لماذا الحاجة إلى الدولة العلمانية- قلم ( كامل سلمان )

لو سألنا أي إنسان عاقل أيهما أفضل : العيش في دولة آمنة مستقرة تحفظ كرامة الإنسان يتساوى فيها الناس بالحقوق والواجبات وجميعهم يقفون بمسافة واحدة أمام القانون أم دولة فيها القوي فوق الضعيف ولا كرامة للضعيف ولا عدالة بين الناس ولا آمان ولا مستقبل للأبناء ، أكيد سيكون الخيار الأول هو الأفضل ، الخيار الأول يعني الدولة المدنية العلمانية الدستورية التي هي حلم كل إنسان عاقل وهي السر وراء كل التطورات المذهلة التي غيرت وجه التأريخ خلال القرنين الأخيرين ، وهي الدول التي يطلب إليها سكان القارات اللجوء ويحلمون في الهجرة إليها والعيش بها ، وببركة العلمانية أضاءت منازلنا ومنها أدويتنا ولوازمنا وسلاحنا وعلمنا ووسائل تواصلنا واتصالاتنا ، أما الخيار الثاني لا يتقبلها إلا من سفهه عقله لأنها عكس الدولة العلمانية وهي الدولة العقائدية الشمولية التي تعتبر العقيدة فوق قيمة الإنسان والإنسان فداء للعقيدة ولم تقدم الدولة العقائدية الشمولية أي تغيير إيجابي للإنسان في حياته منذ مئات السنين فمن غير المنطق أن يقبل الإنسان السوي الخيار السيء لكن رغم هذا الفارق الكبير بين السيء والحسن إلا أنه فعلاً هناك أناس يذهبون إلى اختيار السيء ، فهل أن اختيار السيء جاء بمحض ارادتهم العقلية ؟ الجواب مستحيل أن يختار الإنسان الطبيعي الشيء السيء بقناعة عقلية ، قد يكون بمحض ارادته ولكن ليست الإرادة العقلية بل الإرادة الاعتقادية ، هناك فارق كبير بين الإرادة العقلية والإرادة الاعتقادية ، الإرادة العقلية تنبع خالصة من عقل الإنسان الذي يميز بين الخير والشر وبين النافع والضار وبين الظلام والنور ، أما الإرادة الاعتقادية تنبع من نصوص المعتقد التي تؤدي إلى استسلام العقل وعدم قدرته على تمييز الخير من الشر فهؤلاء الذين لهم القدرة على اختيار الشيء السيء ونبذ الشيء الحسن قد غاصوا في معتقدات مشوهة غلبت عقولهم تجّمل وتزّين لهم صورة الشيء السيء وتقبح لهم صورة الشيء الجميل وتعمل هذه المعتقدات على عزل دور العقل تماماً لأن العقل الواعي لا يمكن خداعه ولا يمكن عزله ولكن العقل المستسلم للمعتقد يمكن خداعه . نظام الحكم العلماني أو الدولة العلمانية على دراية بما يحدث للعقل عندما يتم عزله لذلك عمدت قوانين الدول العلمانية إلى إحياء وتحرير العقل قبل كل شيء وعدم السماح للمعتقدات مهما كانت جميلة أن تأخذ دورها في قيادة الحياة والتحكم بالإنسان ، بمعنى الدولة العلمانية تجعل العقل هو الذي يقرر كل شيء يخص حياة الإنسان لذلك أعطت الأنظمة العلمانية للتعليم عصارة جهودها العلمية والمالية والاجتماعية لكي يصنعوا الإنسان الصحيح . الدولة العلمانية ليست مجرد نظام حكم عادل منصف بين الناس بل هي نظام حكم يعيد للعقل دوره في الحياة . هذا الفارق الهائل بين ما تعيشه الدول العلمانية والدول الشمولية العقائدية ينطلق من تحرير عقل الإنسان . قد نجد الكثير من الناس عقولهم قابعة تحت أنواع العقائد حتى في داخل الدول العلمانية لكنهم لا يستطيعون مخالفة التوجه العام الذي يعيشه المجتمع داخل الدولة . فمن يعتقد بأن كل من عاش في كنف الدولة العلمانية هو متحرر العقل فهذا اعتقاد خاطىء ولكن الصحيح هو ان كل من عاش في كنف الدولة العلمانية فهو علماني السلوك رغم معتقده ينصاع للتوجه العام للمجتمع ولا يستطيع العبور على القوانين التي تنصف الجميع ولا يسمح له السير عكس الاتجاه أو السير في الطريق الوعر الذي يربك حركة الحياة فهناك أجبار على احترام القوانين المنصفة للجميع وإلا فالحساب والعقاب يكون بالانتظار . وختاماً فأن كل من يسعى لتشويه أهمية الدولة المدنية الدستورية العلمانية بحجة الحفاظ على المجتمع أو الحفاظ على الدين هو العدو الحقيقي للإنسانية والعدو للأخلاق والعدو للحرية وهو خطر على الناس كافة لابد من ترميم بناءه الداخلي وإيقاظه من سباته .