كيف تفهم المجتمع الدولي ومن يتحكم به  – الاستاذ الدكتور خليل شمه

 

عادةً تٌدغدغ مشاعر المواطن “الساذج” وتتفتح اساريره فرحا وبهجة عندما يطرق سمعه الكثير من صيغ مشلولة بل عقيمة تتعلق بحملات الادانة والاستنكار ازاء جرائم إبادة وتطهير عرقي بحق الشعوب المغلوب على أمرها والمغتصب ثرواتها. حملات يطلقها “المجتمع الدولي” كأنه ليست بالقوة الخارقة لدحر القوى المعتدية فحسب، بل السلاح القادر للقضاء على اجتثاث كل بؤر الاعتداء الظالم والسائد داخل المجتمع الدولي ذاته. هكذا يفهم المواطن العالمي الساذج منطلقات ومواقف ما نطلق عليه بالمجتمع الدولي.

ففي العقود الاخيرة وبعد تحكم الولايات المتحدة الامريكية بمقاليد العالم بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت مصطلحات ذات طابع دولي يصعب على المتابع الكشف عن مكنوناتها التثقيفية والتوعوية لاتنتشارها الواسع اعلاميا والمستغلة سياسيا من قبل صانعي القرارات المتعلقة بالشأن العالمي، ومفهوم المجتمع الدولي هو احد هذه المصطلحات والمفاهيم التي فرض تداولها في الشأن الدولي على المواطن العالمي اليوم.

في هذا السياق نتحسس سؤالا طالما طرح نفسه: “هل يا ترى المجتمع الدولي مرآة واقعية ام خادعة تعكس اهداف واجندات القوى المهيمنة على الجمعية العامة للامم المتحدة لخلط الاوراق السياسية على المواطن البسيط في افريقيا او الشرق الاوسط، الذي طالما عاش ويعيش المآسي والكوارث والحروب والجوع والحرمان والتهجير لغاية اليوم؟؟؟؟. وهل المجتمع الدولي يمثل بحق مشاعر وآلام وطموحات المواطن العالمي كي يتسنى لي ولك الرجوع الى مثل هذا التنظيم الهلامي عند الحاجة او عند الطلب اليه كي يدافع عن حق وجوده، او عن حق تقرير مصيره كما يحدث في فلسطين المحتلة؟؟؟. وكيف يمكن للمجتمع الدولي ان يتقبل فرض عقويات، واكثرها قاسية، على دول العالم الثالث وحتى على العالم الصناعي المتحضر من قبل دولة وحيدة هي الولايات المتحدة الامريكية دون غيرها؟. ومن اعطى الحق لأمريكا في فرض العقوبات على شعوب وحكومات تصارع التخلف والجوع والاضطهاد. وكيف لنا من فهم هذا المصطلح من انه ممثلا او وكيلا للمجتمع الانساني وهو مجرد من الشعور الانساني، او أليس هو تلك الاداة التي تستغل من قبل قوى صاحبة النفوذ والهيمنة على مقدرات الشعوب لنهب ثرواتها واستعباد مواطنيها ليظهر بالتالي كالمصلح كالملاك الذي بعثه حراس الارض من الراسماليين الطغاة وتجار الحروب وخالقي الفتن العرقية والمذهبية!!!.

يذهب البعض الى طرح مفهوم “المجتمع الدولي” باعتباره واحدة من أدوات الاستخدام (التحكم) في مجال العلاقات الدولية، مشيرين وبشكل مطلق الى اشخاص وثقافات وحكومات عالمية تتولى مهام والتزامات انسانية في إتخاذ اجراءات ضد القمع السياسي لحماية حقوق الإنسان كواحدة من السمات الكونية لسلطة عليا تفرض إرادتها على الدول الاستعمارية المستبدة، او كناظم للعلاقات بين الدول التي بموجبها تحدد القواعد والمبادئ في مجال حقوقها والتزاماتها!!!!.

أن الملفت للنظر هو التطور المستمر في طبيعة واهداف المجتمع الدولي، حيث تستحدث قضايا وثقافات وعقائد متنوعة تصاحب المتغيرات الجيوسياسية التي نشهدها في عالم السياسة مما يجعل العلاقات الدولية معقدة ومتشابكة كالحرب الروسية الاوكرانية وصراعات الشرق الاوسط وغيرها. وهو الامر الذي يدعونا الى اعادة النظر في طبيعة ومهام ونشاط المجتمع الدولي الخاضع لإملاءات الغرب بزعامة الولايات المتحدة الامريكية وابواقها الاعلامية والدعائية.

فعليه من الضروري أن نضبط بدقة مفهوم مصطلح “المجتمع الدولي” خاصة في ظل تعدد المصطلحات المستعملة المشابهة له والتي قد تستعمل لتؤدي في غالب الاحيان نفس المعنى، ومن بين هذه المصطلحات المتداولة بكثرة نجد مصطلحي”الجماعة الدولية” و “الاسرة الدولية”.

وهنا يمكن القول ان مصطلح المجتمع الدولي لا يعني انه يجسد المجتمع العالمي على انه متكون من شعوب مختلفة (دول) لا تربطهما علاقات متنوعة مادية او معنوية فحسب بل هو مجتمع متكون من وحدات سياسية مرتبطة بل متشابكة فيما بينها كالمنظمات الدولية والحراك الوطني التحرري ودور الشركات متعددة الجنسيات وكذلك الافراد. نستنبط من ذلك ايضا ونقول ان الدول هي التي تشكل البنية الاساسية للمجتمع الدولي، وان سيادتها الوطنية والقومية وجب احترامها وفقا لكل المواثيق والاعراف الدولية وبعكسه سيكون المجتمع الدولي عاجزا عن اداء واجبه الاساسي في خلق الظروف الايجابية في إقامة التعايش السلمي في العالم او في مساعدة الشعوب في تنمية قدراتها الاقتصادية والاجتماعية بدلا عن تطبيق المعايير الازدواجية او علاقات على اسس غير عادلة او استخدام القوة من خلال اللجوء الى الحروب لتحقيق المصالح او الوصول الى غايات معينة في التعامل مع دول ذات سيادة واستقلالية وبعضوية كاملة في كل المحافل الدولية وبمقتضى القانون الدولي. فتباً لمثل هذا المجتمع الذي لا يمثل إلا نفسه.