لم تكن العلاقة بين العقلية العربية والسياسة يوماً علاقة سهلة أو مستقرة. فقد تشكّلت هذه العلاقة تحت وطأة تاريخ طويل من الاستعمار، والحكم الفردي، والانتماءات الأولية، والاضطرابات المستمرة، الأمر الذي خلق عقلاً سياسياً مشحوناً بالحذر، والولاء، والانفعال، أكثر من كونه عقلاً عقلانياً يبني على التفاوض والتعاقد والمشاركة. فما ملامح هذه العقلية؟ وكيف تكيفت مع أنظمتها السياسية؟ وهل من أفق لتحولها نحو عقلية مدنية حديثة؟
الزعامة لا المؤسسات
يميل المواطن العربي – تاريخياً – إلى شخصنة السلطة وتقديس الزعيم، أكثر من ثقته بالمؤسسات. يظهر الحاكم غالباً بصورة “الأب” أو “المنقذ”، في علاقة عمودية قائمة على الولاء والطاعة، لا على التعاقد والمساءلة. هذه الزعامة الرمزية تقف عائقاً أمام بناء ديمقراطية مؤسسية، وتعيد إنتاج الاستبداد حتى في لحظات الثورة.
القبيلة أقوى من الدولة
لم تنجح الدولة العربية الحديثة في تفكيك البنية القبلية أو الطائفية، بل كثيراً ما أعادت إنتاجها وتوظيفها سياسياً. فظل الانتماء إلى الطائفة أو القبيلة أو الجهة أقوى من الانتماء إلى الوطن. هذه الولاءات الجزئية تقوّض فكرة الدولة الوطنية الجامعة، وتحوّل السياسة إلى ساحة صراعات هوياتية لا برامجية.
السياسة بوصفها لعبة خطر
في ظل أنظمة مغلقة وأجهزة أمنية حاضرة بقوة، ترسّخ لدى المواطن شعور بعدم الأمان السياسي. فصار يتعامل مع السياسة بحذر وريبة، أو ينسحب منها كلياً. وهذه البيئة أدت إلى ازدواجية واسعة: طاعة ظاهرية للسلطة، ورفض باطني لها، ما أفرز خطاباً سياسياً مشوشاً ومتردداً.
براغماتية البقاء
في غياب الآليات الديمقراطية، تكيفت المجتمعات العربية مع الواقع عبر “البراغماتية الدفاعية”: إما بالصمت، أو بالهجرة، أو باستخدام وسائل التعبير البديلة كالفن والإعلام والديانة. وبدلاً من الضغط لتغيير البنية السياسية، لجأ كثيرون إلى الخارج أملاً في “الخلاص” – سواء عبر التدخلات الأجنبية أو حتى النموذج الغربي.
أزمة البديل: من القومية إلى الإسلام السياسي
مع تراجع المشاريع القومية واليسارية، عاد كثير من العرب إلى الإسلام السياسي كبديل يحمل وعد “العدالة” و”الهوية”. لكن سرعان ما أعادت حركات الإسلام السياسي إنتاج منطق الغلبة والاستئثار ذاته، ما كشف هشاشة البنية السياسية لا في النظام فقط، بل في “العقل السياسي الجمعي” ذاته.
من العقل الغريزي إلى العقل المدني
السؤال المركزي اليوم ليس في “نقد العقل العربي” فقط، بل في كيفية إعادة بناء شروط التفكير السياسي العربي. وهذا لا يتم إلا من خلال:
1. تعزيز المواطنة على حساب الهويات الفرعية.
2. بناء مؤسسات مستقلة تقوّض الزعامة الفردية.
3. تعليم نقدي يعلّم التفكير لا التلقين.
4. فصل الدين عن الدولة، لا عزله عن المجتمع.
5. اقتصاد إنتاجي يُخرج السياسة من منطق التبعية.
العقلية العربية ليست ثابتة أو قدراً محتوماً، بل انعكاس طبيعي لشروط بيئتها السياسية والاجتماعية. وإذا كانت هذه البيئة قد أفرزت سلبيات عميقة في نظرة العربي إلى السياسة، فإن تغييرها سيُفرز أيضًا تحولًا إيجابيًا في الذهنية. فكما أن الاستبداد يُعلّم الطاعة، فإن الحرية تُعلّم التفكير.

