نَصّ منشور المُسيَّرَة، إلى آخر أحفاد حنظلة- محمد عزت علي الشريف

 

على مَنطِقِكَ في الحرِّيّة/ حسناً.. أنت حُرّ.

فاختَر لنفسِكَ، و بحُرِّيّة/ طريقةً تروقُ لك في الموت..
هذا أوانُ الاستسلام.
لم يَعُد أمامك حلولٌ وسطى/ قتلنا الأهلَ والصحبَ والأحباب/ و كَفَّنَّا في إهاب جلودهم ضمائر كل العُربان.

ورسمنا طقوس الحج و أزمنة الصوم ونَفَينا الفجرَ، وليالٍ عَشْر/ والشَفْعَ و الوَتْرَ/ ونقّحنا آي القرآن.
و سَبَيـْنا بثوبِ زفافها ريڤيرا الشرق/ وضَرَبنا في عمق العمق/ فإذاهُ مَرَج البحر وماء البِئْرِ رَهْنَ الأمر يلتقيان.
ونَعلمُ يا أنتَ، أنّ الدماءَ غاليةٌ عليك، و الأرضَ، والماءَ، والتراب.
فكفاك تَزيد الطينَ بِلّة..
وتغرس في بستان الفَرحِ شَتـْلَةَ الأحزان.
ألا .. فاستر عارَك واحمل عصاك وارحلْ.
أو فاقبل فروضَ الطاعةِ..
وأعلِن طقوس الاسترحام!.
نعلم أنك حُرٌّ، حرّ ..
إن لم يكن واقِعَ أمر/ فواقعَ طبْعٍ، و فطرةٍ، وجينات.
كان أبوك من قبلك حرّاً.. وجَدُّك حرّاً..
ورَكِبَ كُلٌّ رأسَه، ومات.

وما كنتَ يوماً نسيجَ وحدك/ وما أشبه اليوم بالبارحة.

 يا هذا، يا بن الذوات..
الآن، الآنَ جاءَ دَورُك..
فأين تذهب هذا المساء؟
كيف تَنفدُ بجلدِكَ/١ وتحفظُ أَنَفَتَك؟!
كيف بالله عليك؟
و كمْ تُساوى ـ بالدولارِ ـ عِزَّةُ نفسِك؟!
أنت يا بن أبيك المغبون من قبلك..
ماذا نفعل لأجلك ؟
ـ لماذا، ومن أجل ماذا تهونُ عليك نفسُك؟
ـ حرية، وأنفة؟! و قِيَمٍ رخيصةٍ، زائفة؛ كقيمة الدريهمات المحلية، الصدئة؛ التي في جيبك؟!
أسألكم بالله عليكم، يا أنتم ..
أسألكم.. و أعجب لكم..
يا لسرّ اندفاعكم هذا النَزِقِ المتهور للتضحية بدمكم وأنفسكم! – و مِن أجل ماذا؟! ـ لا شيء!.
يا أنتم ـ الأحرار ـ يا أعداء الحياة:
ـ لماذا تبيعون الحياة؟!
ـ و بماذا تبيعون؟
ـ بالحرية؟! ـ و أيّ حرية لكم في الموت؟! أليس في حظائر العبيد التي سُقْـنا الناس إليها ـ مُلتَجأً لكم و حريّةً ـ أم هو التابوت، و خيار المقبرة؟
أين تذهبون يا شرذمة؟.
ـ خَطفْنا الثورة، ومكاسبَها و رموزَها الأبطال/ و شربنا دماء الشهداء.
ورابطّتم جوعاً، وعطشاً، و رَهقاً، و قتلنا في الليل وفي رابعةَ النهار- قتلنا الرجال و الأطفالَ، وسَبَيْنا رُغمَ أنوفكم حياء النساء.
و في رمضان، منعناكم القيام في المساجد، و في العيد حرقناكم و المساجد.
فأين أيها الجبابرةُ؟!
أين أيها المساكين؟
ـ أين تذهبون؟!
لن نُسَلِّمَكم حتى أشلاءَ قتلاكم الذين أكلت جلودَهم النارُ في الميادين؟
لن نُسلمكم حتى حفنة من رَمادِهم أو تصاريح دفنهم حتى تنصاعوا إلى التوقيع على التقرير..
ما لكم لا تسمعون يا أنتم يا آل الشهداء المنتحرين بتاريخ اليوم التالي للقتل..
أفلا تُصدِّقون؟!
ـ نعم، وبنفسِه..
قتل كل شهيدٍ نفسَه في الأسْر..
بثلاث رصاصاتٍ غَدرْ ..
واحدةٍ في الرأس، و الأخرى في الصدر، والثالثة برسم الموت..
ـ عُودوا إلى رُشدكم أيها الحمقى.. واقبلوا بهامش الحرية التي قبَلها من قبلِكم شهداؤكم العقلاء..
و اختاروا لأنفسكم قتلة ..
نحن في دولة الحريات/ كلٌّ منكم بلا استثناء مواطن حرّ،
لا أحد سيفرض عليكم طريقةً للموت ـ إلاّ إذا تلكأتم أنتم في اختيار الطريقة..
إذن؛ نحن نهديكم في الموت ألفَ طريقة.
لا ثمة لدينا وقت للتلكؤ أو المناورة / لا ثمة وقت ..
القطاع محاصَرٌ من كل جانب / وضاعت عليكم كلُّ فرصة للحلّ/ و آن أوان الاستسلام.!
أنتم ـ حتماً ـ ميّتون ـ كما أهاليكم الذين سبقوكم إلى القبور ..
إن لم يكن بالنار فبالحصار والجوع..
و إن تستغيثوا، لا أحدَ بالعالمِ سيسمعُ صراخَكم، والعربان في موات.
وإعلامنا يعرف متى يَصحو و ينشَط ومتى يَبلعُ لسانَه، ويُغمِضُ عينيه، و يروح في سُبات..
سنكسر رؤوسَكم في الميادين، و أُنوفكم في المحاكمات،
أمّا الآن .. فليس أمامكم ثمة طريقٌ غير الطريق المُؤدية إلى حظائر النوم قبل أذان المغرب.
ماذا تنتظرون بعد.. وقد خَفَّضنا لكم فروضَ الطاعة إلى ثلاث صلوات؟!
فليَعُد كلٌّ إلى بيته قبل الليل بساعات.
وإن جاء أحدَكم الموت/ و جاءت ملائكة السؤال:
فليقل للربّ: قد عجِلتُ إليكَ ربي
من قبل حظر التجوال.!.
لا تنطقْ حرفاً أكثرَ ـ يا أنت البعيد ـ يا لسان السَوءِ/ يا بن اللئام..
هذا زمان القهرِ، و الجبن، و الخَرَسِ الزؤام..
واعلم أبد الدهرِ، و منذ الآن..
قد نضطر لقطع مياه البحر وتجفيف النهر، و ترشيد الكهرباء ..
و ستنفد حتماً إن عاجلاً أو آجلاً مذاخر الدواء، وآخر أرصدة الهواء..
و كما رصيد العَيشِ لديكم.. تَزهَقُ أرواحُكم
ويَنفَدُ فوراً رصيدُ الكلام!.

(أديب وكاتب رأي مصري)