خرج لقاء مكي، أحد محللي قناة الجزيرة، ليطلق تصريحًا يثير السخرية أكثر مما يثير الجدل، زاعمًا أن تنظيم داعش الذي اجتاح مدن العراق عام 2014 كان “صنيعة أعلى سلطة في العراق آنذاك”، في إشارة إلى رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي.
هذا الادعاء ليس سوى محاولة فجة لتزوير تاريخ قريب، تاريخ لم يُروَ لنا على طريقة قال الراوي، ولم نقرأه في كتب الأساطير القديمة، بل عشناه، ورأيناه.
وبينما كانت المدن تُبتلع تحت راية الخلافة السوداء، كان التنظيم يصف حكومة المالكي بـ”الرافضية والصفوية”، ويطلق عليه لقب “الهالكي”، متوعدًا بالذبح.
لكن لقاء مكي، وعلى خطى من سبقوه في صناعة الرواية المضللة، يصرّ على قلب الحقائق، متكئًا على قاعدة “رمتني بدائها وانسلت”، محاولًا تبرئة من سهّل للتنظيم طريقه، سواء بالصمت أو التواطؤ أو التمويل.
ولأن التاريخ لا يُكتب بالانطباعات، بل بالوقائع، فإن هذا المقال يأتي لتفكيك الخطاب المضلل، وتقديم السياق الحقيقي لصعود داعش وهزيمته، بعيدًا عن الشعارات العابرة والاتهامات المجانية.
- من الزرقاوي إلى البغدادي: النواة الأولى لداعش
في صيف الموصل عام 2014، ارتجف العالم أمام مشهد إعلان “دولة الخلافة”، لكن جذور هذا الزلزال لا تعود إلى ذلك الصيف وحده، بل إلى عام 2003، حين دخل أبو مصعب الزرقاوي إلى العراق، حاملاً معه بذور الخراب.
أسّس جماعة “التوحيد والجهاد”، ثم بايع أسامة بن لادن ليصبح فرع القاعدة في بلاد الرافدين. وبعد مقتل الزرقاوي، تناوب على القيادة أبو أيوب المصري وأبو عمر البغدادي، قبل أن يتسلم الراية أبو بكر البغدادي، معلنًا في 2013 تأسيس “داعش”.
الأسماء التي مرت عليك أعلاه كلها لمتشددين سلفيين سنة من السعودية والاردن ومصر والعراق وليس فيهم ولا شيعي واحد.
كان التنظيم أشبه بآلة جهنمية، تغذّيها أيديولوجيا سلفية سنية جهادية متطرفة، تكفّر كل من خالفها، وخصوصا الشيعة، وتدعو إلى خلافة لا تعرف من الإسلام سوى حد السيف. انضم إليه آلاف المقاتلين من أكثر من 80 دولة، ما جعله ظاهرة عابرة للحدود، لا مجرد تنظيم محلي.
- كيف اجتاح داعش العراق؟
لم يكن اجتياح المحافظات السنية وليد لحظته، بل نتيجة تواطؤ داخلي من مسؤولين محليين، قادة عشائر، وضباط سابقين في جيش صدام، ممن رأوا في التنظيم وسيلة للانقلاب على النظام الجديد. أما الخارج، فقد لعب دوره الخفي بصمتٍ مدروس.
لكن وثائق كشفت أن إدارة أوباما سمحت بتصاعد العنف للضغط على المالكي، بعد رفضه تمديد بقاء القوات الأميركية عام 2011.
فيما تبين من ارقام هياكل سيارات حديثة استخدمها التنظيم في هجومه على العراق انها مصنعة في اليابان ومصدّرة الى السعودية وقطر، كيف اذن وصلت الى التنظيم المصنف ارهابيا؟ هذا ما لم تجب عنه الدولتان.
لكن المعطيات اكدت أن دولا إقليمية كقطر والسعودية والإمارات، استثمرت التوتر بين بغداد وواشنطن، فدعمت جماعات سلفية متطرفة، ووجّهتها نحو غزو العراق. بينما غضّت القوى الدولية الطرف، وكأنها تراقب مشهدًا في مسرحية لا يعنيها سوى نهايتها.
- الحشد الشعبي
في 13 حزيران 2014، صدرت فتوى المرجع الشيعي الاعلى السيد السيستاني، لم تكن نداء سياسيا، بل صرخة من عمق الموقف. استجابت لها فصائل شيعية عقائدية، وشكّلت ما عرف بـ”الحشد الشعبي”، الذي لم يكن مجرد قوة عسكرية، بل تجسيدًا لفكرة المقاومة، واستحضارًا لرمزية كربلاء في وجه الخلافة السوداء.
قاتل الحشد في تكريت، بيجي، الفلوجة، والموصل، وقدم آلاف الشهداء. وبحسب المصادر، استشهد أكثر من 10,000 مقاتل، وأُصيب أكثر من 30,000، غالبيتهم من الشيعة، ما جعل الحشد رمزًا للفداء، ومرآةً لوعي جمعي أعاد تعريف مفاهيم الدفاع والهوية والمقدسات.
- هل تلقت داعش دعمًا خارجيًا؟
دراسات عدة، منها تقرير لمرصد الإفتاء المصري، أثارت تساؤلات حول علاقات بين إسرائيل وداعش. أشارت إلى علاج ميداني لجرحى التنظيم في مستشفيات الجولان، وصفقات نفط عبر وسطاء، وتجنب التنظيم استهداف إسرائيل رغم هجماته على دول الجوار.
هذه المعطيات فتحت بابًا للتأويلات، خصوصًا في ظل صمت دولي مريب، وتوظيف التنظيم كأداة لإعادة رسم خرائط النفوذ.
- من يصنع الإرهاب ومن يواجهه؟
الزعم بأن داعش “صنيعة المالكي” لا يصمد أمام أبسط تفكيك عقائدي. فالتنظيم يكفّر الشيعة علنًا، ويدعو إلى قتلهم، فكيف يمكن أن يكون مدعومًا من سياسي شيعي؟ الأكثر مفارقة أن من واجه داعش، ودفع الدماء، كانوا مقاتلين شيعة عقائديين، استجابوا لفتوى المرجعية، واعتبروا المعركة امتدادًا لكربلاء.
إن اختزال ظهور داعش في قرار سياسي هو تجاهل متعمد لشبكة معقدة من التواطؤ المحلي والدعم الإقليمي والدولي.
داعش لم يكن صناعة المالكي، بل صناعة الأحقاد التي هالها صعود الشيعة في عراقٍ بدأ يستعيد هويته. أما الحشد الشعبي، فكان ردًا عراقيًا خالصًا، كتب بدمائه فصلًا جديدًا في تاريخ المقاومة، لا في العراق فحسب، بل في الوعي العربي كله

