في ظل التحولات السريعة التي تشهدها مجتمعاتنا، يبرز سؤال جوهري حول موقع الشباب من الحياة السياسية: هل بات وعيهم السياسي في صعود، أم أن ما نراه من حراك هو مجرد تفاعل سطحي ومؤقت؟
سؤال يحمل في طياته أبعادًا اجتماعية وثقافية وسياسية، لا يمكن تجاهلها عند الحديث عن مستقبل الأوطان.
الشباب اليوم لم يعودوا على هامش المشهد، بل أصبحوا في صلبه، بفعل الانفجار الرقمي الذي قرّب المعلومة وجعلهم جزءًا من النقاشات الكبرى، من قضايا الفساد إلى الحريات، ومن المشاركة في الاحتجاجات إلى طرح البدائل عبر المنصات.
لكن، هل هذا الاندفاع يعكس وعيًا حقيقيًا؟
هنا تكمن الإشكالية. الكثير من التفاعلات الشبابية – خصوصًا في العالم العربي – لا تزال تُبنى على ردود أفعال آنية، دون رؤية واضحة أو فهم عميق لتعقيدات المشهد السياسي، وغالبًا ما يُختزل العمل السياسي في منشور أو تغريدة أو وسم ترند.
لا يمكن إنكار وجود فئة شبابية متقدمة، واعية، تمتلك أدوات التحليل والقدرة على التأثير، ولكنها لا تزال أقلية في مجتمعاتنا التي عانت طويلًا من تغييب الوعي وتفريغ السياسة من مضمونها.
الوعي السياسي لا يُقاس فقط بالمشاركة في الانتخابات أو الوقوف في ساحة احتجاج، بل بامتلاك قدرة على التمييز بين الشعارات والبرامج، بين الأصوات الصادقة وتلك التي تسعى للركوب على موجة الغضب.
ومن المؤسف أن بعض الأنظمة ساهمت في تهميش الشباب سياسيًا، عبر سياسات التوظيف الزبائني والتضييق على حرية التعبير، ما خلق حالة من العزوف أو اليأس، وهو ما يجب أن يُعالج عبر مشروع وطني يعيد الاعتبار لدور الشباب.
إن النهوض بالوعي السياسي لا يمكن أن يُترك للصدفة، بل يتطلب:
إعادة الثقة بين الدولة والمواطن.
إصلاح المنظومة التعليمية والإعلامية.
دعم المبادرات الشبابية المستقلة.
وتشجيع النقاش الحر والنقد البنّاء.
نحن بحاجة إلى شباب لا يُصفّق، بل يُفكّر. شباب يحمل الوعي لا الولاء الأعمى. شباب يدرك أن السياسة ليست امتيازًا، بل مسؤولية.
ختامًا، الوعي السياسي لدى الشباب في حالة “حراك”، لكنه بحاجة إلى رعاية لا قمع، وتوجيه لا تسفيه. فالمستقبل مرهون بمدى قدرتنا على تحويل هذه الطاقة إلى قوة بناء حقيقية، لا إلى موجات عابرة في فضاء متخم بالشعارات.

