أفادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، في تقرير سري قدّمته إلى الدول الأعضاء يوم الإثنين، أنها رصدت آثاراً لليورانيوم خلال فحصها لموقع في محافظة دير الزور شرقي سوريا، يُعتقد أنه كان يضم مفاعلاً نووياً سرياً لم تكن الوكالة على علم به.
ويُشير الموقع إلى مبنى تم تدميره في أيلول/سبتمبر 2007 في غارة جوية شنتها إسرائيل، والتي ادّعت حينها أنه كان مفاعلاً نووياً تحت الإنشاء بمساعدة كورية شمالية، وهو ما نفته دمشق آنذاك، وادّعت أن الموقع كان مجرد قاعدة عسكرية تقليدية.
ومنذ تلك الغارة، ظلّت الوكالة تسعى للحصول على إجابات قاطعة حول طبيعة النشاط الذي كان يجري في الموقع، لكنها لم تتمكن من الوصول إليه بشكل كامل حتى العام الماضي، عندما تمكّنت من جمع عينات بيئية من الموقع، بموافقة من السلطات السورية.
وفي التقرير الجديد، كشفت الوكالة أنها عثرت على جزيئات من اليورانيوم الطبيعي بكميات “واضحة” في واحدة من ثلاث مناطق تم أخذ العينات منها. ولفت التقرير إلى أن تحليل هذه الجزيئات أظهر أنها من صنع بشري، أي ناتجة عن عملية كيميائية صناعية، وليس من تراب أو صخور طبيعية، ما يثير تساؤلات جوهرية حول مصدرها وسياق وجودها.
ومن المهم التوضيح أن اليورانيوم الطبيعي هو اليورانيوم غير المخصب، ولا يمكن استخدامه مباشرة في صنع قنبلة نووية، لكن وجوده في موقع غير معلن، وبصيغة معالجة كيميائياً، يُعدّ انتهاكاً للالتزامات الدولية إذا لم يُبلّغ عنه، وخصوصاً بموجب بروتوكول الضمانات الإضافي الذي يلتزم بتطبيقه أي عضو في الوكالة.
وأشار التقرير إلى أن المسؤولين السوريين أكدوا للوكالة أنهم لا يمتلكون أية معلومات تفسر وجود هذه الجزيئات، في وقت سمحت فيه الإدارة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع للوكالة بالعودة إلى الموقع في يونيو/حزيران الماضي لجمع مزيد من العينات، في خطوة وُصفت بأنها “تقدم إيجابي في التعاون”.
كما ذكر التقرير أن سوريا، خلال لقاء جمع الرئيس أحمد الشرع برئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الشهر نفسه، أبدت استعدادها للتعاون الكامل والشفاف مع الوكالة للتحقيق في الأنشطة النووية السابقة على أراضيها، في مؤشر على تغيّر في النهج مقارنةً بالحقبة السابقة التي تميزت بالتحفظ والرفض.
ويُعدّ هذا التقرير خطوة مهمة نحو تبديد الغموض الذي يلف الملف النووي السوري منذ أكثر من 17 عاماً، لكنه يطرح في الوقت نفسه أسئلة جديدة حول:
- من أجرى المعالجة الكيميائية لليورانيوم؟
- متى وكيف دخل اليورانيوم إلى الموقع؟
- هل كانت هناك محاولات لإخفاء الأدلة بعد القصف الإسرائيلي؟
ورغم التقدم في التعاون، تُشدد الوكالة على أن الاستنتاجات النهائية لا تزال بعيدة، وأنها بحاجة إلى مزيد من البيانات والوصول غير المشروط إلى المواقع المشبوهة لاستكمال التحقيق.
ويُنظر إلى هذه التطورات على أنها جزء من مسار أوسع لإعادة دمج سوريا في المنظومة الدولية بعد سنوات من العزلة، لكنها تُذكّر في الوقت نفسه بالحساسية الشديدة للأمن النووي في منطقة مضطربة، وضرورة الشفافية الكاملة لمنع أي تطورات خطيرة في المستقبل.

