ما ذهبنا اليه من أن الحشد الشعبي هو الدرعُ الصلب لردع اي عدوان قد يقع على العراق، وأن فصائل المقاومة هو الظهير الآمن للقوى الوطنية بوجه القوى الظلامية بقيادة أمريكا وقواعدها العسكرية المنتشرة في العراق، ومعها بلا شك، الخلايا النائمة. تلك الخلايا التي تريد الشر بالعراق، والتي تهدف الى قلب النظام السياسي الشيعي على ارض الرافدين. فالضربة الاسرائيلية على الاراضي القطرية ( 9 سبتمبر 2025 ) لم تكن إلا الدليل القاطع على مصداقية فصائل المقاومة العراقية في مواقفها الوطنية من القواعد العسكرية الامريكية في العراق المتواجدة تحت اليافطة الخادعة ” حماية العراق من داعش “. فالضرية العسكرية الاسرائلية على اراضي قطرلم تكن اعتباطية، بل كانت رسالة للدول الخليجية ( العراق الهدف التالي ) إن فكرت يوما ان تقف بوجه الاهداف او المصالح الامريكية، واسرائيل في قلب تلك المصالح بل الأهم فيها. وأن الهيمنة الامريكية في منطقة الشرق الاوسط مرهون بالوجود الاسرائيلي الابدي في قلب الامة العربية. كذلك، فالعدوان الاسرائيلي المدعوم امريكيا، لم يمثل استهتاراً بالعرب وبالقانون الدولي فحسب، بل شكل عملا إجراميا وصفعة لدبلوماسية هيئة الامم المتحدة ( الغائبة اصلا ) عندما تزامنت الضربة هذه مع جلسة تفاوضية كانت تُعقد برعايةٍ دولية وبطلب من أمريكا وإسرائيل تحديدا، واللتان خانتا وتخون العرب في كل شأن.
وسؤالنا المنطقي، والذي يذهب اليه الكثير من المحللين: أين كانت القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، وعلى رأسها قاعدة العديد الجوية في قطر، القاعدة الامريكية الاكبر في العالم، عن حماية سيادة قطر، الحليف الامريكي المدلل. واين نظام الدفاع الجوي القطري، الذي كلف ميزانية قطر المليارات ؟. أنها وبحق مفارقة مأساوية تكشف بوضوح أن ” الضمانات الأمريكية ” لأمن حلفائها ( العراق ضمنا ) هي مجرد وهم، وأن الحماية الامريكية لا تُغني عن بناء قوة ذاتية، عسكرياً وشعبياً.
لقد برهن العدوان العسكري الاسرائيلي على قطر على غدر فاضح واضح لترامب المخادع ونتن ياهو المعتوه في سلوكهما المشين في تعاملهما المذل مع حكام العرب ” السذج”.وهو سلوك لا يعكس إلا النوايا الحبيثة في رفض الحلول السلمية والتمسك بخيار الحرب والتوسع المدعوم امريكيا. وأن الاعتداء على قطر، الذي وهب أميره لترامب طائرة رئاسية بقيمة ما يقرب من نصف مليار دولار فضلا عن منح مليارات أخرى من الدولارات ” عرفانا ” و ” تقديرا ” لجهود ترامب في حماية كرسي الحكم الاميري.
أن هذا السلوك العدواني الذي لا يعترف بحدودٍ أو أخلاقٍ أو قوانين يجب أن يكون جرس إنذارٍ لكل الدول التي سارت والتي تسير في درب التطبيع. فها هي إسرائيل تضرب حليفاً أمريكياً بارزاً أثناء مفاوضات سلام، فكيف ستحترم اتفاقيات التطبيع مع دولٍ أخرى ( فشل التطبيع الإبراهيمي مع مصر والأردن الخ … )؟. لقد أثبتت الضربة أن الأمان الذي وَعَدهُ دعاة التطبيع هو سرابٌ لن يحمي أحداً من عدوانية آلة الحرب الإسرائيلية متى شاءت. وأن الاعتماد على القواعد العسكرية، امريكية كانت ام من دول الغرب الاوربي، ليس إلا انتحاراً سياسياً للقوى العربية الحاكمة الهشة الخاضعة وإمعانا في إذلال الشعب العربي.
فالعدوان الاسرائيلي على قطر لم يكن مجرّد محطة جديدة في مسلسل الاستهدافات التي دأبت عليها تل أبيب منذ اندلاع حرب غزة، بل شكّل نقلة نوعية في طبيعة الاشتباك وحدوده. فمسلسل العدوان وضرب اكثر من خمس دول عربية في ذات الوقت دليل ساطع على هشاشة الحكم العربي وخذلانه بل خيانته للقضية المركزية التي طالما تغنت بإنغامها من خلال عقد قمم عربية أبدعت في طرح بيانات الشجب والاستنكار والإدانة. وأن ضرب إسرائيل قلب دولة خليجية ذات ثقل دبلوماسي تحت عنوان القضاء على قيادات حركة حماس ” الارهابية “ المقيمة هناك، لايعني عمليًا إلا سقوط آخر ما تبقّى من ماء الوجه العربي. وأمعاناً في ذل حكام العرب حيث جاء العدوان الاسرائيلي على قطر بعد ساعات فقط من استهداف سفينة جديدة من “أسطول الصمود” في تونس وفي الغاارات على وزارة الدفاع اليمنية ومباني حكومية ليكرّس ” عدوكم ” مساره الحر بين عواصمكم وموانئكم لفرض معادلة الهيمنة على كامل منطقتكم. فالأمر أيها العرب، المنبطحون المتخاذلون المتطبعون، لم يعد محصورًا بالقضية الفلسطينية ” المقدسة “، ولا بالجبهات المتفرعة عنها من لبنان إلى سوريا وصولاً إلى اليمن وقد يصل الامر الى العراق عندما يصرح الـ نتن ياهو: إنّ يد اسرائيل طويلة بما يكفي لتطال كل الدول التي قد تتجرأ على معارضتها أو كسر الحصار المفروض على غزة المغتصبة .
مفارقة آخرى … أن الدعم الامريكي المبطن لإسرائيل والتظاهر بمظهر ” الممتعض ” من حراك نتن ياهو ” المنفلت ” يكشف عن المعايير المزدوجة في التمايز في المواقف والذي يفتح الباب أمام أكثر من قراءة…. هل يعني أنّ إسرائيل باتت في موقع الانفلات من حسابات واشنطن، بحيث تتحرك بما يتناقض مع مصالح امريكا المباشرة ؟. أم أنّ العدوان على قطر يعكس حدود القدرة الأميركية على لجم حليفتها في ظل سياق داخلي أميركي مضطرب، يجعل البيت الأبيض أكثر هشاشة في ضبط تل أبيب؟. أم أنه توزيع أدوار ليس أكثر، حتى تتحرّر واشنطن من أيّ مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة في ما جرى لتقول إنّ إسرائيل تتصرّف من دون أخذ أيّ ضوء أخضر من الولايات المتحدة ؟؟؟.
إن العدوان الإسرائيلي على قطر ليس مجرد عملية عسكرية، بل منعطف جيوسياسي وجيوعسكري كبير، فهو إعلان عملي عن مرحلة جديدة من الانفلات الإسرائيلي لتحقيق خارطة جديدة لمنطقة الشرق الاوسط ، تحاول تل أبيب من خلالها فرض قواعد اشتباك مختلفة، تتجاوز الخطوط الحمر وتختبر قدرة الآخرين على الرد أو الردع، وأن هذا العدوان الاسرائيلي ” المنفلت ” قد يفتح الباب أمام سلسلة تداعيات تمتد من الخليج ( العراق غير مستبعد ) إلى شمال أفريقيا ( مصر ) ليكرّس معادلة إقليمية جديدة ولربما دولية ( حرب عالمية ثالثة ) في حال طلب عربي المساعدة من روسيا او الصين دفاعا عن وجود الامة العربية المفككة.

