أين هي الوطنية في جيش يرسل أفضل مقاتليه ليس لمحاربة “المجرمين” أو الاحتلال، بل لاقتحام قرى مسالمة وقتْل النساء والأطفال؟ هل يمكن اعتبار هذه القوات جيشاً نظامياً؟ أم أنها مجرد مرتزقة تحت راية التنظيم الإرهابي؟
…………………………………….
في ظل التطورات المتسارعة في الساحة السورية، وتحديدًا بعد تشكيل ما يُعرف بـ”الجيش السوري” تحت قيادة أحمد الجولاني، زعيم هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، أصبحت قوات سوريا الديمقراطية أمام مفترق طرق حاسم. فهذا “الجيش” الذي يروّج له البعض على أنه بداية لبناء دولة مدنية جديدة في شمال غرب سوريا، أظهر من خلال سلسلة المجازر التي ارتكبها بحق المدنيين، خاصة من الطوائف العلوية والدرزية والمسيحية، وجهه الحقيقي كتنظيم إرهابي لا يختلف عن تنظيم الدولة الإسلامية سوى في الاسم.
الجولاني وجنوده: مرتزقة أم جيش نظامي؟
ما يثير القلق هو أن الجولاني لم يقم بإنشاء جيش وطني حقيقي يمكن أن يكون نواة لدولة مستقبلية آمنة ومتماسكة، بل على العكس، استخدم خطاباً سياسياً معتدلاً في الخارج بينما داخل المناطق الخاضعة لسيطرته، يقوم بتنفيذ سياسات طائفية وإرهابية متطرفة. وقد برز هذا بشكل واضح في مجزرة السويداء التي نفذتها قوات تابعة مباشرة للجولاني، وبإشراف مباشر من وزير دفاعه وقواته الخاصة التي تم إرسالها خصيصاً لتدمير القرى الدرزية وقتل المدنيين الأبرياء ونهب ممتلكاتهم.
أين هي الوطنية في جيش يرسل أفضل مقاتليه ليس لمحاربة المجرمين أو الاحتلال، بل لاقتحام قرى مسالمة وقتْل النساء والأطفال؟ هل يمكن اعتبار هذه القوات جيشاً نظامياً؟ أم أنها مجرد مرتزقة تحت راية التنظيم الإرهابي؟
قوات سوريا الديمقراطية: الحق المشروع في الرفض
في هذا السياق، فإن قوات سوريا الديمقراطية، التي قدمت آلاف الشهداء في معركتها ضد الإرهاب بكل أشكاله، بما فيها تنظيم الدولة والقاعدة، لديها اليوم حجة موثقة وقوية لرفض أي انخراط أو شراكة مع جيش الجولاني. فكيف لقوات قاتلت الإرهاب وحررت مدن بأكملها منه أن تتحول الآن إلى جزء من جيش يقوده من قتل العلويين والدروز ويستهدف المسيحيين ويحرق كنائسهم؟
ما يزيد الأمر خطورة هو تصريحات المسؤولين في صفوف الجولاني، الذين يؤكدون أن هدفهم النهائي هو القضاء على قوات سوريا الديمقراطية، وتحويل من تبقى منهم إلى مقاتلين في صفوف الفكر المتطرف، أو إبادتهم إن رفضوا ذلك. وهذا ليس تخميناً، بل هو تكرار لما حدث بالفعل في قرى السويداء المسيحية، حيث لم تُبقَ كنيسة إلا وأُحرقت، ولم يُترك مدني إلا قُتل أو هُجر.
دور دول التحالف والمجتمع الدولي
على هذا الأساس، يجب على قوات سوريا الديمقراطية أن توجه رسالة واضحة وصريحة إلى دول التحالف الدولي، وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، توضح فيها رفضها الانضمام إلى جيش الجولاني، لأنه ليس جيشاً وطنياً، بل هو جيش من المرتزقة والإرهابيين الذين لا يحترمون القانون الدولي ولا حقوق الإنسان.
وبدلاً من الضغط على قوات سوريا الديمقراطية للانضمام إلى هذا الجيش غير الشرعي، يجب على الدول الغربية أن تقدم الدعم الحقيقي لبناء جيش نظامي حقيقي في شمال شرق سوريا، يكون بعيداً عن الخطاب الطائفي والعنيف، ويكون قادراً على حماية جميع المواطنين، بغض النظر عن عقيدتهم أو عرقهم.
خلاصة:
قوات سوريا الديمقراطية ليست فقط مُبررة في رفضها الانضمام إلى جيش الجولاني، بل عليها أن تستمر في مقاومة هذا المشروع الإرهابي بكل الوسائل المتاحة. فهي اليوم آخر خط دفاع عن التنوع والسلام في سوريا، وهي الجهة الوحيدة القادرة على تقديم نموذج حقيقي للعيش المشترك بين الكرد والعرب والسريان والمسيحيين والمسلمين.
إن التحالف مع الإرهاب باسم الوطنية ليس حلاً، بل هو طريق يؤدي إلى إبادات جديدة وتدمير ما تبقى من سوريا. ولذلك، فالوقت قد حان لأن يقف العالم إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية، وليس إلى جانب من يحرق الكنائس ويقتل الأطفال ويُعيد سوريا إلى عصور الظلام.

