العقلية الروسية- مصطفى عبد الوهاب العيسى

 

نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في إيصال الصورة التي ترغب في ترسيخها عن العقلية الأمريكية من خلال قوتها الإعلامية ونفوذ هوليوود ، وذلك لتحقيق أهداف ومصالح متعددة أبرزها تسهيل التعاملات المستقبلية مع دول وشعوب المنطقة ، وقد أسهم ذلك في ترسيخ صور نمطية غير دقيقة عن العقلية الأمريكية التي لا أراها عقلية ثابتة ومستقرة بالقدر ذاته الذي تتسم به العقلية الروسية التي بات من الضروري الحديث عنها ، وذلك نظراً لغيابها شبه التام عن أذهان مجتمعات الشرق الأوسط – ضعف التثقيف حولها – وغياب بروباجندا روسية مماثلة لنظيرتها الأمريكية للتعريف بها وتسليط الضوء عليها ، وتبرز الحاجة اليوم على مستوى الحكومات والمجتمعات في الشرق الأوسط إلى فهم أعمق ودراسات أكثر حول العقلية الروسية ، وخصوصاً بعد أن توقفت مثل هذه الجهود نتيجة تقديرات سياسية خاطئة مفادها أن روسيا انسحبت من المنطقة بسقوط النظام السوري السابق ، وأنها لم تعد لاعباً حاضراً ومستمراً في التنافس على ملفات المنطقة .

أصبحت الغاية الأساسية لمعظم الأنظمة السياسية اليوم هي تعميق التواصل مع مختلف الأطراف ، ولم يعد أمام أنظمة الشرق الأوسط على وجه الخصوص خيار سوى اغتنام الفرص المتاحة والمشاركة – ولو شكليَّاً – في هذه المحاور متعددة الأقطاب والاستفادة منها ، فقد باتت قوى المنطقة تدرك أنه من المستحيل أن تظل المنطقة خاضعة لهيمنة أمريكية أو روسية منفردة ، وأن البقاء ضمن فلك ثقافة واحدة منهما لم يعد ممكناً في ظل التحولات الدولية المتسارعة ، ولهذا يسعى الجميع إلى بناء مقاربات متوازنة مع الحليف أو مع منافسيه من القوى الدولية الأخرى .

في هذا السياق يُصبح التركيز على دراسة الذهنية الروسية أولوية ، لما لذلك من أهمية في تحقيق تواصل أكثر فاعلية مع روسيا في المستقبل ، وخاصة أن عقليات أخرى نحتاج التركيز عليها كالعقلية الصينية على سبيل المثال تبدو أكثر تعقيداً وصعوبة في الفهم والتعامل .

تُعد روسيا – كما يُفهم من دستورها وتطبيقاته – دولة فيدرالية ، علمانية ، ديمقراطية ، ذات نظام جمهوري شبه رئاسي ، تقوم على فصل السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية ، ويتولى رئيس الدولة منصب القائد العام للجيش والقوات المسلحة ، ويتمتع بصلاحيات واسعة منها حل الحكومة ومجلس الدوما ، وتحديد توجهات السياسة الداخلية والخارجية للدولة ، بالإضافة إلى ترشيح رئيس الحكومة وحكام الأقاليم والجمهوريات .

غير أن فهم العقلية الروسية يتطلب التعمق في دراسة الشعب والدولة معاً لفهم الشخصية الروسية ، واستيعاب تناقضاتها التي شكَّلت لغزاً محيِّراً لكثير من المفكرين الذين سعوا جاهدين للغوص في أعماق النفس الروسية دون التوصل إلى سيكولوجية واضحة أو هوية مستقلة متماسكة للإنسان الروسي .

مع ذلك يمكن القول – إلى حدٍّ ما – إن هذه العقلية تتسم بالوسطية ، إذ تجمع – رغم ميلها للشرق – بين عناصر من الشرق والغرب .

تأثرت العقلية الروسية تأثراً عميقاً باعتناق المسيحية وانتشارها ، واستندت في جوانب عديدة منها إلى الحضارة الأوروبية (الفرنسية خاصة) ، وقد تبنت روسيا النمط الغربي بوضوح خلال عهد القياصرة ، وبخاصة في عهد بطرس ، وسعت إلى تحديث مؤسساتها وفق النموذج الأوروبي .

غير أن هذا التوجه الغربي لم يلغِ التأثير الشرقي الراسخ الذي تجلَّى بوضوح في نمط الإدارة والسيطرة ، وهو ما يُعزى ربما بشكل كبير إلى الغزو المغولي الذي ترك بصمة قاسية في الوعي الروسي وانعكاساته على السلطة وأساليب الحكم والإدارة .

لاحقاً ، أسهمت مجموعة من الأحداث الكبرى في تشكيل العقلية الروسية الحديثة ، ومن بينها الحرب العالمية الأولى ، والثورة البلشفية ، والحرب العالمية الثانية ، وأخيراً الحرب الباردة ، وقد تركت هذه المحطات التاريخية أثراً بالغاً في تكوين الشخصية السياسية الروسية كما نعرفها اليوم .

كل ذلك أدى إلى نشوء حالة أشبه بالانفصام في الهوية الروسية – إن صح التعبير – حيث الحنين إلى روسيا القيصرية من جهة ، وإلى الاتحاد السوفيتي من جهة أخرى ، وربما يفسِّر هذا التناقض الظاهر في بعض التصرفات السياسية الروسية أحياناً ، وتبدُّل التحالفات أو غموضها في أحيان أخرى .

وبما أنه يتعذر الإحاطة بكل الجوانب المتعلقة بالعقلية الروسية في مقال واحد ، فإننا سنركِّز على جانبين أساسيين – العقلية النفسية والعقلية السياسية – يُعدَّان من أهم الأدوات لفهم هذه العقلية ، لما لهما من دور محوري في تفسير السلوك الروسي ، وفهم ماهية روسيا بشكل عام .

فيما يتعلق بالعقلية النفسية ، ونظراً لما يتسم به هذا المفهوم الفضفاض من تشعب واتساع ، لا بدَّ من الإلمام الجيد بكل ما تحمله الثقافة والقومية الروسية من معانٍ ودلالات ، ويقتضي ذلك فهم العناصر الأساسية التي تُشكل هذه العقلية مثل التقاليد والبيئة والطبيعة ، والأهم من ذلك اللاوعي الجمعي الروسي وطريقة التفكير الخاصة بالفرد الروسي .

ولا بُدَّ عند التعامل مع الروس بشكل عام من التدرب على التمييز بين الشخصية الروسية ونظيرتها الغربية ، إذ يقع كثير من أبناء المجتمعات الشرقية – علاقات ولقاءات المسؤولين السياسية والدبلوماسية – في خطأ كبير حين يعاملون الروسي وكأنه غربي أو أجنبي ، فيُظهرون طابعاً غربياً في سلوكهم وعقليتهم بدافع التقرب والتودد ، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج عكسية .

تتسم العقلية الروسية النفسية بطابع جماعي لا فردي ، وهو ما يميزها بوضوح عن العقلية الغربية ، وينعكس هذا الاختلاف في التصورات والمفاهيم المتعلقة بالحريات والحقوق والديمقراطية ، فعلى سبيل المثال يُلاحظ تمسُّك الروس بتقاليد العائلة بصورة أكبر مقارنة بالمجتمعات الغربية ، حيث تغلب على العقلية الغربية سمات الانضباط والدقة والمنهجية حتى في ما يتعلق بالعلاقات الشخصية والعائلية ، وتكون في الغالب ذات طابع عملي ، أما في المجتمع الروسي فنجد الأعباء الاجتماعية والوظيفية مثلاً تقع على عاتق الرجل بدرجة كبيرة على نحوٍ يُشبه المجتمعات الشرقية عموماً .

أما فيما يتعلق بالعقلية السياسية ، فهي أقل تعقيداً من نظيرتها النفسية ، وذلك بعد أن تمكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سياق سعيه لإحياء قيصرية حديثة من بلورة هوية سياسية جديدة لروسيا – مجازاً يُطلق عليها البعض اسم “البوتينية” – باعتبارها مشروعاً يجمع بين الإرث القيصري والإرث السوفييتي .

وفي خضم التخبط الجغرافي والتيه الإيديولوجي ، وجدت روسيا نفسها من خلال إبراز أهمية البعد الديني (الأرثوذكسي) – كملاذ أخلاقي وتاريخي – قادرة على تجاوز تناقضاتها الداخلية ، وقد أسهم هذا التوجه في صياغة إيديولوجية جديدة للكرملين وللدولة الروسية عموماً ، تقوم على أسس أخلاقية مغايرة لما عرفته البلاد في تجاربها السابقة ، سواء في ظل الشيوعية أو الفاشية أو حتى الليبرالية التي وُصفت بالفاشلة خلال عهد بوريس يلسن .

ويمكن فهم ملامح هذه الإيديولوجية بشكل أعمق من خلال التعمق في “النظرية الرابعة” لألكسندر دوغين ، والتي تمثل إطاراً فكرياً شاملاً لرؤية روسيا الجديدة والمستقبلية لسنوات سياسياً وجغرافياً واقتصادياً .

وهنا لا بد من الإشارة ، وبشكل خاص للمهتمين بدراسة العقلية الروسية أو المتعاملين مع الروس سياسياً ودبلوماسياً إلى أن الاكتفاء بفهم “النظرية الرابعة” لا يكفي لفهم العقلية السياسية الروسية ، بل يتوجب متابعة شخصيات بارزة مثل ألكسندر دوغين (راسبوتين روسيا الجديد) ، ودراسة أفكاره وكتاباته بشكل دقيق ومعمَّق ، فهي تختصر الكثير من الوقت والجهد لفهم بنية التفكير الروسي ، وقد ذهب عدد من الصحف العالمية والمحللين الغربيين إلى اعتبار دوغين بمثابة الـمانيفستو الذي يمكن من خلاله فهم كيف يفكر بوتين ، وإلى أين تتجه السياسة الروسية في المستقبل .

تتميز العقلية الروسية ، ولا سيما في شقها السياسي ، بتفوقها على العقلية الأمريكية من حيث الوصول إلى شكل وهوية شبه مستقرة ، في حين ما تزال العقلية الأمريكية متخبطة بين قطبي الحزبين الديمقراطي والجمهوري دون بلورة واضحة لهوية موحدة ، وقد أشار المفكر صامويل هنتنغتون إلى هذا الإشكال في كتابه “من نحن Who Are We” ، وهذا التذبذب في تحديد الهوية والعقيدة قد يُفضي تدريجياً إلى تراجع تأثير العقلية الأمريكية ، وهو ما يحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مواجهته وإعادة ضبطه .

في المقابل روسيا قطعت شوطاً كبيراً في سباقها نحو ترسيخ عقلية وهوية مستقرة ، وهو الأمر الذي سينعكس على استقرار سياسي واجتماعي أوسع .

تتسم العقلية الروسية رغم طابعها المحافظ مقارنة بالعقلية الغربية بمرونة ملفتة للنظر وبراغماتية عالية ، وخاصة في تعاملها مع الأديان والقوميات والأقليات في روسيا ، وتسعى هذه العقلية إلى النأي بروسيا عن الغرب ، وخاصة الولايات المتحدة من خلال بناء حواجز ثقافية وفكرية تمنع الاندماج الكامل مع النموذج الغربي ، ومع العمل في الوقت ذاته على إرساء دعائم المشروع الأوراسي – وإن كان بطيئاً –  الذي تتحقق فيه السيطرة الروسية ، وتبرز فيه حضارة جديدة ذات توجهات أوراسية واضحة ، ويكون فيها للثقافات والقوميات الشرقية الغلبة ـ ولو بشكل رمزي ـ على القيم الليبرالية الغربية .

لا يمكن القول إن الولايات المتحدة قد انتصرت ، ولا أن روسيا قد هُزمت في هذا الصراع الممتد من عقود ، والذي سيبقى مستمراً لسنوات ، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط ، وإن كان التفوق في العقلية لا يبدو ملموساً ومرئياً كالتفوق العسكري أو التقني ، فإن أثره سيظهر بمرور الزمن ، وسيشكل فارقاً حقيقياً على مختلف المستويات .