صمت المصالح وجدار الثلج- د. عبدالباقي مایی

 

١٦\٨\٢٠٢٨

يوماً بعد يوم یزداد عمق العلاقة بين تركيا و إقليم كوردستان العراق، لكن مضامين وأهداف هذه العلاقة تبقى محجوبة خلف صمت المصالح التركية المبنية على جدار الثلج الذی یتكون منه هيكل الأقلیم فی خدمة المصالح الأجنبية، فلا أربيل تصرّح بهذه العلاقة المبنية علی عداوة تركيا المعروفة ضد الكورد و كوردستان ، ولا أنقرة تفصح عن عملياتها فی الحرب النفسية و غسل الدماغ الكوردی. وكأن السرية ذاتها باتت جزءاً من الإتفاق غير المعلن بین الطرفین. السؤال المهم هو: لماذا كل هذا الكتمان؟ ولماذا تُدار العلاقة في الخفاء لا في العلن؟

الجواب يكمن في مثلث نفسيإجتماعی شديد التعقيد: الخوف والخجل والخطیئة:

الخوف فی السياسة الفاشلة

أنقرة تخشى أن يرى شعبها تناقضها: قمع دموي مستمر للكورد في الداخل والخارج، وتعاون مع سلطة تحمل اسم “كوردستان” علی حدودها. وأربيل بدورها تخشى غضب شعبها الذي ما زال يحمل جراح الإحتلال ويحتفظ في وجدانه بحلم الاستقلال الذي عبّر عنه الاستفتاء رغم كل الضغوط. لكن الخوف تحوّل إلى أداة سياسية لصالح تركيا: الإعلام، والفن، واللغة، والاقتصاد باتت أدوات إختراق ناعمة في المجتمع الكوردي فی الأقلیم، حتى بات بعض الكورد يرى الصداقة مع تركيا أهم من صون وحدة أرض و شعب و قوی كوردستان التی لازالت مقدسة لدی الأغلبية من الكورد أينما وجدوا، بالرغم من السياسة الفاشلة فی الأقلیم.

الخجل فی ضعف بغداد

مهما اتسعت صلاحيات الإقليم نظریا أو كتابة فی الدستور العراقي الغامض، يظل هذا الأقلیم غارقا فی وضعه المخجل حبرا علی ورق بكونه جزء لايتجزأ من عراق مركزی ضعيف لا یخفی مساعیه الخجولة فی محاولاته المتصاعدة لإعادة الإقليم إلی حضنه الهش. ومن هنا، فإن اتفاقيات الأقلیم المباشرة مع أنقرة تجري فی جو من الخوف والخجل لأن قیادة الأقلیم تعرف بأن هذه الإتفاقات تفتقر إلى الغطاء القانوني ولذلك تخاف هذه القيادة و تستحی من إعلانها علی الشعب. لكن ضعف بغداد التأریخی وعجزها الحالي عن مواجهة الوجود العسكري التركي، يسهلان تمرير هذه العلاقات بعيداً عن الأضواء. والخوف والخجل یغطیان أیضا التصرف التركي المذل لكل من بغداد وأربيل. أما القوى الدولية التی أسست هذا الأقلیم من أجل مصالحها، فهي تراهن على الكورد كورقة مستقبلية، لكنها لم تمنح الأقلیم الثقة الكاملة بعد أن جربت قيادته أكثر من ثلاثین عاماً من الدعم دون أن تحسم الموقف، والإقليم ما زال أسير اختبار طويل و معلّق.

الخطیئة فی ذاكرة لا تموت

الإحتلال المثقل بالجرائم والخطايا ضد الكورد و كوردستان لا يورث ثقة الشعب المضطهد مادام الشعب یعانی من ذكرياته الأليمة تحت الإحتلال. الشعوب تعرف أن الغازي لا يأتي إلا لمصالحه والمحتل لن يرحل طواعية. لذلك تبقى الذاكرة الحیة الأليمة لدی الشعب المناضل تزوده بالخائات الثلاث (الخوف والخجل والخطیئة) إلی یوم التحریر وتقریر المصیر بإعادة جمیع حقوقه من معالجة للجروح وتعويض عن الخسائر واعتراف دولي جدير به وبشهدائه ودمائه. أما إرتكاب الجرائم و الخطايا من قبل الحكومات الشوفینیة المتتالية فی تركيا وإیران والعراق و سوریا ضد الكورد وكوردستان فلابد منه أن يؤدي فی النهاية إلى الشعور بالذنب والخجل لدی سلطاتها، وكذلك الخوف من الإنتقام نتيجة جرائم الإحتلال.  لذلك تبقى العلاقة بين أربيل وأنقرة أیضا محفوفة بالريبة والخوف والخجل والخطیئة. فالشعب يدرك أن الاستقرار الاقتصادي لا يعادل الحرية، وأن السلطة التي تراهن على المحتل تخسر ثقة أبنائها قبل أي شيء آخر.

جدار الثلج ینهار

الخوف و الخجل و الخطیئة كلها تبني جداراً من ثلج فی تكوین شخصية الفرد والمجتمع. قد يبدو متماسكاً، لكنه ينهار أمام نسمة صادقة من الشفافية والصراحة، وأمام إرادة شعب يقرر أن يواجه مصيره بوضوح. حينها فقط يذوب الثلج، وتنكشف الأرض الصلبة التي يمكن أن تُبنى عليها كوردستان حرة، وشرق أوسط أكثر عدلاً واستقراراً. فالتاريخ شاهد: كل قوة غازية رحلت، وكل شعب أدرك قيمته قرر مصيره بيده.