليات النهب والتعفيش في ظل صمت رسمي”.

إسرائيل: “لن نثق بالأقوال.. سننتظر الأفعال”

قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي إن “إسرائيل تتابع التطورات عن كثب، وإن سحب الأسلحة الثقيلة من داخل المدينة خطوة إيجابية، لكننا لن نتوقف عن التحرك إذا رصدنا أي تهديد مباشر على الطائفة الدرزية أو على الحدود الشمالية”.

وأضاف:

“الحكومة السورية المؤقتة أمام اختبار كبير: هل تريد السلام حقًا؟ أم أنها تلعب لعبة التملص من المسؤولية، بينما العنف يستمر على الأرض؟”

المجتمع المدني يدفع الثمن.. رغم “الانسحابات”

في الوقت الذي أُعلن فيه عن سحب الأسلحة الثقيلة من داخل المدينة، فإن الاحتجاجات درزية ما زالت مستمرة، والعائلات ما زالت تهرب من المنازل، والبنية التحتية ما زالت منهارة، والكهرباء والمياه مقطوعتان، والمستشفيات تعاني من نقص حاد في الإمدادات الطبية.

وقال مواطن درزي من السويداء:

“إذا كانوا يريدون السلام، لماذا لم يعودوا لنا حقوقنا؟ لماذا لم يوقفوا القنص على الطرق؟ ولماذا لا يزال هناك قناصون يطلقون النار على من يحاول العودة إلى بيته؟!”

إعلان حكومة الجولاني سحب الأسلحة الثقيلة من داخل السويداء يُعدّ تطورًا مهماً في المشهد السوري – الإسرائيلي، لكنه لا يزال يفتقر إلى المصداقية على الأرض، حيث لا يزال المدنيون يفرون، والقناصون يطلقون النار، والبنية الاجتماعية تنهار، والمنازل تحترق، والأحياء خاوية.

بينما تُرسل تركيا رسائل سياسية، وتُرسل إسرائيل صواريخها، ويُرسل الجولاني تعزيزاته إلى خارج المدينة، يبقى الشعب الدرزي في السويداء يسأل: “هل هذا السلام؟ أم أن الحرب قد تغير وجهها فقط؟”

الانسحاب الحقيقي لا يُكتب في البيانات، بل يُكتب في الشوارع، وفي عودة الناس إلى بيوتهم، وفي توقف صوت البنادق للأبد و عودة ميليشيات الجولاني الى من حيث أتو و ترك السويداء لأهلها.