بناء التعايش یبدأ من الطفولة- د. عبد الباقي مايي

 

٢٦\٨\٢٠٢٥

قبل فترة قمت بزيارة إلی مدینة ستوكهولم فی السويد بواسطة القطار. عندما جلست علی مقعد كان فارغا رأیت علی یمینی رجلا أسود البشرة كان یجلس مع إمرأة بجانبه الآخر أكثر منه سوادا كانا مستغرقن فی حدیث یفوح بالود، و یبدو أنه نابع من القلب، شیق ملئ بالضحك والإبتسام والحب والحنان، ولو أن اللغة التی كانا یتحدثان بها تبدو بالنسبة لی عدیمة المعنى لكونها كانت لغة غريبة علی سمعی لم أفهم منها شيئا، ولكنني استنتجت من مظهرهما بأنهما أجنبيان من دولة أفریقیة. وكانت تجلس علی الكرسي المقابل لهما إمرأة شقراء لها شعر أصفر مسرح تحمل فی حضنها طفلا أشقر اللون فی الشهر السادس من عمره تقريبا، وبجانبها تجلس إمرأة شقراء تظهر شبيهة بالأم والطفل فی الشكل والملامح، و عليها علامات الشیخوخة وبجانبهما یقف رجل شبيه الملامع یظهر من شكله وطريقة حدیثه مع المرأتين كانه إبن المرأة العجوز وزوج المرأة التی تحمل طفلهما. وكان يبدو علی مظهرهم التعب والتعاسة و قصر التحدث بلغة أجنبية، أعطاني ذلك دلائل كافية علی أنها عائلة حدیثة اللجوء فی السويد من إحدی دول أوروبا الشرقية، علی الأرجح من أوكراینا. كانت كل عائلة تتحدث بلغتها الخاصة البعيدة عن السویدیة أو الكوردیة أو الإنگلیزیة أو العربية، ولذلك لم أفهم من حدیثهم شيئا سوی الحركات والمظاهر.

أثارت حركات الطفل إنتباهی وكأنه كان يحاول التخلص من قبضة أمه اللتي كانت تضمه بشدة إلی صدرها لحمایته من السقوط عندما كان یزید من حركته. كان الطفل يناضل منزعجا من قبضة الأم التی كان الحزن یغطی وجهها ويبدو عليها الإرهاق والتعب فی مسك الطفل ومنعه من القفز خارج حضنها بحثا عن طريق للخلاص من قيود أمه التی كانت مشغولة بالحديث مع زوجها أكثر من توجيه إهتمامها إلی طفلها. كان حدیث هذه العائلة مقتضبا تفوح منه رائحة الحزن و مرارة الفراق وكأنه كان یعبر عن خبرات أفرادها وذكرياتهم المؤلمة من زمن العيش التعيس فی وطنهم الغارق فی الحرب.

بعد فترة وجيزة وجدت الطفل قد توقف عن الحركة وثبت نظره علی وجه الرجل الأسود أمامه وتابع حركات فم هذا الرجل عندما كان یتحدث مع المرأة بجانبه بتحمس وحرارة و عاطفة جياشة. ظل الطفل الأشقر يراقب فم الرجل الأسود إلی أن لاحظت تقلیده لحركات فم الرجل وكأنه يحاول التحدث معه. وعندما كانت المرأة السوداء تشارك الحدیث مع الرجل كان الطفل یحول وجهه تجاه المرأة و يراقب فمها بدلا من فم الرجل، وأخذ يقلد حركات فمها أیضا. فی كل مرة تحدث الرجل الأسود كان الطفل سريع الحركة بإدارة وجهه تجاه الرجل لیراقب حركات فمه، و يعود لكی یراقب حركات فم المرأة السوداء وتقلبدها عندما كانت تتبادل الحدیث مع الرجل. بهذه الطريقة إستمر الطفل فی مراقبة حدیث المرأة والرجل من أفریقیا، و ظل یقلد حركات فمهما كلما تحدثوا وكأنه يحاول التحدث معهما أكثر من إهتمامه بحدیث والدیه. مضت دقائق علی تصرف هذا الطفل بهذا الشكل دون أن ينتبه إلیه أی من العائلتين. فكان هدوء الطفل و توقفه عن الحركة الزائدة بمثابة عامل خیر جلب الراحة والإسترخاء لأمه، وبعث الفرح والابتهاج للطفل متأثرا بتعابير الوجه المشع بالفرح والغبطة والسرور المنبعث من سلوك الرجل والمرأة من أفریقیا وحدیثهما الشیق.

إذا توفرت ظروف ملائمة لهذا الطفل أن یری من جديد حركات الفم وتعابير الوجه لأفراد ببشرة سوداء و يسمع مرة أخری اللغة التی سمعها منهما لابد أنها ستذكره بهذه الخبرة المفرحة له لتكون عاملا فعالا تعلمه علی قبول اللون الآخر واللغة الأخرى إضافة إلی لون والدیه أو لغتهما، وهذه الخبرة كفيلة بأن تهیئ لهذا الطفل وسائل التعايش السلمي و تشارك فی تكوین شخصية سليمة له حین بلوغه سن الرشد ليكون شخصا واعیا و فردا نشیطا فی عملية بناء السلم الإجتماعی فی مجتمعه.

بهذه الطريقة يتعلم الطفل كيفية التواصل مع البشر المختلفين عنه في اللون والصوت والرأی والدین والمبدأ، وهي مهارة أساسية لبناء علاقات اجتماعية صحية و متينة في مجتمع المستقبل الزاهر الذی تتمناه شعوب كوردستان فی الشرق الأوسط الأمين.