صرخة المعرفة في زمن الغياب – بوتان زيباري

 

 

في رحم الزمان يقف المُثَقَّفُ كمرآةٍ لا تكذب، يحمل في كفيه الأقدار التي فُرِضت على الأمة، ويقرأ في خطوط الحاضر ما بين ثنايا الظل والنور. إن المُثَقَّفَ، سواء كان عالِمًا مؤلَّفًا أو ناقل أفكارٍ عابر، لا يكفي أن يكون مفكّرًا فحسب، بل يجب أن يكون عابِرًا للأبواب المحرَّمة، ضميرًا تنبض به الأمة، وحلقة الوصل بين الماضي والمستقبل، بين الإيمان والفكر، بين الشعور والعمل. فالمعرفة إن لم تُترجَم إلى وعيٍ مغاير، تبقى عبئًا جامدًا لا يحرك قطار التغيّر.

حين يظل المُثَقَّفُ في برجٍ معزول، محاطًا بكتب وجدران عالية، فهو يخون وعده لـ “الأمة التي تستحق أن تُرى بعينيه”، كما لو أنه فارقها في اللحظة التي تكشّف لها الألم. المُثَقَّفُ الحقيقي لا يهرب من صوت الجماهير؛ بل يصغي إلى الآهات، يعلن الوجع، ويضيء الأمل. إنه من رحم المعاناة يُولد، ومن روح الثورة يُكتَب، ومن صميم الوطنية يُنطق.

في مسار الوعي التاريخي، يتجلّى دور المُثَقَّفِ في مواجهة ماضٍ تسلّط عليه طغاة، لم يُقرؤه بعد، فلعناته ما تزال تجتثّ الشجر. عليه أن يُخاض معركة فكّ التقهقر، لا ليُمجِّد، بل ليفكّك ويرتّب الأديم من جديد، يقرأ بسيوف العقل ما أخفته السنون، ثم يبعث الرؤية في الأجيال. إنه المُثَقَّفُ الذي يفهم أمّته في سياقها، ويُعيّن لها موقعًا في العالم، ليحوّل هذا الفهم إلى حركة لا تضيع.

حين يُفرّ المُثَقَّفُ من جذوره الروحية، تستقرّ خطاه في صحراء شرودة وجوديّ، معزولًا عن العفّة التي تبارزه، منقطعًا عن الرجاء الباطني الذي تسكنه الجماهير، التي وإن لم تبلور وعيها بعد، فإيمانها الفطري ما يزال ينبض في الصدور. في اللقاء بين الإيمان والوعي، يُولد مجتمع لا يفصِل بين الروح والعقل، بين الدين والفكر، بين الإنسان والتاريخ. هنا يحتاج المُثَقَّفُ إلى إيمانٍ يدفئه، وللجماهير وعيٌ يرفعها، فتلتقي الرؤى في أُفق واحد.

لكن هذه الرؤية لا تكفي وحدها؛ بل يجب أن تنزل إلى ساحة الواقع، تشارك في بناء الوعي الجمعي، لا أن تبقى في عزل الأكاديمية. المُثَقَّفُ لا يُجيد الحياد، بل يجب أن يتخذ موقفًا حازمًا إلى جانب قضايا العدالة والحرية، التحرر من التبعية والمصادرات الفكرية. وعليه أن يقاوم مدلولات الاستيراد الأعمى، ويُنتج فكرًا ينهض من تجربة أمّته، من أعماق تاريخها، من ثقافتها. فالأفكار المنقولة دون صدى السياق تصبح أغراضًا بلا روح، لا تُحيي بل تسلب.

ومن ثم، فإن الفكر ليكون فاعلًا لا بد أن يسبح بحقله في فضاء النشر والتداول. المُثَقَّفُ والعلاقة مع وسائل التعبير هي جسور تنقل وعيه إلى الأجيال. لا يكفي أن توجد مؤسسات للنشر، بل يجب أن تكون مؤسسات حية، ملتزمة بالمضمون لا بدعاوى السلطة. فحين تتحوّل الوسيلة إلى غاية، ينحرف الوعي، ويغيب المضمون في لغةٍ خالية.

في هذا المسار، يُطالعنا المُثَقَّفُ كنبِي معاصر — ليس بوحيٍ سماوي، بل بوعيٍ نهضويّ. إنه “المعلم المتألِّم” الذي خرج من رحم الأمة، تَجسّدت في جوفه آلامها وأحلامها، يرى المعرفة فريضة والفكر رسالة. رسالة ليست تأليهًا، بل التزامٌ بالتقوى والعقل، حملٌ للعدل في زمن الظلم، ونور في ليالي القهر.

وفي اللحظة التي يلتقي فيها الفعل بالفكر، والروح بالشعور، يستعيد المُثَقَّفُ مكانته كقوة تغيير لا كنغمة معزولة. فالمهمة مزدوجة: أن يكون مفكرًا وفاعلًا، أن يجمع بين بسمة الروح وتحرّر الكلمة، بين حنين التراث ونبض المعاصرة، بين المعرفة والفعل. هنا، وبكلمة واحدة، يُصوغ المُثَقَّفُ مجده: أن يولد من الألم ويمضي إلى الفجر حاملًا شعلة الوعي.

 

بوتان زيباري

السويد

08.10.2025