حوار حول اللامركزية- د. عبدالباقي مایی

 

١٣\٨\٢٠٢٥

ورد فی صفحات الفيسبوك هذا الحوار الذی أجده مفيدا فی توضيح إختلاف النظر السیاسی عن النفسیإجتماعی لموضوع مهم فی خضم الأحداث الراهنة فی سوریا والشرق الأوسط عامة، وفهم الإدارة الذاتية فی شمال وشمال شرق سوریا “روژئاڤا” بصورة خاصة، من وجهة نظر سیاسیة وأخرى نفسیإجتماعیة:

یبدأ الحوار بهذا المدخل الشیق علی صفحة فيسبوك لكادر سیاسی شاب مهتم بما یحدث حالیا فی “روژئاڤا”:

– دمشق تغيّر لهجتها… لكنها لا تغيّر جوهرها.

تصريحات الحكومة السورية عن “الإيمان باللامركزية الإدارية” ورفض “اللامركزية السياسية” ليست خطوة نحو الحل، بل إعادة إنتاج للمركزية المطلقة بواجهة جديدة.

هذا الخطاب يخدم تمامًا الخط الأحمر التركي، ويتماشى مع الصيغة الروسية لدمج الشمال الشرقي في الدولة المركزية دون أي اعتراف بالحكم الذاتي أو الحقوق السياسية.

باختصار: يريدون إدارة خدماتية بلا قرار سياسي، سلطة محلية بلا سلطة فعلية… مجرد قشرة لتجميل احتكار القرار في دمشق.

الحقوق السياسية لا تُختزل في بلدية أو مديرية خدمات، ومن يقبل بذلك يسلّم مفتاح بيته للمركز ويكتفي بمفتاح الخزانة.

 

یعلق الإخصائی فی الصحة النفسیة بهذا السۆال:

– كيف يمكن أن نرى هذا التغيير في منظار إيجابي دون تسييسه؟

فیجیب الكادر السیاسی بهذا التوضيح:

– كيف يمكن فصل السياسة عن تغيير لهجة دمشق وهي دولة بنيت على السياسة أصلاً؟

حتى “اللهجة” في خطاب السلطة ليست لغوًا عابرًا، بل أداة سياسية، فإذا تغيّر الأسلوب فذلك يعكس حسابات ومصالح، لا نوايا بريئة.

من يطلب قراءة هذا التغيير بمعزل عن السياسة، كمن يطلب فهم المطر دون الحديث عن الغيوم.

فیرد الإخصائي فی الصحة النفسية:

  • شكرا علی التوضیح. هذا هو المنظار السیاسی لموقف السلطة كما تفضلت بمثابة مطر “الإدارة الذاتیة” بإعتباره ینزل من الغیوم “سلطة دمشق”، فلا وجود لمطر دون غیوم. ولكن وجود الغیوم لا یعنی دائما وجود للمطر. إذا یمكننا أن ننظر للمادتین بصورة منفصلة، أی يمكننا رۆیة المطر والإستفادة منه دون أن نلزم أنفسنا بفهم تواجد الغيوم ، فالغیوم “سیاسة السلطة” لها وجود مادی مستقل وإن كان القصد منها سقوط المطر”الإدارة الذاتیة”. لا داعی لتحلیل ونفسیر ماهیة تواجد الغیوم مادامت تزودنا بالمطر، فالمطر هو المطلب النهائي لشعب روژئاڤا. ولكننی أری الموضوع من زاویة نفسیإجتماعیة فأستطیع أن أعطی تفسیرا إیجابیا لهذه الأمطار دون أن أبالی بفهم الغیوم. مهما كان قصد السلطة من هذا الإجراء یمكننا الإستفادة منه مادام یأتی بتصریح فی الإتجاه الصحیح وهو أن یسمح بإستقلالیة النظام الإداری. مهما كانت نیة السلطة السیاسیة فی دمشق من هذا التصریح – إن كان صحیحا – فإن قبولها بنظام إداری ذاتی وفق ما یریده الشعب فی منطقة الإدارة الذاتیة أمر إیجابی یمكن للإدارة الذاتیة فی روژئاڤا أن تعتمد علیه فی الإستمرار علی نهجها الصحیح الذی أثبت نجاحه منذ تأسیسه فی سنة ٢٠١٢ لحد الآن رغم العراقیل والتحدیات. لذلك یستحق هدا النموذج تسمیته “عابر الأزمات”.

بما أن نموذج روژئاڤا بنی علی أسس المقاومة السلمية فی الشخصية السليمة للفرد يمكننا الإعتماد علی هیكلیة هذا النظام و تمتعه بالصفات الضرورية والصالحة للبقاء والصمود والتطور وفقا لنظریة داروین  (١٨٠٩ – ١٨٨٢ ) فی تطور الأجناس . لأن هذا النموذج هو الفرید من نوعه الذی نتوجه إلیه بآمالنا وتمنياتنا لبناء مجتمع متطور قابل لإختيار سياسته الملائمة.