أنكار العمليات الاجرامية من قبل حكومة الجولاني: إما أن “حكومة الجولاني” لا تسيطر على أي بقعة من الأرض، وبالتالي هي حكومة صورية، أو أن “الخارجين عن القانون” هم في الحقيقة عصابات تتصرف باسمها وبغطاء منها.

في ظل التحولات الجذرية التي شهدتها سوريا بعد سيطرة هيئة تحرير الشام (HTS) بقيادة أبو محمد الجولاني على مفاصل الحكم في مناطق واسعة من البلاد، تتصاعد التساؤلات حول طبيعة السلطة القائمة، وجدوى ادعاءات “الاستقرار” و”الحماية” التي يسوقها الجولاني، في وقت تُسجّل فيه عمليات قتل منظمة وتصفية جسدية ضد مجموعات دينية، إثنية، ثقافية، وسياسية، تمتد من حلب وادلب إلى ريف حماة، وصولاً إلى العاصمة دمشق.

الأمر المثير للجدل ليس فقط طبيعة هذه الجرائم، بل الرد الرسمي من “حكومة الجولاني”، التي تنفي بشكل قاطع أي مسؤولية، وتُحمّل “الخارجين عن القانون” مسؤولية كل جريمة، في وقت لا يُلقى فيه القبض على أي مجرم، ولا تُعلن عن أية تحقيقات جنائية حقيقية، ولا تُنشر أسماء المشتبه بهم.

تناقض لا يمكن تبريره: حكومة تدّعي السيطرة، وجرائم تحدث تحت أنفها

الادعاء بأن عمليات القتل الجماعي، والاغتيالات الممنهجة، والتصفية العرقية تُنفّذ من قبل “عصابات خارجة عن القانون”، في حين أن الجولاني يسيطر على مؤسسات الحكم، الأمن، والقضاء في المناطق التي تُحدث فيها هذه الجرائم، هو تناقض يُقوض مصداقية الادعاء نفسه.

فكيف يمكن لعصابات “خارجية” أن:

  • تتحرك بحرية في مناطق تخضع لسيطرة كاملة لهيئة تحرير الشام؟
  • تنفذ عمليات اغتيال ضد شخصيات بارزة (فنانين، علمانيين، ناشطين، قادة مدنيين) دون أن تُعترض؟
  • تستهدف طوائف محددة مثل العلويين، الدروز، الكورد، والمسيحيين، في مناطق متفرقة، دون أن تُكشف أية خلية أو تُوقف أية عملية؟

الأكثر إثارة هو أن ضحايا هذه الجرائم لا يُستثنون من دمشق نفسها، حيث تُسجّل حالات اختفاء قسري، واغتيالات لشخصيات علمانية، في ظل غياب تام للتحقيق أو الملاحقة. وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً:

إما أن “حكومة الجولاني” لا تسيطر على أي بقعة من الأرض، وبالتالي هي حكومة صورية، أو أن “الخارجين عن القانون” هم في الحقيقة عصابات تتصرف باسمها وبغطاء منها.

الاستهداف الطائفي: رسالة سياسية أم سياسة إبادة؟

النقطة الأشد خطورة في هذه العمليات هي النمط التصنيفي للضحايا:

  • العلويون: يستهدفون بوصفهم “رموز النظام السابق”.
  • الدروز: يُهاجمون في السويداء، ويُتهمون بالانتماء “لإسرائيل” أو “بالكفر”.
  • الكورد: يُستبعدون من أي تمثيل، وتُهاجم قراهم، ويُقتل قادتهم.
  • الفنانون والعلمانيون: يُصفون بـ”الملحدين” أو “عملاء الغرب”

هذا النمط لا يشبه أعمال “عصابات مجهولة”، بل يُشبه سياسة منظمة لإعادة تشكيل التركيبة السكانية والثقافية لسوريا، بما يتوافق مع أيديولوجيا الجولاني القريبة من تيار السلفية الجهادية، وإن كانت قد تخففت لغتها التصريحية في السنوات الأخيرة.

الجولاني: الحامي أم المُنظّم؟

يواصل الجولاني التصريح بأنه “يحترم جميع المكونات” و”يضمن الأمن للجميع”، لكن الوقائع على الأرض تُناقض هذه الادعاءات.
فلا وجود لمحاكمات علنية، ولا لمؤسسات رقابة، ولا لحرية تعبير. وكل من ينتقد هذه الجرائم، أو يطالب بالعدالة، يُختطف، يُعتقل، أو يُقتل.

كما أن هيكل “الحكومة” الجديدة التي يقودها الجولاني لا تمتلك أي فصل بين السلطات، وتُدار من خلال أجهزة أمنية مركزية موالية له مباشرة، مثل “هيئة تحرير الشام” و”شرطة الدعوة”، التي تُمارس الرقابة، القمع، والتصفية.

السكوت الدولي: شريك غير مباشر في الجريمة

ما يُفاقم الكارثة هو الصمت الدولي المريب. فبينما تُوثّق منظمات حقوقية مثل “العفو الدولية” و”هيومن رايتس ووتش” عمليات إعدام جماعية، وانتهاكات منهجية، لا تُصدر الأمم المتحدة أو الدول الكبرى بيانات حازمة، ولا تُطالب بتحقيق دولي.

وقد يعود هذا الصمت إلى:

  • رغبة بعض الدول في استقرار “المنطقة المحررة” لمنع عودة داعش.
  • تعامل الجولاني مع تركيا كحليف استراتيجي.
  • استخدام الجولاني كـ”ورقة ضغط” ضد النظام لينان وإيران.

لكن هذا التواطؤ الصامت لا يُبرر الجرائم، بل يجعل من المجتمع الدولي شريكاً غير مباشر في الإفلات من العقاب.

الحقيقة التي لا يمكن إنكارها: الدولة هي القاتل

في أي دولة طبيعية، تُعتبر الجريمة جريمة، ويُلاحق المجرم. لكن في سوريا اليوم، الجريمة منظمة، والمجرم هو نفسه الحاكم.

عندما لا يُلقى القبض على قاتل، ولا تُفتح تحقيقاً، ولا تُعاقب أية جهة، فهذا يعني أن الجريمة تُرتكب بإذن من الأعلى.

ومن غير المنطقي أن تُنفّذ عشرات عمليات الاغتيال في مناطق تحت سيطرة كاملة لجهاز أمني مركزي، ثم يُقال: “هذا خارج عن القانون”.

الخارج عن القانون هو من يُحرّض على القتل، ويُبيح الدم، ويُغطّي على الجناة: أي الدولة نفسها.

الخلاصة: نظام الجولاني بين “الشرعية الظاهرية” و”الإجرام المنظم”

الادعاء بأن الجولاني يُعيد بناء الدولة في سوريا هو ادعاء يحتاج إلى إعادة نظر.
فما نراه ليس دولة، بل نظاماً أمنياً مشفراً، يُمارس العنف الممنهج باسم “النظام” و”الشرع”، بينما يُغطّي على جرائم ضد الإنسانية باسم “الخارجين عن القانون”.

الحل لا يكمن في الاعتراف بحكومة الجولاني كسلطة شرعية، بل في:

  • توثيق الجرائم.
  • المطالبة بتحقيق دولي مستقل.
  • وضع قادة هيئة تحرير الشام على قوائم العقوبات.
  • دعم المقاومة السلمية والمجتمعات المدنية.
  • تجريم التعامل مع نظام الجولاني و فرض العقوبات علية من قبل السوريين و المجتع الدولي.

لأن لا يمكن أن تُبنى دولة على جماجم الأطفال، ودماء الدروز، ودمار الكورد، وصمت العلمانيين.
الدولة التي لا تحمي مواطنيها، ليست دولة. بل عصابة تحمل شعار الحكم.