كلّهم غليص ولد رمّاح!- عباس سرحان

 

لطالما رسمت الدراما البدوية صورة مثالية للبدوي الشامي: فارس كريم، يحمي الجار، يصون المستجير، ويرفض الغدر مهما كان الثمن.

من “محاكم بلا سجون” إلى “نمر العدوان” و”عدالة الصحراء”، ترسخت في ذاكرتنا قيم “الخوي”، “الذمة”، و”الحمى”، حتى صار البدوي رمزًا للشرف والنخوة.

البدوي العربي يحمي الضيف ويكرم الغريب، ولا يتجاوز على الضعيف والنساء. هذه الصورة التي رسمتها المسلسلات البدوية في أذهاننا.

لكن ما شهدناه في السويداء من تحريض واعتداءات مكشوفة، كشف وجهًا مختلفًا، حيث صار بعض من يرفع راية البادية يغزو، ينهب، يستبيح الحرمات، ويخذل المستجير ويسبي النساء.

فهل كانت المسلسلات البدوية تخدعنا برسم صورة مثالية، أم أن الواقع تغير وأصبح البدوي يبتعد عن قيمه الأصلية؟

البدو الأوائل كانت نخوتهم دينًا، وخذلان المستجير عارًا لا يُمحى، فحاتم الطائي، رمز الكرم والنجدة، أجار رجلاً يطارده أعداؤه، وكان بين الرجل وحاتم خصومة عميقة لكنه قال: “لا أذل جارًا ولا أترك المستجير بلا حماية.

” نمر العدوان، الشاعر والفارس الأردني، صار مضرب المثل في الوفاء حين قال: “الخوي ما ينغدر به ولو نخسر الدنيا.”

وعنترة بن شداد، فارس العرب، قال: “من دخل خيمتي صار في حماي ولو كان من ألد أعدائي.”

هذه الأمثلة ليست مجرد قصص، بل شهادة على منظومة أخلاقية كانت تعلو فوق المصالح الشخصية والخلافات.

 فأين هؤلاء اليوم ممن يرفعون السلاح على جيرانهم ويهدمون القيم تحت شعارات واهية؟

من يدّعون أنهم “أبناء نخوة” وهم يستبيحون الحرمات، لا يشبهون البدوي الحقيقي الذي رفع راية الشرف وأجار الملهوف.

 إنهم يشوهون تاريخ البادية قبل أن يسيئوا لغيرها.

لا بد للإعلام والمجتمع أن يعيدا الاعتبار لتلك القيم الأصيلة: حماية المستجير، صون الدم، وإغاثة الملهوف، بدل ترك الهوية رهينة لمن باعوا نخوتهم بثمن بخس.