بعد ابعادنا كارهين ومكرهين عن كركوك بأمر حكومي شمل اعدادا من موظفي المدينة بنقلهم إلى خارجها مع بداية خطوات تعريبها، شاءت الاقدار ان تكون إحدى ضواحي بغداد نصيبي من الإبعاد. وبعد سلسلة تنقلات بين الفنادق، استقر رحالي في احد فنادق ساحة الطيران (فندق الرافدين) الواقع في مقابل نصب السلام للفنان فائق حسن. وهذا المكان ليس بعيدا عن منطقة “المربعة” الواقعة في ركن من الشارع الرشيد التي بدأت ارتادها في عصريات كل يوم. ومرور الزمن على تواجدي المستمر في هذه المنطقة تعرفت على الكثيرين من سكنتها التي كانت في غالبيتهم نن الكورد الفيلية و المسيحيين. هؤلاء كانوا يملكون معظم المطاعم الشعبية فيها والفنادق والعطارية والمقاهي. وكنت من الرواد الدائمين لمقهى “ابو علي” الواقعة في بداية الفرع الذي يؤدي من الجهة الثانية إلى ساحة “العوينة” الشعبية على الشارع الجمهورية. وكان لي أصدقاء كثيرون من اهل المنطقة، نجلس ساعات أمام التلفزيون نتسامر ونتحدث في مواضيع متنوعة حتى الساعات المتأخرة من الليل. وكان هناك في مقابل المقهى صالون للحلاقة صغير يديره ارمني طاعن في السن يساعده ابنه البكر. واصبحت زبونا دائميا عندهم، وكنت استأنس بحديث صاحب المحل، وكان يتقن التركية، يحدثني عن ذكريات ايام صباه في أثناء حلاقته شعري، وكيف اضطرت عائلته النزوح إلى العراق والاستقرار في بغداد بعد أحداث عام 1915 المعروفة. وكان ابنه يستأنس بحديثنا، يصغي باهتمام و شغف بينما كان والده يحلقني وهو واقف إلى جواره. وفي إحدى المرات دخلت المحل للحلاقة، كان والده غائبا فتصدى هو لحلاقتي، واستغل الفرصة، وقد سلمت رقبتي له، بأن يسألني اسئلة من النوع:
كاكة، انت ليش ما يحب الحكومة؟ – قاسم كركوكي
– كاكة، انت ليش ما يحب الحكومة؟!
قالها وهو يضحك، ربما كان يسره ذلك. فوجئت بالسؤال، فأجبته:
– الحكومة هي التي لا تحبني!
فقال وقد توقف برهة عن الحلاقة وهو ينظر الي:
– كاكة، والله آني ما يصدقك!
– كيفك
عاد إلى حلاقتي، ليسألني ثانية:
– زين كاكة، انت شي يسوي في بغداد؟
– إسأل الحكومة!
ضحك، ثم عاد ليسألني وكأنه اهتدى إلى سؤال افضل:
– زين كاكة، انت وين ينام؟
– في الفندق
– وين يأكل وين يشرب؟
– في المطعم
طبعا لم يسألني (وين يحلق!)
وكان قد توقف عن الحلاقة، ثم عاد إلى حلاقتي ليسألني هذه المرة:
– كاكة، انت ما يروح يشوف أهلك؟
– بلي، اشوفهم في العطلات
– اي زين كاكة زين، آني عبالي انت ممنوع عليك يشوف أهلك.
– لا . . أشوفهم
– ها كاكة؟ لعد ليش يكول الحكومة ما تحبني؟
– لكن انا ما مسجون
– شوف كاكة، والله كلها صوجك (ذنبك)، انت ما يحب الحكومة!
– كيف عرفت؟
– لأن انت اذا يحب الحكومة، الحكومة يخليك انت يروح لأهلك.
– كيفك
ثم وهو يغير الموضوع، ليسأل
– اي زين كاكة، انت يشتغل؟
– نعم
– يشتغل شنو؟
– معلم
وكأنه فوجيء بإجابتي، فتوقف عن الحلاقة ليسألني بعدم التصديق
– انت يشتغل معلم؟!
– نعم
قال بإصرار
– كاكة، والله آني ما يصدقك!!
– كيفك.
عاد يسألني محققا
– زين كاكة، انت يعلم شنو؟
– اعلم التلاميذ اللغة العربية
و هنا وضع ماكنة الحلاقة جانبا وهو يحدق بي غير مصدق- كاكة، آني شلون يصدقك؟ انت يعلم اولاد العرب العربية؟!
– نعم، اعلمهم القراءة والكتابة والحساب والتاريخ . .
قال ضاحكة ملىء شدقيه
– كاكة، بس انت لا يزعل مني، آني ما يريد يكسر خاطرك، بس آني والله ما يصدقك!
– كيفك
وبعد الإنتهاء من حلاقتي، وقبل ان اخرج اريته هويتي، فامعن النظر فيها واعادها لي وهو يقول
– والله كاكة انت خطية!
ومع انه كان يراني وانا ادخل المقهى ومعي دائما كتب ومجلات وجرائد، الا انه ظل يتحدث معي بتلك الطريقة الطريفة التي احسب انها كانت تستهويه، ولم أكن من جانبي أبالي بها. آخر مرة تحدثت اليه كانت بمناسبة رحيل والده الطيب، وكان واقفا أمام المحل، اقتربت منه وانا أمد يدي نحوه لمصافحته معزيا
– البقية في حياتكم
صافحني بوجه حزين وهو يقول
– اشكرك كاكة، ان شاء الله يجي يوم وانت يروح لأهلك و يرتاح يمهم!
قاسم كركوكي


السيد قاسم كركوكي المحترم.
تحية.
أحسنت اختيار الموضوع وأبدعت في صياغته بالعربية العراقية المحكية. القصة الواقعية اليومية تصلح لتطويرها الى نص لمسرحية شعبية. وهي حوار بين حلاّق ارمني ابن لاجئ هرب من ابادة جماعية لشعبهم ارتكبتها الامبراطورية العثمانية التركية وكردي ضحية التعريب لحزب البعث العربي الاشتراكي في بغداد.
محمد توفيق علي
ومن قال لك أنا ما يحب الحكومة. بحياة الكورد لن يجدوا حكومة في بغداد أفضل من حكومة الشيعة خاصة حكومة المالكي الأسد الشجاع.. لكن الكورد لم يتمكنوا من فهمه
الاستاذ محمد توفيق علي المحترم
اشكرك على التعليق القيم وثنائك على اختيار الموضوع الذي نقلته من واقع الحياة في فترة زمنية معينة، وكما في اية فترة أخرى من حياة الإنسان، هناك هزل في جد، كوميديا وسط دراما، كان علي ان اعيشها واتعايش معها. تحياتي لك.
رد على حاجي علو
ومن قال لك اني قلت انك لا يحب الحكومة؟؟ هذا شيء شخصي يعود لك انت وحدك وليس لي في هذا الأمر شيء اطلاقا. اذا كنت تحب نوري المالكي؟ هنيئا لك اذن.
أنا قرات العنوان فقط. فعلا قصة حقيقية طريفة من واقع العراق لكن سخونة الأحداث جعلتني اكتفى بالعنوان وشكرا
اخي حاجي علو
انت ذهبت مذهب القائل “الكتاب يقرأ من عنوانه”، لكن ليس في كل مرة. اشكرك مع تحياتي.
السيد قاسم كركوكي المحترم.
تحية.
شكرا على استجابتك الكريمة. لم أجد ردا على اقتراحي المذكور أعلاه بتطوير مقالتك. النص المدون بالعربية الفصحى يصلح لتأليف رواية حقيقية والمدون بالعامية العراقية يصلح لتأليف مسرحية شعبية. مداولاتك مع الحلاق حدثت مرّة واحدة خلال عدّة أسابيع فكيف بالنهار كلّه في المدرسة وفي الليل في السكن في الفندق وما بينهما في المقهى أو النادي والدكاكين في السوق وغيرها! أقترح مواصلتك كتابة المقالات على هذا لأساس لحين تجميعها لاحقا.
محمد توفيق علي
الاستاذ محمد توفيق علي المحترم
فكرة جميلة لم تخطر على بالي من قبل، ويا ليتي فكرت فيها منذ سنوات. وفي ذاكرتي تختمر ذكريات تلكم الايام البائسة الضائعة هدرا من اعمارنا امتدت لعشر سنوات في رحلات يومية بين فنادق بغداد وطريق طويل نحو قرية نائية تابعة لناحية جسر ديالى. وكما تفضلت، لابد ان تكون هناك قصص الحياة اليومية يصادفها كل إنسان في المحيط الذي يعيش فيه سواء مرغما او طواعية، ولكن بالنسبة إلينا كانت المدرسة والادارة والتلاميذ وسكان القرية بحد ذاتها كافية لأن تشكل مادة خصبة لكتابة رواية وربما اكثر، ناهيك عن حياة الفنادق وما يصادفه اي مقيم فيها من احداث و حكايات عن متنوع النماذج البشرية في المجتمع الذين ساقتهم ظروفهم للسكن فيها. اشكرك على هذه الفكرة القيمة التي تحتاج إضافة، الى وقت متسع و جهد عضلي وفكري، دافع تحريضي لكتابتها.
تحياتي.
السيد حاجي علو المحترم.
تحية.
للاطلاع:
“القاضي وائل عبد اللطيف؛ رسائل سرية بين حكومة المالكي كانت قد بدأت واستمرت الى زمن حيدر العبادي والكويت مفادها :
العراق سيتنازل عن ثلاثة حقول نفطية كبرى وعدد من الابار للكويت مقابل اقراضه الاموال في مؤتمر المانحيين !!”
https://www.facebook.com/photo/?fbid=2569062026772455&set=a.175649946113687
محمد توفيق علي
السيد حاجي علو المحترم.
تحية.
للاطلاع:
“القاضي وائل عبد اللطيف؛ رسائل سرية بين حكومة المالكي كانت قد بدأت واستمرت الى زمن حيدر العبادي والكويت مفادها :
العراق سيتنازل عن ثلاثة حقول نفطية كبرى وعدد من الابار للكويت مقابل اقراضه الاموال في مؤتمر المانحيين !!”
https://www.facebook.com/photo/?fbid=2569062026772455&set=a.175649946113687
محمد توفيق علي